البداء

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
معتقدات الشيعة
‌معرفة الله
التوحيد التوحيد الذاتي  التوحيد الصفاتي  التوحيد الأفعالي  التوحيد العبادي
الفروع التوسل  الشفاعة  التبرك
العدل
الحسن والقبح  البداء  الجبر والتفويض
النبوة
عصمة الأنبياء  الخاتمية نبي الإسلام  علم الغيب   الإعجاز  عدم تحريف القرآن  الوحي
الإمامة
الاعتقادات لزوم نصب الإمام  عصمة الأئمة  الولاية التكوينية  علم الغيب  الغيبة  الغيبة الصغرى  الغيبة الكبرى  إنتظار الفرج  الظهور  الرجعة  الولاية  البراءة
الأئمة

الإمام علي عليه السلام
الإمام الحسن عليه السلام
الإمام الحسين عليه السلام
الإمام السجاد عليه السلام
الإمام الباقر عليه السلام
الإمام الصادق عليه السلام
الإمام موسى الكاظم عليه السلام
الإمام الرضا عليه السلام
الإمام الجواد عليه السلام
الإمام الهادي عليه السلام
الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عج
المعاد
البرزخ  القبر  النفخ في الصور  المعاد الجسماني  الحشر  الصراط  تطاير الكتب  الميزان  يوم القيامة  الثواب  العقاب  الجنة  النار
مسائل متعلقة بالإمامة
أهل البيت  المعصومون الأربعة عشر  التقية  المرجعية الدينية

البداء من المسائل الكلامية المتعلقة بالتوحيد والمراد منه أن مصير الإنسان في حالة تبدّل وتغير من قبل الله عز وجل، وهذا التغير والتبدل يكون بحسب أفعال الإنسان، فمثلا قد يكون الله قد كتب لإنسان العيش لمدة خمسين عاماً، ولكن هذا الإنسان كان يصل رحمه فيمد الله في عمره إلى سبعين عاماً بسبب صلته لرحمه، وقد يكون الأمر بالعكس، أي إنّ الله كتب لعبد أن يعيش سبعين سنة ولكن لأنّه كان عديم البر بوالديه فينقص الله من عمره ويميته في سن الخمسين.

والبداء أشبه بالنسخ، ولكن النسخ يكون في الأمور التشريعية، أي إنّ الله يشرّع أمرا ويستمر هذا التشريع لفترة معينة ثم يستبدل هذا التشريع بتشريع آخر؛ لأنّ التشريع الأول لا يصلح للزمان اللاحق. أمّا البداء عند الله فليس بمعنى أن يكون جاهلا ثم علم، بل بمعنى تغيّر الإرادة وتبدّل العزم عند الله بسبب عمل يقوم به الإنسان.((يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ))[١]

معنى البداء في اللغة

إنّ البداء في اللغة يعني الظهور بعد الخفاء، ويستعمل في المحاورات العرفية، في موارد تبدل الآراء والأفكار والأغراض والأهداف والمقاصد، فيقال: «كان رأيه كذا ثم بدا له فيه»، وواضح أنّ البداء بهذا المعنى يستبطن جهلاً سابقا وعلما مستحدثا، وكلاهما منفيان عن اللّه‏ تعالى ؛ لأن علم اللّه‏ سبحانه وتعالى ذاتي غير مسبوق بجهل.

والمعنى اللغوي للبداء مركب من عنصرين: العنصر الأول : جهل سابق وعلم لاحق ، وأمّا العنصر الثاني : فهو تبدل في الرأي والأغراض والأهداف تبعا للعلم اللاحق.

فنلاحظ وبصورة واضحة أنّ العنصر الأول يتنافى مع التوحيد ، وليس هناك مسلم يقبل بنسبة الجهل إلى اللّه‏ سبحانه وتعالى .

أما العنصر الثاني: فإن كان التبدّل في رأيه بسبب وجود الجهل السابق عنده ، فهو في هذه الحالة يتنافى مع التوحيد أيضاً ، فكما أنّ الجهل يتنافى معه كذلك يتنافى معه كل تبديل وتغيير يكون بسببه. وإن كان التبديل في الرأي ليس بسبب الجهل وإنّما ناشئ من عوامل اُخرى متعلقة بالإنسان فهو في هذه الحالة لا يتنافى مع التوحيد. فالله إذا قدّر على أحد من الناس أن لا يكون له ولد ، ولكن هذا الإنسان دعا الله فتقبّل الله دعائه ورزقه ولد.

البداء في القرآن الكريم

من أهم الآيات الدالة على البداء: قوله تعالى:((يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ))[٢] وقوله تعالى:((ذلك بان الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بانفسهم وان الله سميع عليم))[٣] وقوله تعالى:((له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من امر الله ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم ......))[٤] فالآية الأولى تدل على جواز المحو والإثبات من قبل الله في هذا العالم ، والآيتان اللاحقتان تبيّنان أنّ ما يمحى ويَثبت غيره غير ناشئ من عدم العلم ، بل ناشئ من التغيرات التي يجريها الإنسان ، وهذه التغيرات في حياة الإنسان لها أثر في تغير إرادة الله .

معنى البداء في مدرسة أهل البيت

فالمراد بالبداء عند مدرسة أهل البيت عليهم ‏السلام هو: «إنّ اللّه‏ سبحانه يقدّر لعبده تقديرا طبقا لمقتضى معين، ثم يبدل اللّه‏ تقديره طبقا لمقتضٍى جديد يظهر في العبد نتيجة عمل معين يقوم به، مع علمه السابق في كلا الأمرين والحالين»، وهذا ما يقول به كل المسلمين ، والنزاع بينهما لفظي ، وصدق العلاّمة السيد عبد الحسين شرف الدين، إذ يقول: « فالنزاع في هذه المسألة بيننا وبين أهل السنة لفظي ، ثم يقول: فإن أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوّز بإطلاق البداء على ما قلناه ، فنحن نازلون على حكمه فليبدل لفظ البداء بما يشاء وليتق اللّه‏ ربه في أخيه المؤمن».[٥]

وقبله كتب الشيخ المفيد يقول:

«أما إطلاق لفظ البداء فإنّما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين اللّه‏ عزّ وجل ، ولو لم يرد به سمع أعلم صحته لما استجزت إطلاقه ، كما أنّه لو لم يرد عليَّ سمع بأن اللّه‏ يغضب ويرضي ويحب ويعجب لما اطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول، وليس بيني وبين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف ، وإنّما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه. وقد أوضحت من علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام ، وهذا مذهب الإمامية بأسرها ، وكلّ من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى ولا يرضاه».[٦]

وقبله قال الإمام الصادق عليه السلام، في تفسير قوله تعالى:« يمحو اللّه‏ ما يشاء ويثبت وعنده اُم الكتاب» «فكل أمر يريده اللّه‏ فهو في علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له إلا وقد كان في علمه ، إن اللّه‏ لا يبدو له من جهل»[٧] وقال عليه‏ السلام أيضاً: «من زعم أنّ اللّه‏ عزّ وجل يبدو له في شيء لم يعلمه أمس فابرؤا منه».[٨]

أدلة الإمامية للبداء

ثمّ إنّ عمدة أدلة الإمامية في مسألة البداء اُمور ثلاثة هي:

القرآن الكريم

قال تعالى : «يمحو اللّه‏ ما يشاء ويثبت وعنده اُم الكتاب»[٩]

وقوله تعالى :« يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن»[١٠]

أدلة مسألة النسخ في التشريع

مشابهة لمسألة النسخ في التشريع، حيث قالوا: بأنّ النسخ في التكوين كالنسخ في التشريع، والبداء نسخ تكويني، والنسخ بداء تشريعي، وكما أثبت المسلمون النسخ في التشريع، كما في مسألة تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة الشريفة، ولم يخالف منهم في ذلك أحد، ولم يعتبر أحد منهم ذلك مخالفاً لعلمه الأزلي سبحانه وتعالى، ولا مستلزماً لثبوت جهل سابق، كذلك البداء تغيير في الأحكام الكونية دون أن يلزم منه جهل سابق، ولا مخالفة لعلمه الأزلي سبحانه وتعالى ، فإن أشكل أحد على البداء فإن إشكاله يقع على النسخ، وما يذكر من الجواب في باب النسخ يمكننا إيراده بتمامه في باب البداء، بلا أدنى فرق بين الأمرين، والإشكال على البداء إنّما هو تكرار لما أشكل به اليهود على النسخ في التشريع، حيث إنّهم يرون بطلان ذلك، وعدم إمكان نسبته الى اللّه‏ سبحانه وتعالى، كما أن إجابة علماء المسلمين على هذا الإشكال، وإثباتهم لإمكان النسخ في التشريع دون لزوم خلل منه في الساحة الربوبية المقدسة قابلة للانطباق على باب البداء الذي هو عبارة عن النسخ في عالم التكوين والتدبير .

تأثير الأعمال في مصائر الإنسان

وهذه حقيقة قرآنية مؤكدة، إضافة الى ما في السنّة النبوية من تأكيد متواتر عليها، وهي أنّ أعمال الإنسان من الإيمان والشرك والطاعة والمعصية، بر الوالدين وعقوقهما والانفاق على الفقراء والإمساك عن ذلك، وصلة الرحم وقطيعتها، ... الخ ، مؤثرة في الرزق والبركة وطول العمر والسعادة، وهذه الاُمور ذكرها القرآن الكريم مراراً، وأيدتها السنّة النبوية ، وقد لخصها القرآن الكريم، بقوله تعالى: « إن اللّه‏ لا يغيّر ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم» والذي ينكر البداء لابد وأن يعرف أنّ إنكاره ينجرّ إلى إنكار مثل هذه الحقيقة الواضحة، فإن كان يؤمن بها، فليعلم أنّ هذا الذي يؤمن به هو الذي تسميه الإمامية بالبداء.

أقوال علماء الإمامية في البداء

وهذا هو المعنى الذي أكّد عليه علماء الإمامية المتقدمون منهم والمتأخرون. قال الشيخ المفيد: «قول الإمامية في البداء، طريقه السمع دون العقل... وليس المراد منه تعقب الرأي ووضوح أمر كان قد خفي عنه، وجميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن، فهي معلومة له فيما لم يزل».[١١]

وقال الشيخ الطوسي: «البداء حقيقته في اللغة هو الظهور ولذلك يقال بدا لنا سور المدينة وبدا لنا وجه الرأي... فأما إذا اُضيفت هذه اللفظة الى اللّه‏ تعالى، فمنه ما يجوز اطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز، فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه ويكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الأئمة عليهم السلام من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء الى اللّه‏ تعالى دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد إن لم يكن، ويكون وجه اطلاق ذلك فيه تعالى التشبيه ، وهو انّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهراً لهم ويحصل لهم العلم به، بعد أن لم يكن حاصلاً لهم، اُطلق على ذلك لفظ البداء».[١٢]

وقال السيد عبداللّه‏ شبر: «للبداء معانٍ بعضها يجوز عليه وبعضها يمتنع وهو ـ بالفتح والمد ـ أكثر ما يطلق في اللغة على ظهور الشيء بعد خفائه وحصول العلم به بعد الجهل، واتفقت الاُمة على امتناع ذلك على اللّه‏ سبحانه إلا من لا يعتدّ به، ومن نسب ذلك الي الإمامية فقد افترى عليهم كذباً والإمامية براء منه».[١٣]

وقال السيد عبدالحسين شرف الدين:

«وحاصل ما تقوله الشيعة هنا إن اللّه‏ ينقص من الرزق وقد يزيد فيه، وكذا الأجل والصحة والمرض والسعادة والشقاء والمحن والمصائب والإيمان والكفر وسائر الأشياء كما يقتضيه قوله تعالي: « يمحو اللّه‏ ما يشاء ويثبت وعنده اُم الكتاب»[١٤] وهذا مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود وأبي وائل وقتادة، وقد رواه جابر عن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وكان كثير من السلف يدعون ويتضرعون الى اللّه‏ تعالى أن يجعلهم سعداء لا أشقياء، وقد تواتر ذلك عن أئمتنا عليهم‏ السلام في أدعيتهم المأثورة ، وورد في السنن الكثيرة: أن الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ويزيد في العمر، وصحّ عن ابن عباس، أنّه قال: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن اللّه‏ يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر، هذا هو البداء الذي تقول به الشيعة، تجوزوا في اطلاق البداء عليه بعلاقة المشابهة... فالنزاع في هذه بيننا وبين أهل السنة لفظي... وما يقوله الشيعة من البداء بالمعني الذي ذكرناه يقول به عامة المسلمين...».[١٥]

وكتب الشيخ آغا بزرك الطهراني يقول:

البداء معناه في اللغة ظهور رأي لم يكن، واستصواب شيء عُلم بعد أن لم يعلم، وهذا المعنى يحصل لعامة أفراد البشر، ولكنه يستحيل على اللّه‏ تعالى شأنه لاستلزام بدو الرأي بشيء لم يكن، للجهل به أولاً، أو العجز عنه وهو تعالى منزّه عنهما... البداء الذي يعتقده الإمامية هو بالمعنى الذي لابد أن يعتقده كل من كان مسلماً في مقابل اليهود القائلين بأن اللّه‏ تعالى قد فرغ من الأمر وأنّه لا يبدو منه شيء «يد اللّه‏ مغلولة»أو من تبع أقاويل اليهود زاعماً أنّه تعالى أوجد جميع الموجودات وأحدثها دفعة واحدة... فلا يوجد منه شيء إلا ما وجد أولاً، أو كان معتقداً بالعقول والنفوس الفلكية، قائلاً: انّه تعالى أوجد العقل الأول وهو معزول عن ملكه يتصرف فيه سائر العقول، إذ لابد لكل مسلم أن ينفي هذه المقالات ويعتقد بأنه تعالى:كل يوم هو في شأن...».[١٦][١٧]

الدور العقائدي والتربوي البناء للبداء

إن الاعتقاد بالبداء ينطوي على أهمية فائقة من جهتين: جهة عقائدية وجهة تربوية.

  • الفائدة العقائدية

أما الجهة العقائدية فيقول العلامة المجلسي: «إنّهم عليهم‏ السلام [أهل البيتٍ]إنّما بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إن اللّه‏ قد فرغ من الأمر وعن النظام ، وعلى بعض المعتزلة الذين يقولون إن اللّه‏ خلق الموجودات دفعة واحدة على ماهي عليه الآن من معادن ونبات وحيوان وإنسان ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده ، والتقدم إنّما يقع في ظهورها لا في حدوثها ووجودها. وإنّما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلكية ، والقائلين بأن اللّه‏ تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، وينسبون الحوادث إليها لا الي الباري عز وجل».[١٨]

بمعنى أن تأكيد الأئمة عليهم السلام على البداء ، جاء لإبطال كل فكرة تجعل قدرة اللّه‏ ومشيئته سبحانه وتعالى محدودة بحد معين ، وإثبات أنها حقيقة مطلقة من كل الجهات حتى من جهة القدر الذي يقدره بنفسه في عالم التكوين والخلقة والتدبير والربوبية ، وأن تقدير اللّه‏ سبحانه وتعالى لهذه الأقدار لا يجعله مسلوب الإرادة والإختيار إزاءها.

كما أن البداء جاء للتأكيد على اختيار الإنسان وإرادته من خلال بيان أن القدر الإلهي فيه لوح محفوظ لا يقبل التغيير، ولوح آخر هو لوح المحو والإثبات الذي قد قدّره اللّه‏ سبحانه وتعالى منذ البدء قابلاً للتغيير، تبعاً لما يقوم به الإنسان من أعمال في دار الدنيا.

وكأن عقيدة البداء جاءت تكملة لعقيدة القضاء والقدر، فلكي يُدفع الغلو والإفراط في عقيدة القضاء والقدر ، ولا تؤخذ بمعنى يسلب الاختيار عن اللّه‏ وعن الإنسان، كان لابد من تتميمها بعقيدة البداء التي جاءت لتؤكد أن القدر لا يصل حد سلب الاختيار عن اللّه‏، ولا سلب الاختيار عن الإنسان.

  • الفائدة التربوية

ومن الجهه التربوية نلاحظ أن عقيدة البداء ذات أثر تربوي بنّاء في حياة الإنسان، وقد بيّن العلاّمة المجلسي هذا الأثر في تتمة كلامه السابق عن أسباب تأكيد الأئمة عليهم ‏السلام على البداء، حيث ذكر أولاً الفائدة العقائدية التي ذكرناها ، وعطف عليها بذكر الفائدة التربوية حيث استمر ، يقول: «فنفوا عليهم‏ السلام ذلك وأثبتوا أنّه تعالى كل يوم في شأن من إعدام وإحداث آخر وإماتة شخص وإحياء آخر الى غير ذلك ؛ لئلا يترك العباد التضرع الى اللّه‏ ومسألته وطاعته ، والقرب إليه بما يصلح اُمور دنياهم وعقباهم ، وليرجوا عند التصدق على الفقراء ، وصلة الأرحام ، وبر الوالدين والمعروف والاحسان ما وعدوا عليها من طول العمر وزيادة الرزق».

ومن هذه الجهة تكون عقيدة البداء مساوقة في إيجابيتها لعقيدة التوبة وشروط قبولها عند اللّه‏ ، فكما أن للتوبة أثراً إيجابياً في بناء الإنسان ومن جهة غلق منافذ اليأس والقنوط ، وفتح أبواب الأمل والرجاء ، وخلق روحية التغيير والاستعداد للصلاح ، كذلك للبداء هذا الأثر فيحياه الإنسان ، بل البداء لازم من لوازم التوبة وأمثالها من الأعمال ، فإن من لوازم التوبة أن يعتقد التائب بأن قلم اللّه‏ سبحانه وتعالى لم يجف بعد في لوح المحو والإثبات ، فله سبحانه أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ويسعد من شاء ويشقي من شاء حسب ما يتحلى به العبد من مكارم الأخلاق وبصالح الأعمال أو يرتكب من طالح الأعمال ، وليست مشيئته سبحانه جزافية غير تابعة لضابطة حكيمة ، بل لو تاب العبد وعمل بالفرائض وتمسّك بالعصم خرج من صفوف الأشقياء ودخل في عداد السعداء ، وبالعكس.

وفي اطار ذلك كله نستطيع أن نفهم معنى كلام الأئمة عليهم‏ السلام بأنه:

  • «ما عبداللّه‏ بشيء مثل البداء»[١٩] و
  • «وما عُظّم اللّه‏ عزّ وجل بمثل البداء»[٢٠] و
  • «ما بعث اللّه‏ نبيّاً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال : الإقرار بالعبودية وخلع الأنداد، وأن اللّه‏ يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء».[٢١]

أسئلة حول الإعتقاد بالبداء

نذكر هنا أسئلة وأجوبتها حول البداء ، وهي:

  • إنّ القول بالبداء يؤدي إلى صدور اللغو منه تعالى ، فإنّه مع علمه بما سيتحقق لديه من التغيير والبداء يكون الإخبار بالجعل الأول لغواً؟

والجواب:

إن اللغوية تتصور فيما إذا افترضنا عدم وجود غرض ومنفعة مُتصوّرة من الإخبار بالجعل الأول ، وهذا ما لا يمكن إثباته ، فمن الممكن أن تكون هناك منفعة وغرض يعود على العبد بفائدة جليلة من ذلك الإخبار.

  • إن النبي أو الإمام إذا أخبر بشيء ثم حصل البداء في تحققه فلابد أن يستند في خبره الأول الى شيء يكون مصدراً لخبره ومنشأً لاطلاعه ، فعلى ماذا يعوّل النبي أو الإمام في خبره الأوّل؟

والجواب:

يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال المثال التالي : كما لو تناول إنسان السمّ المهلك المؤدي الى وفاته حتماً ، فإنّك إذا شاهدت هذه الحادثة كان بوسعك الإخبار عن تحقق وفاته بعد ساعات وهو إخبار صادق بلحاظ المقتضي الأكيد له ، فلو لم يتحقق الموت بسبب طروء مانع غير متوقع كحضور طبيب يعالجه بكفاءة عالية ، لا يكون ذلك الإخبار كاذباً ، ولا يعد إخباراً بلا مستند وهكذا الأمر في الإخبارات السماوية التي تخبر عن تحقق بعض الاُمور في المستقبل ، فإنها صادقة بلحاظ المقتضي المشروط بعدم تحقق المانع ، ولا يلزم من هذا الجواب محذور سوى عدم اطلاع النبي أو الإمام بتحقق المانع فيما بعد ، فلنقل إن اللّه‏ سبحانه وتعالى أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمقتضي وشاء أن لا يخبره بتحقق المانع فيما بعد لمصلحة تتعلق بالعباد.

  • إنّ حصول البداء يؤدي إلى تعريض النبي أو الإمام الى الاتهام بالكذب؟

والجواب:

إنّ اتهام النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام بالكذب أمر يقع وزره على مرتكبه ، والاتهام إن صدر من كافر فهو رافض لأصل الإيمان بـالتوحيد والنبوة والمعاد ، وإن صدر من مؤمن فالمفروض أنّ إيمانه يمنعه من ذلك ، فإن لم يمنعه فذلك دليل على ضعف الإيمان عنده.

والمهم أن البداء ليس سبباً منطقياً للاتهام بالكذب ، بل إن أكثر حالات البداء كانت مقرونة بما يفيد التصديق ، كما في قصة إبراهيم(ع) لما أُمر بذبح ابنه ، فإن الأمر الجديد بالفداء يفيد تصديق الأمر الأول بذبح اسماعيلعليه السلام ولولا أنّ الخبر الأول كان صادقاً لما كان الأمر بذبح الكبش بدلاً عنه فداءاً ، فإن الفداء بمعنى البدل.

الهوامش

  1. الرعد:39
  2. الرعد:39
  3. الأنفال:53
  4. الرعد:11
  5. أجوبة مسائل جار اللّه‏: 79
  6. أوائل المقالات : 92 ـ 93
  7. بحار الأنوار 4 : 121، ح 63
  8. بحار الأنوار 4 : 111، ح 30
  9. الرعد : 39
  10. الرحمن: 29
  11. تصحيح اعتقادات الامامية : 66 ط دار المفيد
  12. عــدة الاُصول 2 : 29
  13. مصابيح الأنوار 1 : 33
  14. الرعد : 39
  15. أجوبة مسائل جار اللّه‏: 101 ـ 103
  16. الرحمن : 29
  17. الذريعة 3 / 51 ـ 53
  18. بحار الأنوار 4 : 129 ـ 130 ط طهران
  19. اصول الكافي 1:146
  20. المصدر السابق 1: 146 كتاب التوحيد باب البداء
  21. المصدر السابق 1: 147 كتاب التوحيد ، باب البداء

المصادر