القناعة

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

القَناعة، من الفضائل الأخلاقية والعملية. حظيت بعناية خاصة في النصوص الدينية والروايات الأخلاقية، وهي الاقتصار على القليل، والاكتفاء باليسير.

تعد القناعة من أعمال القلوب وضدّها الحرص - فإذا تعلّق بممتلكات الآخرين سُمّى طمعاً - كما أن الاقتصاد هو من أعمال الجوارح الذي يقابله الإسراف.

والقناعة في علم الأخلاق تندرج تحت فضيلة العفة؛ أحد الأجناس الأربعة في الفضائل.

معنى القناعة

لغةً؛ القنوع الرضا باليسير من العطاء. وقد قنع، بالكسر، يقنع قنوعاً وقناعةً إذا رضي، وقنع، بالفتح، يقنع قنوعاً إذا سأل.[١] وقال بعض أهل العلم: إن القنوع قد يكون بمعنى الرضا، والقانع بمعنى الراضي، وهو من الأضداد.[٢] وسميت قناعةً لأنه يقبل على الشيء الذي له راضيًا.[٣]

وعلى رأيٍ القناعة في اللغة: الرضا بالقسم، فمن رضي بما قسم له فقد قنع.[٤]

اصطلاحاً؛ من عبر عنه بالرضى بما أعطى الله.[٥] وهناك من يعتبره: الرضا بما دون الكفاية.[٦]

مراتب القناعة

  • المرتبة الأعلى: أن يقتنع بالبُلغة، (أي: كفاف من العيش) من دنياه و يصرف نفسه عن التعرض لما سواه.
  • المرتبة الأوسط: أن تنتهي به القناعة إلى الكفاية ويحذف الفضول والزيادة.
  • المرتبة الأدنى: أن تنتهي به القناعة إلى الوقوف على ما سنح، فلا يكره ما أتاه وإن كان كثيراً، ولا يطلب ما تعذر وإن كان يسيراً.[٧]

مكانة القناعة

يعتقد علماء الأخلاق، أن لملكة القناعة دوراً بارزاً في أسلوب حياة الشخص القانع أو القَنوع.

نقل عن أبي عبد الله (ع): أن الله خصّ رسوله (ص) بـمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم فإن كانت فيكم فاحمدوا الله عز وجلّ وارغبوا إليه في الزيادة منها، فذكرها عشرة: اليقين والقناعة والصبر والشكر والرضا وحسن الخلق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروءة.[٨]

من كلام النبي (ص): "طوبی لمن هدى لـلإسلام، وکان عیشه کفافاً به".[٩]

ومما قيل في فضل القناعة:

دع الحرص على الدنيا وفي العيش فلا تطمــع ولا تجمع من المال فلا تــــــــــــــــــدري لمن تجمع
ولا تدري أفي أرضـــــــــــــكَ أم في غيرها تصــرع فإن الرزق مقســـوم وســـــــــــــــــوء الظنّ لا ينفـع

فقير كل من يطمع غنـــــــي كل من يقـــــــــــــــــــــــنع[١٠]

الفوائد المترتبة

عن النبي (ص):

أقلل من الشهوات، يسهل عليك الفقر، واقلل من الذنوب، يسهل عليك الموت، وقدّم مالك أمامك، يسرّك اللحاق به، واقنع بما أتيته، يخف عليك الحساب، ولا تتشاغل عما فرض عليك، بما قد ضمن لك، فإنه ليس بفائتك ما قد قسم لك، ولست بلاحق ما قد زوي عنك، فلا تك جاهداً فيما يصح نافداً، واسْعِ لملك لا زوال له، في منزل لا انتقال عنه.

الديلمي، أعلام الدين في صفات المؤمنين، ص 344.
  1. امتلاء القلب بـالإيمان بالله والثقة به والرضا بما قدر وقسم.
  2. الحياة الطيبة. كما جاء في القرآن: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.[١١]
  3. تحقيق شكر المنعم سبحانه وتعالى.
  4. الفلاح والبشرى لمن قنع.
  5. الوقاية من الذنوب التي تفتك بالقلب وتذهب الحسنات كـالحسد والغيبة والنميمة والكذب.
  6. حقيقة الغنى في القناعة.
  7. العز والحرية في القناعة والذل في الطمع. فقد نقل عن النبي: "عِزُّ المؤمن، استغناؤه عن النّاس".[١٢]
  8. الاشتغال بأمر الدین وتحصیله والوصول إلی درجات عالية في السلوك العملي.[١٣]

مواصفات القانع

إحدى المواصفات للشخص القانع أنه يكون من أشكر الناس.[١٤]

وورد في مكان آخر: الناس أموات إلاّ من أحياه الله بالقناعة، وما سكنت القناعة إلاّ قلب من استراح، والقناعة ملك لا يسكن إلاّ قلب مؤمن، والرضى بالقناعة رأس الزهد، ومعناها السكون عند عدم المشتهيات، والرضى بقليل الأقوات، وترك التأسّف على ما فات.[١٥]

القانع والمُعترّ

جاء في تفسير الآية: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعترّ﴾.[١٦] إنّ الفرق بين القانع والمعترّ هو أن القانع يطلق على من يقنع بما يُعطى وتبدو عليه علائم الرضى والإرتياح ولا يعترض أو يغضب، أما المعترّ فهو الفقير السائل الذي يطالب بالمعونة ولا يقنع بما تعطيه بل يحتج أيضاً.[١٧]

يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: "فأما المعْتَرُّ الذي هو الفقير والذي يعترُّك ويتعرّض لك، فعندنا أنه من هذا، كأنه إنسان يُلازُّ ويلازم".[١٨]

أقوال وأحاديث

عن أبي عبد الله (ع) قال:

من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه وشتّت أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم الله له، ومن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همّه جعل الله الغنى في قلبه وجمع له أمره.

شرح أصول الكافي، الملا صالح المازندراني، ج 9، ص 349.

  • قال الرسول (ص): "نفث روح القدس فی روعي: أنه لن تموت نفس حتی تستکمل رزقها. فاتقوا اللّه وأجملوا في الطلب".[١٩]
  • ومن كلامه (ص): "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التّراب ويتوب اللّه على من تاب"، مما يدلّ على حرص الإنسان ونهمه.[٢٠]
  • ومن كلام أمير المؤمنين الإمام علي (ع): "امنن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره".[٢١]
  • قال أمیر المؤمنین (ع): "ابن آدم، إن کنت ترید من الدنیا ما یکفیک، فإن أیسر ما فیها یکفیک وإن کنت إنما ترید ما لا یکفیک، فإن کل ما فیها لا یکفیک".[٢٢]
  • وآخر في نفس السياق يقول: "إن كان ما يكفيك يغنيك فأدنى ما فيها يغنيك، وإن كان ما يكفيك لا يغنيك فكل ما فيها لا يغنيك".[٢٣]
  • وقال أحد الحكماء: "سرور الدنيا أن تقنع بما رُزقت، وغمها أن تغتم لما لم ترزق".[٢٤]


الهوامش

  1. ابن منظور، لسان العرب، مادة قنع.
  2. الجوهري، الصحاح، مادة قنع.
  3. ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة قنع.
  4. إبن الشوكاني، أحمد بن محمد، في السلوك الإسلامي القويم، ص 115.
  5. البستي، أبو الفضل، مشارق الأنوار، ج 2، ص 187.
  6. السيوطي، جلال الدين، معجم مقاليد العلوم في الحدود والرسوم، ص 205.
  7. محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، ج 10، ص 442
  8. الصدوق، الخصال، ج 1، ص 431.
  9. النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، ج 2، ص 105.
  10. محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، ج 10، ص 442.
  11. القرآن الكريم، السورة: النحل، الأية: 97؛ وفسّروا (الحياة الطيبة) بالقناعة والرضا بما قسم الله تعالى، منهم: الطبري في تفسيره جامع البيان، ج 6، ص 198.
  12. محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، ج 10، ص 442؛ الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، ج 10، ص 23.
  13. النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، ج 2، ص 105.
  14. الديلمي، الحسن بن أبي الحسن، إرشاد القلوب، ج 1، ص 233.
  15. الديلمي، الحسن بن أبي الحسن، إرشاد القلوب، ج 1، ص 234.
  16. سورة الحج، الآية 36.
  17. مكارم الشيرازي، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزّل، ج 10، ص 316.
  18. ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة: إعترّ.
  19. النراقي، محمد مهدي، جامع السعادات، ج 2، ص 105.
  20. الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، ج 10، ص 15.
  21. الصدوق، الخصال، ص 420.
  22. الكليني، الكافي، ج 3، ص 358.
  23. الكليني، الكافي، ج 3، ص 360.
  24. محمد عويضة، فصل الخطاب في الزهد والرقائق والآداب، ج 10، ص 442.

المصادر

  • القرآن الكريم
  • الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تصحيح وتعليق: علي اكبر الغفاري، د.م، د.ن، د.ت.
  • العسكري، أبو هلال، معجم الفروق اللغويه الفروق اللغويه بترتيب وزياده، تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، تنظيم: الشيخ بيت الله بيات ومؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
  • الغزالي، محمد بن محمد، إحياء علوم الدين، تحقيق: عبد الرحيم بن حسين حافظ عراقي، بيروت، دار الكتاب العربي، سنة الطبع: د.ت
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق: مركز بحوث دار الحديث، دار الحديث للطباعة والنشر، قم، الطبعة الأولى، 1403 هـ.
  • الطبري، أبو جعفر، تفسير مجمع البيان ، تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، تقديم: السيد محسن الأمين العاملي، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، د ت.
  • ابن الشوكاني، أحمد بن محمد، في السلوك الإسلامي القويم، تحقيق ودراسة: الدكتور حسين بن عبد الله العمري، دمشق، دار الفكر، الطبعةالأولى، 1407 هـ.
  • مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزَّل، بيروت، مؤسسة البعثة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1413 هـ.