التوبة

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قَالَ الباقر (ع):

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَ‏ّ رَاحِلَتَهُ،‏ وَزَادَهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ، فَوَجَدَهَا، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ حِينَ وَجَدَهَا.

التوبة هي الندم على المعصية، والعزم على ترك المعاودة؛ وقد وردت التوبة في القرآن الكريم، والسنة الشريفة، وهي واجبة وجوبا فوريا على كل مكلف، واشترطوا للتوبة شروطا لابدَّ من توفرها لتصحّ من العبد كالندم على من صدر منه من المعاصي، والخروج من تبعات الذنوب التي اقترفها سابقا، وهي على أقسام تختلف بحسب الجهة الملحوظة فيها، وللتوبة آثار كثيرة على المكلف منها: آثار دنيوية، وآثار أخروية، وآثار فقهية.

تعريف التوبة

  • لغة: توب:‏ التاء والواو والباء كلمةٌ واحدةٌ تدلُّ على الرُّجوع. يقال‏ تَابَ‏ مِنْ ذنبه، أى رَجَعَ عنه‏ يتُوب‏ إلى اللَّه‏ تَوبةً ومَتَاباً، فهو تائب‏. والتَّوْبُ‏ التَّوبة.قال اللَّه تعالى: ﴿وَقابِلِ‏ التَّوْبِ ﴾‏.[١]

والتوبة إذا اُضيفت إلى العبد اُريد بها الرجوع عن المعصية إلى طاعة اللّه‏ سبحانه وقربه، وتتعدّى حينئذٍ بحرف الانتهاء (إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَاراً ﴾.[٢]

وإذا اُضيفت إلى الله سبحانه وتعالى اُريد بها الرجوع عن العقوبة بالتفضّل والرحمة على العبد، وتتعدّى بحرف الاستعلاء، كقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾.[٣]

  • اصطلاحا: هي الندم على المعصية، والعزم على ترك المعاودة؛ لأن التوبة بذل الوسع، ولا يكون باذلا بوسعه إلاّ إذا عزم على ترك المعاودة مع ندم على السالف.[٤]

التوبة في القران والسنة

  • التوبة في القرآن الكريم

لقد ذكرت التوبة في الكثير من الآيات القرآنية الشريفة، ومنها في سورة النساء،[٥] والمائدة،[٦] والأنعام،[٧] والتوبة،[٨] والشورى،[٩]، ومنها أيضا ما ذكر في سورة التحريم:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.[١٠]

  • التوبة في السنة الشريفة

إضافة للقرآن الكريم فهناك روايات كثيرة لقد ذكرت التوبة فيها، وشجعت عليها وشرحت شروطها،[١١] ومنها ما نُقل عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ ذُنُوبُ الْمُؤْمِنِ إِذَا تَابَ مِنْهَا مَغْفُورَةٌ لَهُ، فَلْيَعْمَلِ الْمُؤْمِنُ لِمَا يَسْتَأْنِفُ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَالْمَغْفِرَةِ أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ. قُلْتُ: فَإِنْ عَادَ بَعْدَ التَّوْبَةِ، وَالِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ، وَعَادَ فِي التَّوْبَةِ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ أَتَرَى الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ يَنْدَمُ عَلَى ذَنْبِهِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنْهُ، وَيَتُوبُ، ثُمَّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ‏. قُلْتُ: فَإِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِرَاراً يُذْنِبُ، ثُمَّ يَتُوبُ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ؟ فَقَالَ: كُلَّمَا عَادَ الْمُؤْمِنُ بِالاسْتِغْفَارِ، وَالتَّوْبَةِ عَادَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ‏ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ ... وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ ﴾،‏ فَإِيَّاكَ أَنْ تُقَنِّطَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّه‏.[١٢]

الفاظ ذات صلة

  1. الندم: وهو بمعنى التأسّف وتمنّي الإنسان أنّ ما وقع لم يقع،[١٣] وهو أعم من التوبة؛ لأنّ الإنسان قد يندم على فعل من دون أن يعتقد قبحه، ولا يكون الندم والتوبة إلاّ من قبيح.[١٤]
  2. الاعتذار: وهو إظهار ما يقتضي العذر وطلب قبوله، والفرق بينه وبين التوبة: أنّ التائب مقرّ بالذنب الذي يتوب منه معترف بعدم عذره فيه، والمعتذر يذكر أنّ له فيما أتاه من المكروه عذراً.[١٥]
  3. الاستغفار: وهو بمعنى طلب المغفرة بالمقال والفعال،[١٦] فهو يغاير التوبة مفهوماً ومصداقاً؛[١٧] لقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾.[١٨]
  4. الإنابة: وهي - لغةً - الرجوع إلى اللّه‏ سبحانه بالتوبة،[١٩] وذكر بعض الفقهاء أنّ الإنابة غير التوبة؛ إذ الإنابة هي الرجوع حتى من المباحات إليه تعالى، ولكن التوبة هي الرجوع من الذنب فقط.[٢٠]

الحكمة من تشريع التوبة

أنّ فتح باب التوبة على العباد من أعظم منن الله‏ تعالى على عباده، والغرض من تشريعها هو منع المذنبين عن القنوط من رحمة اللّه‏،[٢١] وأنّها لتستر عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء،[٢٢] وأنّها تورث محبّة الربّ ورضوانه، والمصير إلى جنانه،[٢٣] قال اللّه‏ تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾.[٢٤]

وجوب التوبة ونوعه

لقد صرّح الفقهاء بوجوب المبادرة إلى التوبة،[٢٥] وحكي عليه الإجماع والاتّفاق،[٢٦] بل حكي اتّفاق أهل الإسلام عليه.[٢٧]

ويجب التوبة من الذنوب والمعاصي مطلقاً عن الصغائر والكبائر،[٢٨] بل ادّعي عليه الإجماع،[٢٩]واستدلّ على هذا الوجوب - مضافاً إلى الإجماع - بما يلي:

  • الكتاب الكريم: لقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾،[٣٠] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾.[٣١]
  • السنة الشريفة: كقول الإمام الرضا عن آبائه عليهم السلام.png: «قال رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم: اعترفوا بنعم اللّه‏ ربّكم، وتوبوا إلى اللّه‏ من جميع ذنوبكم؛ فإنّ اللّه‏ يحبّ الشاكرين من عباده»،[٣٢] وقول الإمام علي عليه السلام في وصيّته للإمام الحسن عليه السلام: «وإن قارفت سيّئة فعجّل محوها بالتوبة».[٣٣]
  • العقل: يجب التوبة عن المعاصي عقلاً، بمعنى أنّ العقل العملي المدرك للحسن والقبح العقليين كما يحكم بلزوم إطاعة المولى الحقيقي - وهو الله‏ سبحانه وتعالى - كذلك يحكم بلزوم التوبة عن مخالفة أمره ونهيه؛ لأنّها مقتضى أدب العبودية اللازم عقلاً تجاه المولى الحقيقي، وذكروا لهذا الحكم بالوجوب أكثر من ملاك، ومنها:
  1. لزوم دفع الضرر المحتمل،[٣٤] حيث إنّ في ترك التوبة احتمال ضرر عظيم وهو العقوبة الاُخروية والعذاب الأليم، فلأجل دفع هذا الاحتمال والتخلّص من العقاب المحتمل يستقلّ العقل بالتوبة والرجوع إليه تعالى.[٣٥]
  2. وجوب الندم على كلّ فعل قبيح أو الإخلال بالواجب، ومرجعه إلى قاعدة الحسن والقبح العقليين.[٣٦]
  3. ما ذكره علماء الأخلاق من أنّ الواجب العقلي هو ما يتوقّف عليه الوصول إلى السعادة الأبدية التي خُلق الإنسان لأجلها، ولا ريب أنّه لا سعادة إلاّ في لقاء اللّه‏ سبحانه والاُنس به، ولا يبعّد عنه إلاّ اتّباع الشهوات والاُنس بالدنيا والانكباب عليها، ومن المعلوم أنّ الانصراف عن الطريق المُبعِّد والاحتراز عمّا يوجب البُعد عن اللّه‏ تعالى واجب متحتّم للوصول إلى السعادة الأبدية التي خلق الإنسان لأجلها، ولا يتحقّق الانصراف إلاّ بالتوبة والرجوع إليه تعالى.[٣٧]
  4. لزوم شكر المنعم، حيث إنّ التوبة إليه تعالى والرجوع عن عصيانه وتمرّده ومخالفة أوامره تكون مصداقاً لشكر المولى سبحانه وتداركاً لما اقترفه العبد العاصي.[٣٨]

شروط التوبة

  1. الشروط العامة للتكليف: يُشترط في التائب البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد.
  2. ترك الفعل الذي اقترفه في الحال.[٣٩]
  3. الندم على ما صدر منه من المعصية.[٤٠]
  4. العزم على عدم العود في المستقبل إلى الذنب.[٤١]
  5. الاستغفار.[٤٢]
  6. النيّة: اشترط بعض الفقهاء النيّة في التوبة بأن تقع امتثالاً لأمر اللّه‏ تعالى شأنه؛ فهي من العبادات المعتبر فيها النية والإخلاص.[٤٣]
  7. الخروج من تبعات الذنوب: لو تعلّق بالمعصية حقّ للّه‏ تعالى أو للناس، فيعتبر في تحقّق التوبة عن تلك المعصية أداء تلك الحقوق والتخلّص من تبعاتها، سواء كان الحقّ ماليّاً أو جناية على النفس أو الطرف أو حقّاً أخلاقيّاً،[٤٤] فلابدَّ من أدائها لتصحّ توبته، بل ادّعى بعضهم عدم الخلاف في ذلك نصّاً وفتوى.[٤٥]

تبعيض التوبة

التبعيض في التوبة هو عبارة عن توبة العاصي عن بعض ما ارتكبه من المعاصي دون بعض، كأن يتوب عن الزنا دون شرب الخمر، أو عن شرب الخمر دون أكل أموال الناس قهراً أو غصباً، وقد صرّح كثير من العلماء بصحّته وإمكانه قائلين بأنّه لا استحالة في أن يتوب العاصي من بعض المعاصي دون بعض؛ لتصوّره أنّ الأوّل أشدّ وأعظم إثماً عند اللّه‏ سبحانه وأجلب لسخطه ومقته من الآخر.[٤٦]

كما أنّه قد تكون شهوة أحد بنوع من المعصية شديدة بحيث لا يقدر على الصبر عنها، وتكون شهوته بنوع آخر منها أقلّ، فيمكنه الترك بسهولة، فيتوب عنه دون الأوّل، وإن كان الأوّل أشدّ، وأغلظ إثماً كالذي شهوته بالخمر أشدّ من شهوته بالغيبة، فيترك الغيبة ويتوب عنها دون الخمر، فيندفع عنه إثم الأوّل بالتوبة عنه، ويبقى إثم الثاني ولا يندفع عنه ما لم يتب. قال الشيخ البهائي: «والأصحّ صحّة المبعّضة».[٤٧]

أقسام التوبة

إنَّ للتوبة عدة تقسيمات، وهي:

  • تقسيم التوبة بلحاظ ترتّب الآثار

لقد قسّم الفقهاء التوبة المعتبرة إلى نوعين:

  1. التوبة الباطنية: وهي التوبة الواقعة حقيقة، وثبوتاً من العبد العاصي إلى مولاه الكريم سبحانه، وهي التي يندفع بها إثم الذنب مع تحقّق شروطها.
  2. التوبة الظاهرية: التي قد يُطلق عليها الحكمية، وهي التي تترتّب عليها الآثار الشرعية، مثل : سقوط الحدّ، وعود وصف العدالة، وزوال وصف الفسق، كما يترتّب على التوبة الواقعية سقوط العقوبة والعذاب الإلهي في دار الآخرة، والتوبة الظاهرية أو الحكمية يشترط فيها أن يعلم بها الناس من خلال أيّ مُبرِز لفظاً كان أو فعلاً.[٤٨]
  • تقسيم التوبة بلحاظ سنخها ودرجتها

لقد قسّموا التوبة إلى قسمين: نصوح وغيرها، والأصل في هذا العنوان قول اللّه‏ تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ﴾،[٤٩] واختلفوا في تفسيرها، فمنهم من فسّرها بالتوبة الخالصة لوجه اللّه‏ تعالى، فيكون تقسيم التوبة إلى النصوح وغيره تقسيماً لها بلحاظ ما هو شرط لصحّتها.[٥٠]

  • تقسيم التوبة بلحاظ درجة التائب ومستوى إيمانه

تنقسم التوبة إلى:

  1. توبة العوام: وهي التوبة عن الذنوب بالجوارح.
  2. توبة الخواص: وهي التوبة عن رذائل الصفات التي هي المبدأ للذنوب بالجوارح.
  3. توبة خواص الخواص: وهي التوبة عمّا لا ينبغي أن يفعل أو يترك.
  4. توبة أخصّ خواص الخواص: وهي التوبة عن التوجّه إلى غير الحقّ تعالى شأنه؛ ولعلّ هذا الأخير هو الذي كان رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر اللّه‏ منه كلّ يوم سبعين مرّة.[٥١]

آثار التوبة

إنَّ للتوبة آثار عديدة، ومنها:

  • سقوط العقاب والخلاص من المؤاخذة والمسائلة الاُخروية: لقد أجمع أهل الإسلام على أنّه إذا تاب العبد مراعياً كافّة شرائط التوبة يسقط عنه العقاب في الآخرة، ونجى من المؤاخذة تجاه ما ارتكبه من المعاصي، قال الشيخ الطوسي: «والذي أجمعت الاُمّة عليه هو أنّه إذا ندم على القبيح لكونه قبيحاً وعزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح، فإنّه لا خلاف بين الاُمّة أنّ هذه التوبة تسقط العقاب عندها».[٥٢]
  • سقوط الحدّ عن التائب: بالتوبة يسقط الحد عن التائب في عدّة موارد:
  1. الارتداد: لا خلاف في أنّ توبة المرتدّ الملّي توجب سقوط حدّ القتل، وترتّب أحكام الإسلام، بخلاف توبة المرتدّ الفطري، فإنّها لا توجب سقوط الحدّ.[٥٣]
  2. الزندقة: ذهب جماعة إلى أنّ توبة الزنديق[٥٤] توجب سقوط حدّ القتل عنه،[٥٥] وذهب آخرون إلى أنّها لا توجب سقوطه،[٥٦] بينما فصّل ثالث بين ما شهدت القرائن على توبته ورجوعه عن الزندقة واقعاً، فيسقط الحدّ عنه وإلاّ فلا.[٥٧]
  3. السرقة: السارق إذا تاب قبل قيام البيّنة يسقط عنه حدّ السرقة، بخلاف ما إذا تاب بعد قيام البيّنة.[٥٨]
  4. المحاربة: إذا تاب المحارب قبل الظفر به يسقط عنه الحدّ، غير أنّه لم يسقط بتوبته ما يتعلّق به من حقوق الناس كالقتل والجرح، وأمّا إذا تاب بعد الظفر به، فلم يسقط عنه حدّ ولا قصاص ولا غرم.[٥٩]
  5. تعلّم السحر: إنّ حدّ تعلّم السحر هو القتل، سواء عمل به أم لا، إلاّ أن يتوب منه.[٦٠]
  • رجوع صفة العدالة وزوال صفة الفسق: المعروف أنّ المكلّف إذا ارتكب معصية كبيرة أو أصرّ على صغيرة تسقط عدالته، فلا يقتدى به في صلاة الجماعة، ولا تقبل منه شهادة ونحو ذلك، والمكلّف العاصي إذا تاب من جميع ما تجب التوبة عنه يزول عنه الفسق، ويتّصف بصفة العدالة بمجرّد التوبة بناءً على القول بأنّ العدالة هي الاستقامة العملية على جادّة الشرع، فإنّه بعد التوبة يصدق أنّه رجع إلى جادّة الشرع فتترتّب جميع الأحكام المنوطة بالعدالة.[٦١]
  • رفع حرمة النكاح أو كراهته: ذكر الفقهاء أنّ المرأة الزانية غير ذات البعل - حتى المشهورة بالزنا - إذا تابت جاز تزوّجها من دون حرمة وكراهة.[٦٢]

آداب التوبة

موارد عدم قبول التوبة

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾.[٦٥]

لقد ذكرت الآية موردين لا تقبل فيما التوبة، وهما:

  1. عند حلول الموت: وذلك في قوله ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾، وقد دلت عليه الروايات الشريفة، ومنها: روي عن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي آخِرِ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا: مَنْ‏ تَابَ‏ قَبْلَ‏ مَوْتِهِ‏ بِسَنَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ السَّنَةَ لَكَثِيرَةٌ مَنْ‏ تَابَ‏ قَبْلَ‏ مَوْتِهِ‏ بِشَهْرٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ لَكَثِيرٌ، وَمَنْ‏ تَابَ‏ قَبْلَ‏ مَوْتِهِ‏ بِجُمْعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْجُمْعَةَ لَكَثِيرَةٌ، وَمَنْ‏ تَابَ‏ قَبْلَ‏ مَوْتِهِ‏ بِيَوْمٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ يَوْماً لَكَثِيرٌ، وَمَنْ‏ تَابَ‏ قَبْلَ‏ مَوْتِهِ‏ بِسَاعَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّ السَّاعَةَ لَكَثِيرَةٌ، وَمَنْ تَابَ، وَقَدْ بَلَغَتْ نَفْسُهُ هَذِهِ وَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.[٦٦]
  2. الموت على الكفر: وذلك في قوله ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾.

الهوامش

  1. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج1، ص357.
  2. هود: 52.
  3. البقرة: 37.
  4. العلامة الحلي، منهاج اليقين في أصول الدين، ص361.
  5. النساء: 17 - 18.
  6. المائدة: 38 - 39.
  7. الأنعام: 54.
  8. التوبة: 101 - 105 و117_119
  9. الشورى: 25 - 26.
  10. التحريم: 8.
  11. الكوفي، الزهد، ص35؛ الأشعري، النوادر، ص63؛ الحراني، تحف العقول، ص196 - 197؛ الكوفي، الزهد، ص72؛ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص73.
  12. الكليني، الكافي، ج2، ص434.
  13. ابن منظور، لسان العرب، ج14، ص94.
  14. أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، ص147.
  15. أبو هلال العسكري، معجم الفروق اللغوية، ص146.
  16. الأصفهاني، المفردات، ص609.
  17. الغروي، التنقيح في شرح العروة (الطهارة)، ج8، ص12.
  18. هود: 3.
  19. ابن منظور، لسان العرب، ج14، ص319.
  20. الآملي، مصباح الهدى، ج5، ص319.
  21. النراقي، جامع السعادات، ج3، ص64.
  22. الشهيد الثاني، أسرار الصلاة (رسائل الشهيد الثاني)، ص117.
  23. الشيرازي، رياض السالكين، ج2، ص405.
  24. البقرة: 222.
  25. الحكيم، مستمسك العروة، ج8، ص372.
  26. القمي، القوانين، ج1، ص199.
  27. الشيرازي، رياض السالكين، ج2، ص404.
  28. الأنصاري، رسائل فقهية (تراث الشيخ الأعظم)، ص58.
  29. العلامة الحلي، كشف المراد، ص282.
  30. النور: 31.
  31. التحريم: 8.
  32. الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج16، ص76.
  33. النوري، مستدرك الوسائل، ج12، ص127 - 128.
  34. الطوسي، تجريد الاعتقاد، 305.
  35. العلامة الحلي، كشف المراد، ص566.
  36. الآملي، مصباح الهدى، ج5، ص315.
  37. الآملي، مصباح الهدى، ج5، ص315.
  38. الحكيم، مستمسك العروة، ج4، ص4.
  39. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج14، ص216.
  40. الطوسي، المبسوط، ج5، ص538.
  41. النجفي، جواهر الكلام، ج41، ص111.
  42. الأنصاري، رسائل فقهية (تراث الشيخ الأعظم)، ص56.
  43. النجفي، جواهر الكلام، ج41، ص109.
  44. السبزواري، مواهب الرحمن، ج2، ص280. .
  45. السبزواري، مهذّب الأحكام، ج3، ص350.
  46. النجفي، جواهر الكلام، ج5، ص54.
  47. البهائي، الأربعون حديثا، ص471.
  48. الطوسي، المبسوط، ج5، ص538 - 540.
  49. التحريم: 8.
  50. النراقي، جامع السعادات، ج3، ص55.
  51. الآملي، مصباح الهدى، ج5، ص317.
  52. الطوسي، الاقتصاد، ص205.
  53. النجفي، جواهر الكلام، ج41، ص605.
  54. الزنديق: هو من يؤدّي الشهادتين، ويظهر منه ما يخالف الإسلام كالاستهانة بكتاب اللّه‏ تعالى وسنّة رسول اللّه‏ صلى الله عليه وآله وسلم. أنظر: الأردبيلي، فقه الحدود والتعزيرات، ج2، ص137.
  55. الشهيد الأول، الدروس، ج2، ص53.
  56. الطوسي، الخلاف، ج5، ص352 ـ 353 .
  57. النجفي، جواهر الكلام، ج41، ص632.
  58. النجفي، جواهر الكلام، ج41، ص468.
  59. الطوسي، المبسوط، ج5، ص393.
  60. الخوئي، مباني تكملة المنهاج، ج1، ص267.
  61. الغروي، التنقيح في شرح العروة (الاجتهاد والتقليد)، ص254 - 257.
  62. المفيد، المقنعة، ص504.
  63. الطوسي، المبسوط، ج1، ص40.
  64. البهائي، الأربعون حديثاً، ص468.
  65. النساء: 17 - 18.
  66. الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص133.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، الناشر: مكتب الاعلام الاسلامي‏، ط1، قم – ايران، 1404 هـ.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، 1408هـ - 1988م.
  • أبو هلال العسكري، الحسن بن عبد الله، معجم الفروق اللغوية، مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ايران، 1412 هـ.
  • الأردبيلي، عبد الكريم، فقه الحدود والتعزيرات، مؤسسة النشر لجامعة المفيد، قم – ايران، 1413 و 1427 هـ.
  • الأشعري القمي،أحمد بن محمد بن عيسى، النوادر، الناشر: مدرسة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.png، ط1، قم – ايران، 1408 هـ.
  • الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دار القلم - الدار الشامية، ط 1، دمشق / سوريا - بيروت / لبنان، 1412 هـ.
  • الآملي، محمّد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، الفردوسي، طهران– ايران، 1377 هـ - 1337ش.
  • الأنصاري، مرتضى، رسائل فقهية (تراث الشيخ الأعظم)، مجمع الفكر الإسلامي، قم – ايران، 1414 ه‍.
  • البهائي، محمّد بن الحسين، الأربعون حديثا، مؤسسة النشر الإسلامي، قم- ايران‌، 1422 ه‍.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، مؤسسة آل البيت عليهم السلام.png، قم، ط 1، قم – ايران، 1409 هـ.
  • الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، د.ت.
  • الخوئي، أبو القاسم، مباني تكملة المنهاج، مطبعة الآداب، النجف الأشرف - العراق، د.ت.
  • السبزواري، عبد الأعلى، مهذّب الأحكام في بيان الحلال والحرام‌، الناشر: مؤسسه المنار، قم- ايران‌، 1417 ه‍.
  • السبزواري، عبد الأعلى، مواهب الرحمن في تفسير القرآن، دار التفسير، قم – ايران، 1428 ه‍ - 2007م.
  • الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، أسرار الصلاة (رسائل الشهيد الثاني)، مكتبة البصيرتي، قم – ايران، د.ت.
  • الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم – ايران، 1414 ه‍.
  • الشيرازي، علي خان، رياض السالكين، مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ايران، 1409 هـ.
  • الطوسي، محمّد بن الحسن، الاقتصاد، دار الأضواء، بيروت – لبنان، 1406 ه‍ - 1986م.
  • الطوسي، محمّد بن الحسن، الخلاف، مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ايران، 1411 ه‍.
  • الطوسي، محمّد بن الحسن، المبسوط، مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ايران، 1428 ه‍.
  • الطوسي، محمّد بن محمّد، تجريد الاعتقاد، مكتب الإعلام الإسلامي، قم – ايران، 1407 ه‍.
  • العلاّمة الحلّي، الحسن بن يوسف، كشف المراد، مؤسسة النشر الإسلامي، قم – ايران، 1430 ه‍.
  • العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، منهاج اليقين في أصول الدين، الناشر: المحقق محمد رضا الأنصاري القمي، ط1، د.م، 1412 هـ.
  • الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد): تقرير بحث السيّد الخوئي، دار الهادي، قم – ايران، 1410 هـ.
  • الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى (الطهارة): تقرير بحث السيّد الخوئي، مؤسسة أنصاريان، قم – ايران، 1417 هـ.
  • القمّي، الميرزا أبو القاسم، القوانين المحكمة في الاُصول المتقنة، مؤسسة السيّدة المعصومة عليها السلام، قم – ايران، 1430 ه‍.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، ط 4، طهران – ايران، 1407 ه‍.
  • الكوفي الأهوازي، حسين بن سعيد، الزهد‏، الناشر: المطبعة العلمية، ط2، ‏قم – ايران، 1402 هـ.
  • المفيد، محمّد بن محمّد، المقنعة، مؤسسة النشر الإسلامي، قم- ايران‌، 1410 ه‍.
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، دار إحياء التراث العربي، ط7، بيروت – لبنان، 1404 ه‍.
  • النراقي، محمّد مهدي، جامع السعادات، مؤسسة إسماعيليان، قم – ايران، د.ت.
  • النوري، حسين بن محمد تقي، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مؤسسة ال البيت عليهم السلام.png، ط1، قم – ايران، 1408 ه‍.
مجلوبة من "http://ar.wikishia.net/index.php?title=التوبة&oldid=134370"