انتقل إلى المحتوى

مسودة:المقابلة بالمثل

من ويكي شيعة


المقابلة بالمثل هي قاعدة تقضي عند وقوع الظلم أو التعدّي على فردٍ أو جماعة، بأن يتّخذ المتضرّرون ردّا دفاعيّا بقدر ما وقع عليهم وفي الحدود ذاتها. وقد نوقشت هذه القاعدة في الفقه الإسلامي، خاصة في باب القصاص وفي تفسير آية الاعتداء، واستُنبطت منها فروع فقهية متعدّدة.

ويرى أكثر الفقهاء الشيعة مشروعية أصل المقابلة بالمثل في المجالات المالية وغير المالية، وإن كانت هناك اختلافات في كيفية تطبيقها وحدودها. وعدّ السيد جعفر مرتضى العاملي هذه القاعدة أمراً فطرياً وعقلائياً، في حين يرى بعض آخر أنّها تستند إلى العرف.

ومع إقرار أكثر الفقهاء بقيودٍ على هذا الأصل، فإنّهم لا يجيزون استخدام الأساليب غير الأخلاقية أو تجاوز الحدّ المشروع، ويعتبرون المقابلة بالمثل حقّاً قابلاً للإسقاط، ويرون أنّ الآثار التربوية المترتّبة على العفو أسمى من الانتقام. كما ذهب المقدس الأردبيلي، استناداً إلى الآية 191 من سورة البقرة، إلى وجوب إخراج الكفار من مكة في مقابل إخراج المسلمين منها سابقاً.

المفهوم والمكانة

المقابلة بالمثل قاعدة[١] مفادها أنّ الفرد أو الجماعة الذين تعرّضوا للظلم أو التقصير يحقّ لهم، في مقام الدفاع عن أنفسهم، أن يردّوا بقدر ما وقع عليهم من اعتداء.[٢] وقد استُخدمت في الفقه للإشارة إلى هذا الأصل مصطلحاتٌ من قبيل: التَّقاصّ، والمُقاصّة،[٣] والاعتداء بالمثل، ورَدّ الكيلِ بالكيل.[٤]

وتُعدّ المقابلة بالمثل أوّل أصلٍ في التعامل مع المجرمين في الإسلام؛[٥] إذ إنّها -فضلاً عن ضبط نزعة الانتقام- يمكن أن تحول دون العنف والاعتداء من قبل الأفراد والدول.[٦] وقد بُحث هذا الأصل في الفقه الإسلامي ضمن أبواب مختلفة، كـالقصاص،[٧] كما طُرح في تفسير آية الاعتداء، وفي القانون الجنائي والقانون الدولي.[٨] وقد استند الفقهاء إلى هذه القاعدة في موضوعاتٍ مثل: الغصب، والسرقة، والجهاد، والحدود الشرعية، والقصاص، واستنبطوا منها أحكاماً عديدة، منها: جواز التَّقاصّ من مال الغاصب، وجواز القصاص بالمثل، وجواز قتال العدو في الأشهر الحرم إذا كان هو البادئ بالحرب.[٩]

واستناداً إلى الأدلّة القرآنية، فإنّ مبدأ التقابل يجري في كلٍّ من الحقوق الخاصة (كالتقاصّ) والحقوق الجزائية (كالقصاص).[١٠] ومع ذلك، يرى أكثر الفقهاء استناداً إلى آياتٍ من القرآن أنّ استخدام الوسائل غير الأخلاقية أو الظالمة محرّم حتى في إطار المقابلة بالمثل، ومن ذلك المُثلة[١١] أو قتل المدنيّين.[١٢] كما يرى المفسرون الشيعة أنّ المقابلة بالمثل حقٌّ مشروع، إلا أنّهم يفضّلون العفو والصبر على الانتقام، ويوصون بهما.[١٣] ومن هذا المنظور تُعدّ المقابلة بالمثل في الحرب أيضاً مبدأً إنسانياً وأخلاقياً.[١٤]

ويرى الفقهاء الشيعة مشروعية أصل المقابلة بالمثل في القضايا المالية وغير المالية، وإن كانت بينهم اختلافات بشأن كيفية تنفيذها وحدودها.[١٥]

أدلة حجية القاعدة

تُعدّ آية الاعتداء من أهمّ الأدلّة الدالّة على قاعدة المقابلة بالمثل.[١٦] وقد قبل بهذه الدلالة عددٌ من علماء الشيعة، مثل الشيخ الطوسي والعلامة الطباطبائي، وكذلك بعض مفسّري أهل السنة والجماعة، كالزمخشري والقرطبي.[١٧] ويرى ناصر مكارم الشيرازي أنّه بناءً على هذه الآية، إذا وقع اعتداء بغير حقّ، جاز للطرف الآخر أن يدفعه بالمقابلة بالمثل، وأنّ هذا الحكم يشمل الحقوق المالية وغير المالية.[١٨]

وقد أكّد السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه «الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل» مشروعية أصل المقابلة بالمثل مع الأعداء استناداً إلى الأحاديث،[١٩] وعدّها أمراً فطرياً وعقلائياً؛ لأنّ حفظ الإسلام وحياة المسلمين يتوقفان على العمل بها. ويرى أنّ الأدلّة القرآنية والروائية الواردة في هذا الباب إنّما ترشد إلى حكمٍ عقلي وفطري.[٢٠] كما اعتبر عباس علي عميد الزنجاني هذه القاعدة أمراً عرفياً، وذهب إلى أنّ فاعليتها في العلاقات بين الأمم أوسع وأبرز من فاعليتها في العلاقات داخل المجتمع الواحد.[٢١] وفي هذا السياق استُدلّ أيضاً بـوصية الإمام عليعليه السلام، حيث أوصى الإمام عليعليه السلام في أيامه الأخيرة، بعدم الانجرار إلى الانتقام، وأكّد أنّه إذا توفّي متأثراً بضربة ابن ملجم المرادي، فلا يُقتصّ منه إلا بضربةٍ واحدة، وأن لا يُصار إلى المُثلة به.[٢٢]

مصاديق القاعدة وتطبيقاتها

ذهب المقدس الأردبيلي، استناداً إلى الآية 191 من سورة البقرة التي نزلت في المدينة، إلى وجوب إخراج الكفار من مكة، وفسّر هذا الحكم على أنّه مقابلةٌ لإخراجهم المسلمين من مكة من قبل.[٢٣] وفي معركة أُحد، وبعد المثلة بجسد حمزة عمّ النبي، همّ بعض المسلمين أن يقابلوا بالمثل،[٢٤] إلا أنّه بعد نزول الآية 126 من سورة النحل التي حثّت على الصبر امتنعوا عن ذلك.[٢٥]

وخلال الحرب العراقية الإيرانية امتنعت جمهورية إيران الإسلامية عن الردّ بالمثل على استخدام الجيش العراقي الأسلحة الكيميائية.[٢٦] ومع ذلك، جرى في بعض الحالات تنفيذ ردودٍ عسكرية بهدف الردع، ومن ذلك ما وقع في 23 بهمن 1362ش/15 فبراير 1984م. إلا أنّ الإمام الخميني أمر بأن يسبق أيَّ إجراءٍ من هذا النوع إعلامٌ وتحذيرٌ حفاظاً على أرواح المدنيين.[٢٧]

وبعد اغتيال قاسم سليماني سنة 2020م، تناولت بعض الدراسات ردّ فعل إيران على هذا الحدث في إطار حقّ المقابلة بالمثل والردّ المتبادل في القانون الدولي.[٢٨] كما طرحت جمهورية إيران الإسلامية خلال حرب رمضان (الحرب المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران)، وكذلك في حرب الاثني عشر يوما، مبدأ المقابلة بالمثل أو التهديد بها بوصفه أداةً للردع.[بحاجة لمصدر]

الهوامش

  1. جعفر‌پيشه وفياض، «مفهوم ومباني فقه بشردوستانه»، ص20.
  2. انظر: الخوئي، موسوعة الإمام الخوئي، 1418هـ، ج31، ص101؛ آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص65.
  3. «بررسي فقهي تقاص در سب»، الموقع الإعلامي لآية الله عليدوست.
  4. آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص65.
  5. امامي، «قصاص در ضرب»، ص97.
  6. صحرايي الأردكاني، فخري وزاهدي ميل سفيد، «مباني وبنيان‌هاي فقهي-حقوقي مقابله به مثل در وقعه شهادت سردار سليماني»، ص287.
  7. للاطلاع على نموذجٍ من ذلك، انظر: المرعشي النجفي، القصاص على ضوء القرآن والسنة، ج1، ص19.
  8. للاطلاع على نماذج من ذلك، انظر: آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص67-68؛ اليزدي، فقه القرآن، 1415هـ، ج2، ص322.
  9. موسسه دائرة معارف الفقه الإسلامي، فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل‌بيت، ج1، ص164.
  10. هوشمند فيروزآبادي، «قاعده مقابله به مثل در قرآن»، ص162.
  11. جعفر‌پيشه وفياض، «مفهوم ومباني فقه بشر‌دوستانه»، ص21.
  12. آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص71.
  13. جعفر‌پيشه وفياض، «مفهوم ومباني فقه بشر‌دوستانه»، ص21.
  14. محمدي، «اصول انساني واخلاقي جنگ وجهاد در قرآن»، ص83.
  15. «بررسي فقهي تقاص در سب»، الموقع الإعلامي لآية الله عليدوست.
  16. آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص68.
  17. العاملي، الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل، ص21؛ العلامة الطباطبائي، تفسير الميزان، طبعة إسماعيليان، ج2، ص63.
  18. مكارم الشيرازي، الأمثل فی تفسير کتاب الله المنزل، 1379ش، ج2، ص33.
  19. العاملي، الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل، بلا مكان، ص3433.
  20. العاملي، الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل، بلا مكان، ص18.
  21. عميد الزنجاني، فقه سياسي، 1421ق، ج3، ص484.
  22. نهج البلاغة، تصحيح صبحي صالح، الرسالة 47، 1374ش، ص422؛ آيتي وشادروان، «مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل»، ص70.
  23. المقدس الأردبيلي، زبدة البيان في أحكام القرآن، ص308.
  24. الشيخ الطوسي، التبيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ج6، ص440.
  25. محمدي، «اصول انساني واخلاقي جنگ وجهاد در قرآن»، ص84.
  26. «جنگ شيميايي عراق وعدم مقابله به مثل جمهوري اسلامي ايران...، خبرگزاري فارس.
  27. «اولين مقابله به مثل در جنگ شهرها»، نويد شاهد.
  28. صحرايي الأردكاني، فخري وزاهدي ميل سفيد، «مباني وبنيان‌هاي فقهي-حقوقي مقابله به مثل در واقعه شهادت سردار سليماني»، ص295.

المصادر والمراجع

  • آيتي، السيد محمد رضا، ومحمد إسماعيل شادروان، «قاعده مقابله به مثل واقدامات تلافي‌جويانه از منظر فقه وحقوق بين الملل (قاعدة المعاملة بالمثل والإجراءات الانتقامية من منظور الفقه والقانون الدولي)، في مجلة فقه وپژوهش‌هاي اسلامي، العدد 10، شتاء 1386ش.
  • إمامي، مسعود، «قصاص در ضرب»، في فصلية فقه اهل بيت، العدد 44، شتاء 1384ش.
  • «بررسي فقهي تقاص در سب» (دراسة فقهية للتقاصّ في السبّ)، الموقع الإعلامي لآية الله عليدوست، تاريخ النشر: 26 يونيو 2016م، تاريخ الزيارة: 1 مايو 2023م.
  • جعفر‌پيشه، مصطفى، ومحمد صادق فياض، «مفهوم ومباني فقه بشر‌دوستانه» (مفهوم ومباني الفقه الإنساني)، في مجلة گفتمان فقه حكومتي، السنة الخامسة، العدد 8، ربيع وصيف 1400ش.
  • الخوئي، السيد أبو القاسم، موسوعة الإمام الخوئي، قم، ج31، مؤسسة الخوئي الإسلامية، 1418هـ.
  • صحرائي الأردكاني، محمد، وفخري، السيد مسعود، وزاهدي ميل سفيد، محمد حسن، «مباني وبنيان‌هاي فقهي-حقوقي مقابله به مثل در واقعه شهادت سردار سليماني» (الأسس والمباني الفقهية والقانونية للمعاملة بالمثل في واقعة استشهاد القائد سليماني)، في مجلة علوم انساني واسلامي در هزاره سوم، الدورة 2، العدد 3، ربيع 1400ش.
  • العاملي، جعفر مرتضى، الإسلام ومبدأ المقابلة بالمثل، د.م، المركز الإسلامي للدراسات، 1430هـ.
  • عرب أبو زيد آبادي، عبد الرضا، «بردگان از جاهليت تا اسلام: تحليل وبررسي تاريخي» (العبيد من الجاهلية إلى الإسلام: دراسة وتحليل تاريخي)، في مجلة تاريخ اسلام در آينه پژوهش، السنة الثالثة، العدد 4، شتاء 1385ش.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، طبعة إسماعيليان، ج2، د.ت.
  • عميد الزنجاني، عباس علي، الفقه السياسي، طهران، أمير كبير، الطبعة الرابعة، 1421هـ.
  • مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، فرهنگ فقه مطابق مذهب اهل‌بيت(ع)، بإشراف: السيد محمود الهاشمي الشاهرودي، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، 1426هـ.
  • محمدي، إبراهيم، «اصول انساني واخلاقي جنگ وجهاد در قرآن» (المبادئ الإنسانية والأخلاقية للحرب والجهاد في القرآن)، في مجلة پژوهش‌هاي مديريت وفرماندهي نظامي، الدورة 8، العدد 27، خريف وشتاء 1385ش.
  • المرعشي النجفي، السيد شهاب الدين، القصاص على ضوء القرآن والسنة، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، الطبعة الأولى، 1415هـ.
  • المقدس الأردبيلي، أحمد، زبدة البيان في أحكام القرآن، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، طهران، د.ت.
  • مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب(ع)، 1379ش.
  • هوشمند فيروز آبادي، حسين، «قاعده مقابله به مثل در قرآن» (قاعدة المعاملة بالمثل في القرآن)، في مجلة حقوق اسلامي، العدد 47، شتاء 1394ش.
  • اليزدي، محمد، فقه القرآن، قم، إسماعيليان، ج2، 1415هـ.