التوكل

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
عن الرسول الأكرم(ص): يقول الله عزَّوجلَّ:

«ما مِن مَخلوقٍ يَعتَصِمُ دُوني إلّا قَطَعتُ أسبابِ السَّماواتِ وأسبابَ الأرضِ من دُونهِ، فإن سَألَني لَم أُعطِهِ وإِن دعاني لَم أُجِبْهُ».

ميزان الحكمة ج11 ح22594

التوكل هو التبرّي من كل حول وقوة غير القوة الإلهية، والاعتماد على حول الله وقوّته فقط، فهو رأس مال المؤمن، وهو ديدن أنبياء الله سبحانه وتعالى، وكذلك فإنّ الله تعالى أكدّ في القرآن الكريم على أن ضرورة التوكل عليه وحده، وبيّن علماء الأخلاق ارتباط التوكل بمفاهيم أخلاقية أخرى مثل الرضا والتفويض لله، كما وأنّ للتوكل مراتب وآثار وطرق تحصيل.

معنى التوكل

المعنى اللغوي

التوكّل: من وَكَلَ الواو والكاف واللام أصل صحيح يدل على اعتمادِ غيركَ في أمرَ، والتوكّل هو إظهار العجز في الأمر والاعتماد على غيرك[١].

ووَكَلَ بالله: استسلم إليه،ووكَلَ إليه الأمر: فوّضه إليه واكتفى به[٢].

المعنى الاصطلاحي

توجد عدّة تعريفات متقاربة في المعنى للتوكل على الله منها:

  • التوكّل: هو حوالة العبد جميع أموره على الله، وهو التبرّي من كل حول وقوة، والاعتماد على حول الله وقوّته[٣].
  • التوكّل على الله انقطاع العبد في جميع ما يأمله من المخلوقين.
  • التوكّل: إيداع الأمور إلى الله تعالى والاعتماد على لطفه ورحمته[٤].

التوكل في القرآن

ورد التوكل أكثر من ثلاثين مرة في القرآن الكريم، وجميعها تدلّل على ضرورة التوكل على الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال منها:

  • أنّ التوكل يجب أن يكون فقط على الحيّ الذي لا يموت ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرا ﴾[٥].
  • التأكيد على أنّ الله عز وجل.png يحل مشكلات جميع من يتوكل عليه ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾[٦].

كذلك نجد في القرآن الكريم أنّ دأب جميع أنبياء الله تعالى هو التوكل عليه سبحانه:

  • ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ ﴾[٧] فالعامل الذي دفع بنبي الله نوح (ع) للتصدي لكل الانحرافات من قومه مع قلة عدد المؤمنين هو عامل التوكل على الله تعالى.
  • ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾[٨]تشير هذه الآية إلى قصة النبي شعيب(ع) الذي وقف مقابل المشركين من قومه بسلاح التوكل على الله تعالى[٩].

التوكل في الروايات

بيّنت الروايات ؤ مكانة وأهمية فضيلة التوكل، بحيث أنّ الأحاديث جاءت مستفيضة وكثيرة، ومما جاء في أهمها:

أنّه ورد عن جبرائيل(ع)_لمّا سأله النبيّ (ص) على التوكل على الله_: «العلم بأن المخلوق لا يضرّ ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع، واستعمال اليأس من الخلق، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحدٍ سوى الله، ولم يرج ولم يخف سوى الله، ولم يطمع في أحد سوى الله، فهذا هو التوكل»[١٠].

وأيضا جاء في الروايات الصادرة عن النبي الأكرم وأهل بيته أنّ التوكل يعتمد على قوّة الإيمان:

فعن الإمام علي(ع):«أقوى النّاس إيماناً أكثرهم تَوكَُلاً على اللّهِ سبحانه»[١١]

وعنه أيضا عليه السلام: «صلاح العبادة التوكل»[١٢].

منشأ التوكل

جاء في كتاب الأخلاق لعبدالله شبر: أنّ من اعتقد اعتقاداً جازماً بأنّه لا فاعل إلا الله، ولا حول ولاقوة إلا بالله، وأنّ له تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، ثم تمام العطف والعناية والتوجه بجملة العباد والآحاد، وأنّه ليس وراء منتهى قدرته قدرة ولا وراء علمه علم ولا وراء عنايته عناية اتكل لا محالة قلبه على الله وحده ولم يلتفت إلى غيره بوجهه ولا بنفسه.

مراتب التوكّل

قد ذكر بعض علماء الأخلاق ثلاث مراتب للتوكل:

  1. المرتبة الأولى: أن يعيش الإنسان الاعتماد والاطمئنان والثقة بالله تعالى كما يطمئن الإنسان بوكيله عندما يجده لائقا ومخلصاً فيفوّض أموره إليه(دون أن يفقد أصالته واستقلاله بهذا الاعتمادوالثقة) وهذه أضعف مراتب التوكل.
  2. المرتبة الثانية:أن يكون حاله في اعتماده على الله وثقته بنفسه كحال الطفل بالنسبة لأمّه، فالطفل في بداية الأمر لا يرى شيئا سوى أمّه ولا يعتمد على غيرها إطلاقا، فما أن يراها حتى يتعلق بها، وعندما يجد نفسه لوحده فإنه بمجرد أن يصيبه شيء أو حادثة فإنه يطلب أمّه فورا، وهذه المرتبة أعلى من السابقة، لأنّ الإنسان في هذه الحالة يجد نفسه غارقاً في تجليّات الحقّ ولا يرى أحدا غيره ولا يطلب من أيّ أحد حلّ مشكلاته إلا من الله تعالى.
  3. المرتبة الثالثة:أن يجد الإنسان نفسه عديم الإرادة والاختيار، فكلّما أراد منه الله شيئاً ورضي به كان رضاه بذلك الشيء وتعلقت إرادته بذلك الشيء أيضا، وكلّما علم أنّ الله لا يريد ذلك الشيء فإنّه لا يريده أيضا[١٣].

ارتباط التوكل بمفاهيم أخلاقية أخرى

التوكل والرضا

يعتبر التوكل أعلى مرتبة من الرضا وأسمى، ذلك لأنّ المتوكل يطلب الخير والصلاح لنفسه، فيوكل الحق تعالى، بصفته فاعل الخير، للحصول على الخير والصلاح.

أمّا الشخص الراضي فيكون قد أفنى إرادته في إرادة الله، فلا يختار لنفسه شيئا[١٤].

التوكل والتفويض

التفويض أوسع من التوكل لأن التوكل فرع منه، فالتوكل يكون في المصالح، أما التفويض يكون في الأمور كافة.[١٥]

طرق تحصيل التوكل

ذكر النراقي في كتاب جامع السعادات أنّ الطريق إلى تحصيل التوكليكون من خلال:

  1. تقوية التوحيد والاعتقاد بأنّ الأمور بأسرها مستندة إليه سبحانه وليس لغيره مدخلية فيها.
  2. أن يتذكر_العبد_ الآيات والأخبار المذكورة الدالة على فضيلته ومدحه، وكونه باعث النجاة والكفاية، ثم يتذكر أنّ الله سبحانه خلقه بعد أن لم يكن موجودا، وأوجده من كتم العدم، وهيّأ له ما يحتاج إليه، وهو أرأف بعباده من الوالدة بولدها، وقد ضمن بكفاية من توكّل عليه.
  3. أن يتذكّر _العبد_الحكايات التي فيها عجائب صنع الله في وصول الأرزاق إلى أصحابها، وفي دفع البلايا عن بعض عبيده، وإهلاك أموال الأغنياء وإذلال الأقوياء[١٦].

الآثار الإيجابية للتوكل

يتؤتب على التوكل على الله عدة آثار مهمة منها:

  • كفاية الرزق: عن رسول الله (ص): «من توكّل على الله كفاه مؤنته ورزقه من حيثلا يحتسب».[١٧]
  • القوة: وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: «من سرّه أن يكون أقوى النّاس فليتوكّل على الله».[١٨]
  • تسهيل الأمور: عن الإمام علي (ع): «من توكّل على الله ذلّت له الصّعاب، وتسهّلت عليه الأسباب».[١٩]
  • تنوّر البصيرة: وعنه أيضا عليه السلام: «من توكّل على الله أضاءت له الشبهات»[٢٠].

الهوامش

  1. ابن فارس ج6 ص136
  2. المعجم المحيط ص1054
  3. النراقي ج2 ص384
  4. الأخلاق في القرآن ج2 ص247
  5. الفرقان(58)
  6. الطلاق(3)
  7. يونس (71)
  8. هود(88)
  9. الأخلاق في القرآن، ج2ص234-236 باختصار
  10. ميزان الحكمة ج11ص4857 ح22523
  11. غرر الحكم ص196 ح3850
  12. المصدر نفسه ح3858
  13. الأخلاق في القرآن,مكارم الشيرازي ج2 ص255
  14. الأربعون حديثا، الإمام الخميني ص210
  15. المصدر السابق ص211
  16. جامع السعادات، ج2 ص396 باختصار
  17. المصدر السابق ح22567
  18. المصدر السابق ح22545
  19. ميزان الحكمة ج11 ص4862 ح22552
  20. المصدر السابق ح22554

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم
  • بن فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، دار الفكر، 1979م.
  • ميزان الحكمة,محمد الريشهري,ط1(1422ه)،دار الحديث ,قم-إيران.
  • جامع السعادات,محمد مهدي النراقي,ط7(1428ه)، الناشر اسماعيليان،قم-إيران.
  • الأخلاق في القرآن,ناصر مكارم الشيرازي,ط3(1428ه)الناشر مدرسة الإمام علي بن أبي طالب,قم-إيران.
  • غرر الحكم ودرر الكلم,مركز الأبحاث والدراسات الإسلاميةط2(1430ه),دفتر تبليغات أسلامي,قم-إيران.
  • الأربعون حديثا،روح الله الخميني،تعريب محمد الغروي، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي،