انتقل إلى المحتوى

الفقه الحكومي

من ويكي شيعة

الفقه الحكومي، في مقابل الفقه الفردي، هو مقاربة شمولية لجميع الأحكام الفقهية، ينظر فيها الفقيه إلى هذه الأحكام لا بوصفها وسيلةً لتنظيم الحياة الفردية للمكلّفين فحسب، بل بهدف الاستجابة لمتطلبات الحكومة الدينية وإدارة المجتمع. وبناء عليه، فإنّ نطاق الفقه الحكومي، بخلاف الفقه السياسي الذي يعالج قضايا السلطة والسياسة معالجةً تخصصية، لا يقتصر على المسائل السياسية، بل يشمل جميع أبواب الفقه.

وتقع هذه المقاربة في مقابل الفقه الفردي، وهو اتجاه يركّز بصورةٍ أساسية على بيان وظائف الفرد المسلم من دون الالتفات إلى الهوية الجماعية للمجتمع. وقد ظلّ هذا الاتجاه، خلال فترات طويلة من عصر الغيبة، هو الاتجاه الغالب في الفقه الشيعي بسبب ظروفٍ من قبيل كون الشيعة أقليةً، وممارسة الفقهاء التقية. غير أنّ هذا التوجّه شهد في العصر الحديث، ولا سيما بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، تحوّلاً نحو المقاربة الحكومية مستنداً إلى آراء الإمام الخميني والسيد علي الخامنئي. وقد ذُكر أنّ ضرورة اعتماد الفقه الحكومي تنبع من الإيمان بوجود علاقةٍ وثيقةٍ وشاملة بين الفقه والحكومة، وإنّ هذه المقاربة تلازم الحضور الاجتماعي المؤثر للفقهاء وتحقيق الحاكمية الدينية في عصر الغيبة.

وقد ذكر الباحثون عدداً من المؤشرات المميِّزة للفقه الحكومي، منها: إدخال عنصرَي الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، والنظر إلى الفقه والشريعة بوصفهما منظومةً متكاملة، وإيلاء عناية خاصة لـمقاصد الشريعة وملاكات الأحكام، واعتماد العدالة محوراً أساسياً، وتجنّب الاحتياطات الفقهية المفرطة في القضايا المستحدثة، والتأكيد على فاعلية الأحكام الحكومية وكفاءتها. كما تشمل مباني الفقه الحكومي شمولية الشريعة وخلودها، وترابط الدين والسياسة، وضرورة وجود الحكومة لتحقيق سعادة الإنسان، وأهمية الإمامة والولاية، وإمكان تحويل الأحكام الفقهية إلى قوانين ملزمة للمواطنين.

ومن أبرز النتائج المترتبة على اعتماد مقاربة الفقه الحكومي: الاختلاف في استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية، وتقديم حفظ الحكومة الإسلامية عند التعارض مع بعض الأحكام الشرعية، والاهتمام الجاد بمدى كفاءة الأحكام وآثارها التطبيقية في إدارة المجتمع.

الماهية

السيد علي الخامنئي:

إن معنى التَّحجُّر هو أن يكتفي من يريد الاستفادة من مباني الإسلام وفقهه لبناء المجتمع بظواهر الأحكام، فلا يتمكن من إدراك الامتداد الطبيعي للأحكام والمعارف الإسلامية في المواطن القابلة لذلك، ولا يستطيع أن يقدّم العلاج والتوجيه المناسبَين لاحتياجات الأمة والنظام والبلد في ظروفها الراهنة. وإذا سادت هذه الروحية على رأس الأنظمة السياسية التي قامت على أساس الإسلام أو ستقوم عليه مستقبلاً، فإنّ الإسلام سيتعرض حتماً للتشويه، ولن تتمكن المصادر الثرّة للمعارف والأحكام الإسلامية من دفع المجتمع إلى الأمام....
وبسبب طول المدة التي حُرم فيها فقهاء الشيعة والطائفة الشيعية من الوصول إلى السلطة والحكم في العالم الإسلامي، كان الفقه الشيعي فقهاً غير حكومي وفقهاً فردياً؛ ولذلك فإنّ الإمام الراحل قاد الفقه الشيعي نحو الفقه الحكومي.[١]

يُقصد بالفقه الحكومي المقاربة والرؤية الشمولية لجميع الأحكام الفقهية -لا لبعضها دون بعض- والتي يتمّ على أساسها استنباط الأحكام الشرعية من قِبل الفقيه بهدف تلبية احتياجات الحكومة الدينية.[٢] وبناء عليه، فإنّ الفقهاء في عملية استنباط الأحكام الشرعية، مع اهتمامهم بتلبية احتياجات الحكومة، يضعون أيضاً الاحتياجات الفردية للمؤمنين والمكلّفين في إطار الاحتياجات والظروف العامة للحكومة والمجتمع.[٣] ومن يُذكر أنّ نطاق الفقه الحكومي لا يقتصر بالضرورة على القضايا السياسية التخصصية، بل يمتدّ ليشمل جميع أبواب الفقه.[٤]

وقد اعتُبر الفقه الحكومي ملازماً لاقتدار الفقهاء في المجتمع؛[٥] ولذلك ذُكر أنّ هذه المقاربة تتناسب مع تحقق الحاكمية الشيعية في عصر الغيبة. ووفقاً لهذا الرأي، فإنّ الفقهاء، بالتزامن مع إدارتهم للنظام الديني في المجتمع، يراعون في استنباط المسائل الفقهية مقتضيات الحاكمية السياسية الشيعية ومتطلبات الإدارة المُثلى للمجتمع.[٦]

الفرق بينه وبين الفقه الفردي

يُطرح الفقه الحكومي في مقابل الفقه الفردي. ففي مقاربة الفقه الفردي، يبيّن الفقيه وظائف المكلّف الفرد وواجباته، وأمّا في الفقه الحكومي فيراعي الفقيه الهويةَ الجماعيةَ للمجتمع ومصالحَه العامة عند استنباط الأحكام الشرعية وإصدارها.[٧]

وقد ذُكر أنّ الفقه الفردي كان هو الاتجاه السائد في الفقه الشيعي طوال عصر الغيبة إلى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث كان يتشكّل في إطار الإجابة عن الأسئلة المرتبطة بإدارة الحياة الإيمانية للفرد المسلم داخل مجتمعه.[٨] كما ذُكر أنّ تبنّي هذه المقاربة كان نتيجة عوامل عديدة، منها: كون الشيعة أقلّية، ولجوء الفقهاء إلى التقية تجاه الحكّام الجائرين، وعدم تمتّع المذهب الشيعي بالصفة الرسمية في دولة مستقلة، وانتشار فكرة الفصل بين الدين والسياسة (العلمانية) في الحوزات العلمية، فضلاً عن عدم توجّه الناس إلى الفقهاء بالسؤال عن القضايا الحكومية.[٩]

ويرى الباحثون أنّ الانتقال من النظرة الفردية إلى المقاربة الحكومية في الفقه يُعدّ ثمرةً للاجتهادات والدراسات التي قام بها فقهاء العصر الحديث بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، ولا سيما الإمام الخميني[١٠] والسيد علي الخامنئي.[١١] فقد كان الإمام الخميني ينظر إلى الفقه بوصفه ذا طبيعة حكومية في جوهره، ويقيم صلةً وثيقة بين الفقه الشيعي والحكومة.[١٢] كما أنّ نظام ولاية الفقيه الذي تأسّس بعد الثورة الإسلامية ينسجم بطبيعته مع المقاربة الحكومية للفقه.[١٣]

الفرق بينه وبين الفقه السياسي

كما ميّز الباحثون بين الفقه الحكومي والفقه السياسي؛ إذ إنّ الفقه السياسي، بوصفه فرعاً من فروع علم الفقه، يتناول بصورة تخصصية القضايا والموضوعات السياسية والأحكام المرتبطة بالسلوك المتعلق بالسلطة، ويتجنّب الخوض في الموضوعات غير السياسية. وأمّا الفقه الحكومي فليس قسماً من أقسام الفقه، بل هو منهج ومقاربة تُعالج جميع المسائل والموضوعات الفقهية، السياسية منها وغير السياسية، في ضوء متطلبات إدارة الحكومة الدينية.[١٤]

وقالوا بشأن الفقه السياسي إنّه لا يستلزم تحقّق الحكومة الدينية، بل يمكن استنباطه في جميع مراحل عصر الغيبة، سواء امتلك الفقهاء سلطة الحكم أم لم يمتلكوها.[١٥]

المكانة والأهمية

بحسب عباس علي عميد الزنجاني، وهو فقيه وأستاذ العلوم السياسية، فإنّ الإقرار بوجود ارتباطٍ وثيق وشامل بين الفقه والحكومة يفرض تبنّي المقاربة الحكومية للفقه، وبناءً عليه لا تقتصر رسالة الفقه على تحقيق السعادة الأخروية، بل تشمل أيضاً إدارة شؤون الحياة الدنيا وتدبيرها.[١٦] ومن هذا المنطلق، إنّ الاعتقاد بوجود علاقةٍ محدودة بين الفقه والحكومة يحول دون الحديث عن الفقه الحكومي أصلاً.[١٧]

وقد ذكر الباحثون في الفقه جملةً من الضرورات التي تقتضي الانتقال من الفقه الفردي إلى الفقه الحكومي، منها: التحوّل المستمر في الموضوعات التي يواجهها المجتمع في العصر الحديث،[١٨] واختلاف الموضوعات الحكومية عن الموضوعات الفردية، فضلاً عن قصور الفقه الفردي عن تقديم أحكامٍ كافية للموضوعات الحكومية.[١٩] ومن جهة أخرى، عُدّ الحفاظ على مصالح المجتمع من الأسباب الداعية إلى اعتماد المقاربة الحكومية في الفقه.[٢٠]

كما عُدّ بناء الحضارة الإسلامية وتصميم نموذجٍ جديد للحكم في المجتمعات الإسلامية من دواعي أهمية الفقه الحكومي.[٢١] وبناءً على ذلك، ذُكر أنّ الاشتراكية والليبرالية لا تمتلكان قابلية التطبيق الكامل في المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يستدعي ابتكار نموذج جديد للحكم في هذه المجتمعات، على أن يتأسّس علم إدارته من خلال تبنّي المقاربة الحكومية للفقه، بما يفضي إلى تعزيز كفاءة النظام الديني وفاعليته.[٢٢]

المؤشرات والخصائص

ذكر الباحثون في الفقه عدداً من الخصائص والمؤشرات التي تميّز مقاربة الفقه الحكومي، ومن أبرز هذه الخصائص: الأهمية الخاصة لمقتضيات الزمان والمكان في الاجتهاد، والنظرة المنظومية (الشمولية) إلى الفقه والشريعة الإسلامية، والاهتمام بـمقاصد الشريعة وملاكات الأحكام، ومحورية العدالة، والعناية بكفاءة الأحكام الحكومية وفاعليتها.[٢٣]

العناية الخاصة بالزمان والمكان في الاجتهاد

يُعدّ تأثير مقتضيات الزمان والمكان في الاجتهاد والفقاهة من العناصر الأساسية للفقه الحكومي.[٢٤] ويرى الإمام الخميني أنّ الزمان والمكان عنصران حاسمان في الاجتهاد، ولا سيما في المسائل الحكومية، حيث قد يؤدّي تغيّر العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة في المجتمع إلى تغيّر الحكم الشرعي لموضوعٍ ما عمّا كان عليه سابقاً.[٢٥] ومن أمثلة ذلك جواز بيع السلاح للأعداء في بعض الحالات، أو بيع السلع المحتكَرة عند حصول الإجحاف والضرر العام.[٢٦]

النظرة المنظومية إلى الفقه والشريعة الإسلامية

يُعدّ الالتفات إلى الترابط المنهجي بين مختلف أجزاء الشريعة أثناء عملية استنباط الأحكام من أهم خصائص مقاربة الفقه الحكومي؛ إذ إنّ النظرة الجزئية عند الاستنباط قد تؤدي إلى اختلال وظيفة حكمٍ معين، بما ينعكس سلباً على النظامَين القانوني والسياسي في المجتمع.[٢٧]

الاهتمام بمقاصد الشريعة وملاكات الأحكام

بحسب الباحثين، فإنّ الغاية من تشريع الأحكام في الإسلام هي تحقيق المصالح ودفع المفاسد. ومن ثمّ فإنّ غفلة الفقيه عن هذه المصالح والمفاسد عند استنباط الأحكام تؤدّي إلى إفراغ الأحكام من روحها ووظيفتها، وإلى نشوء حالة من عدم الانسجام بينها. ومع إقرارهم بالصلة الوثيقة بين الفقه الحكومي ومبحث مقاصد الشريعة، يرون أنّ العناية بمقاصد الشريعة وملاكات الأحكام من شأنها أن تعزّز فاعلية الفقه الحكومي وكفاءته.[٢٨]

فاعلية الأحكام الحكومية

من الخصائص التي يؤكَّد عليها في الأحكام الصادرة ضمن إطار الفقه الحكومي هو أن لا تقتصر على عدم الإضرار بـالنظام العام والمصالح العامة، بل ينبغي أن تؤدّي دوراً إيجابياً في تسهيل عملية المواطنة وإدارة الحياة الاجتماعية؛[٢٩] ولذلك ينبغي تجنّب الأحكام الاحتياطية في الفقه الحكومي أو التقليل منها إلى حدّ كبير، حتى لا تؤدي إلى المشقة على المواطنين،[٣٠] كما ينبغي تجنّب تبنّي مواقف تحريمية إزاء المسائل المستحدثة مثل: التأمين، والضرائب، والفضاء الإلكتروني وغير ذلك؛ لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى نفور المجتمع من الدين والحكومة الدينية.[٣١]

المباني

يُنظر إلى تبنّي مقاربة الفقه الحكومي بوصفه ثمرةً للدراسات والأبحاث الخارجة عن إطار الفقه نفسه، بمعنى أنّ الفقيه يصل إلى هذه المقاربة من خلال الدراسات والتأمّلات في علومٍ مثل علم الكلام الإسلامي.[٣٢] وقد عدّد الباحثون في الفقه جملةً من المباني التي يرتكز عليها الفقه الحكومي، منها: الإيمان بـشمولية الشريعة الإسلامية وخلودها وقدرتها على الاستجابة لجميع احتياجات مجال الحكم، والقول بالترابط (التداخل) بين الدين والسياسة في نطاق الفقه، وضرورة الحكومة ودورها في تحقيق السعادة الفردية والاجتماعية للإنسان، والإقرار بالبُعد الاجتماعي للإسلام واتساع نطاق الدين ليشمل إدارة المجتمع، وأهمية الإمامة والحكومة في الإسلام والاعتقاد بـالولاية والسلطة الحكومية للنبيصلی الله عليه وآله وسلم، ومراعاة الظروف والاقتضاءات والتحولات الحياتية مع الالتفات إلى الثوابت والمتغيّرات والمقاصد في عملية استنباط الأحكام، والإيمان بفاعلية الأحكام الحكومية، وإمكان تحويل هذه الأحكام إلى قوانين ملزمة، وأخيراً مبدأ حيوية الاجتهاد وتطوّره المستمر.[٣٣]

شمولية الشريعة الإسلامية وخلودها

يُعدّ أولُ مباني الفقه الحكومي شموليةَ الشريعة الإسلامية وخلودها،[٣٤] أيّ اشتمال الدين على تعاليم كفيلة بتحقيق كمال الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة، وأنّه لا يمكن اعتبار أيّ جانب من جوانب الحياة الإنسانية خارج دائرة الشريعة.[٣٥] وانطلاقاً من هذا المبنى، ذُكر أنّ علم الفقه قادر على الاستجابة لجميع احتياجات الإنسان في مجال الحكم، وإنّ الحكومة في عصر الغيبة ليست معطّلة، بل إنّ الفقيه الجامع للشرائط قادرٌ -نيابةً عن الإمام- على القيام بوظائف المعصوم وتحقيقها.[٣٦]

تداخل الدين والسياسة

يُعدّ الترابط بين الدين والسياسة من أهم مباني الفقه الحكومي.[٣٧] ومن الأدلة التي استند إليها الباحثون في تأكيد هذا التداخل: المنشأ الإلهي للحكومة،[٣٨] ووجود تعاليم دينية تدعو إلى مكافحة الفساد والاستبداد،[٣٩] ووضع برامج ونظم للحكم في النصوص الدينية.[٤٠] وقد أكّد الباحثون في الدين الإسلامي على هذه المرتكزات.[٤١] ووفقاً لهذا المبنى، ذكروا أنّ اعتبار الفقه والحكومة حقيقةً واحدةً في إطار الرؤية الشمولية للفقه يفرض أن يكون الفقه، في مرحلة الفهم والاستنباط، قائماً على رؤية حكومية تستحضر متطلبات إدارة المجتمع، كما يفرض، في مرحلة التطبيق، وجودَ بنية تنظيمية ومؤسسات حكومية تكفل تنفيذ الأحكام الشرعية تنفيذاً صحيحاً وفاعلاً.[٤٢]

ضرورة الحكومة لتحقيق سعادة الإنسانّ

ومن المباني الأخرى للفقه الحكومي القول بضرورة وجود الحكومة لتلبية الحاجات الاجتماعية، ومنع الفوضى، وإقامة النظام.[٤٣] وبناءً على هذا المبنى، تؤدّي الحكومة دوراً محورياً في تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية للإنسان، وهي بحاجة إلى قوانين تصدر عن الفقه لتحقيق هذه الغاية.[٤٤]

الإقرار بالبُعد الاجتماعي للإسلام

يطرح الباحثون في الفقه تساؤلاً مفاده: هل كان الشارع عند تشريع الأحكام يلحظ المكلّفين بوصفهم أفراداً مستقلّين فحسب، أم أنّه كان يلحظ -إلى جانب ذلك- البعدَ الجماعيّ للمجتمع؟ ويشيرون إلى أنّ أنصار الفقه الحكومي يؤكّدون أنّ كثيراً من الأحكام الإسلامية قد وُجّهت إلى المجتمع بوصفه جماعةً واحدة،[٤٥] بل إنّ بعضهم يرى أنّ معظم تعاليم الشريعة تتعلق بالشؤون الاجتماعية.[٤٦] ومن ثمّ فإنّ مراعاة البُعد الاجتماعي للدين تقتضي استنباط الأحكام بصورة تجعلها قابلةً للتطبيق ضمن نظام اجتماعي وحكومي متكامل.[٤٧]

أهمية الإمامة والحكومة

يُستدلّ على ضرورة وجود الإمام في المجتمع بجملة من الاعتبارات، منها: منع الناس من تجاوز الحدود والضوابط، والمحافظة على بقاء المجتمع، وتنفيذ الأحكام الدينية. ويرى منظّرو الفقه الحكومي أنّ مجرّد التشريع للمجتمع لا يكفي، بل لا بدّ من جهة تتولى تنفيذ هذه التشريعات، وقد أُنيط هذا المنصب في المجتمع الإسلامي بالإمام. ووفقاً لهذا الرأي، فإنّ غياب الإمام عن المجتمع يحول دون تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية للبشر؛ ولذلك، كما جعل الله للنبيصلی الله عليه وآله وسلم مقاماً حكومياً لتنفيذ الأحكام الإسلامية، فقد عيّن الأئمة من بعده للقيام بهذه المهمة، ثم انتقل هذا المنصب بعد الأئمة إلى الفقهاء الجامعين للشرائط.[٤٨]

تحويل الأحكام الفقهية إلى قوانين

يُعدّ تحويل الأحكام الشرعية إلى قوانين من المباني الأساسية للفقه الحكومي. وبناء عليه، يُذكر أنّ المخاطبين بالفقه الحكومي هم جميع المواطنين في المجتمع، لا المكلّفون بـالأحكام الشرعية فحسب. ومن جهة أخرى، فإنّ الحكومات تفرض متطلّباتها على المواطنين من خلال قوانين ملزمة؛ ولذلك ينبغي للفقه الحكومي، في إطار تدبير شؤون المجتمع وإدارته، أن يكون قادراً على تحويل الأحكام الفقهية إلى قوانين ملزمة لجميع المواطنين.[٤٩]

الآثار والنتائج

ذكرت الدراسات الفقهية عدداً من الآثار والنتائج المترتبة على تبنّي المقاربة الحكومية للفقه:

  • اختلاف الاستنباط من الأدلة الشرعية: من أهمّ نتائج الرؤية الحكومية للفقه اختلافُ طريقة استنباط الأحكام من الآيات والروايات. فمثلاً، وفق المقاربة الفردية لأدلة الخمس، يُعدّ الخمس مالاً شخصياً للإمام والسادة يتولى الفقيه صرفه في موارده المحددة. وأمّا وفق الرؤية الحكومية فإنّ الخمس يرتبط بمنصب الإمامة والحكومة، ويُخصّص لإدارة المجتمع وتأمين نفقات الدولة الإسلامية.[٥٠]
  • الاهتمام بفاعلية الأحكام الشرعية وبُعدها التنفيذي: ففي الفقه الحكومي يولي الفقيه عنايةً خاصة لمدى تأثير الأحكام المستنبطة وقدرتها على تحقيق النتائج المرجوّة، بينما تقتصر عناية الفقه الفردي على صحة الأحكام المستنبطة وحجيتها الشرعية، دون أن تكون الآثار المترتبة عليها موضع اهتمامٍ أساسي لدى الفقيه.[٥٢]

الهوامش

  1. الخامنئي، «بيانات در مراسم بيست‌ ودومين سالگرد رحلت الإمام الخميني».
  2. الخامنئي، «پيام به جامعه مدرسين حوزه علميه قم به مناسبت تشكيل شوراي سياست‌گذاري حوزه»، الموقع الإعلامي الرسمي لآية الله الخامنئي مهريزي، «فقه حكومتي»، ص141-142؛ نوايي، فقه واجتهاد حكومتي، 1399ش، ص290-291؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص84.
  3. طالبي طادي، فقه حكومتي، 1397ش، ص40؛ ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص10؛ ذوالفقاري وسيديان، «فقه حكومتي؛ چيستي، چرايي، چگونگي»، ص52.
  4. منتظري، دراسات في ولاية الفقيه، 1409هـ، ج1، ص15 و21؛ ايزدهي، فقه سياسي الإمام الخميني، 1390ش، ص10-37؛ ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص9.
  5. ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص8-9.
  6. ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص8-9.
  7. مهريزي، «فقه حكومتي»، ص141-142.
  8. ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص7.
  9. غلامي وميراحمدي، «فقه فردي وفقه حكومتي بايسته‌ها وكاستي‌ها»، ص88-97؛ ايزدهي، الإمام الخميني وارتقاي جايگاه فقه حكومتي»، ص58.
  10. خراساني، «روش‌شناسي فقه حكومتي در سپهر انديشه فقهي-سياسي الإمام الخميني»، ص48؛ ايزدهي، «الإمام الخميني ونگرش حكومتي به فقه»، ص116.
  11. مشكاني، «پارادايم فقه حكومتي با محوريت ديدگاه‌هاي آيت‌الله العظمي الخامنئي»، ص54.
  12. الإمام الخميني، صحيفه امام، 1378ش، ج21، ص289.
  13. حسنلو ومحمودي، «جايگاه فقه حكومتي؛ اهميت وضرورت توجه به آن در تمدن نوين اسلامي»، ص20.
  14. ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص10-11؛ مهريزي، «فقه حكومتي»، ص141-142.
  15. ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص11-12.
  16. عميد الزنجاني، فقه سياسي، 1377ش، ج2، ص170-171.
  17. ذوالفقاري وسيديان، «فقه حكومتي؛ چيستي، چرايي، چگونگي»، ص56-57.
  18. غلامي وميراحمدي، «فقه فردي وفقه حكومتي بايسته‌ها وكاستي‌ها»، ص98.
  19. پرور، «فقه حكومتي؛ چرايي، چيستي وچگونگي»، ص192-193.
  20. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص106-108.
  21. الخامنئي، «بيانات در اجلاس جهاني علما وبيداري اسلامي»، الموقع الإعلامي الرسمي لآية الله الخامنئي؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص101-103.
  22. طالبي طادي، فقه حكومتي، 1397ش، ص41-47.
  23. نوايي، فقه واجتهاد حكومتي، 1399ش، ص289-301؛ ايزدهي، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص22-23؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص285.
  24. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص290.
  25. الإمام الخميني، صحيفه امام، 1378ش، ج21، ص289.
  26. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص290.
  27. نوايي، فقه واجتهاد حكومتي، 1399ش، ص299-300؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص291-293.
  28. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص307-315.
  29. سيفي مازندراني، مباني الفقه الفعال، 1425ق، ح1، ص13.
  30. نوايي، فقه واجتهاد حكومتي، 1399ش، ص298-299.
  31. الإمام الخميني، صحيفه امام، 1378ش، ج21، ص218؛ ايزدهي، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص22-23.
  32. ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص16.
  33. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص153-222؛ خراساني، «روش‌شناسي فقه حكومتي در سپهر انديشه فقهي-سياسي الإمام الخميني»، ص59-66؛ صرامي، «درآمدي بر فقه حكومتي»، ص15-30؛ مهريزي، «فقه حكومتي»، ص159؛ ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص16-21؛ ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص18-24؛ غلامي وميراحمدي، «فقه فردي وفقه حكومتي بايسته‌ها وكاستي‌ها»، ص99-101.
  34. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص169 و171.
  35. الإمام الخميني، ولايت فقيه، 1377ش، ص19-21؛ خراساني، «روش‌شناسي فقه حكومتي در سپهر انديشه فقهي-سياسي الإمام الخميني»، ص51-52.
  36. غلامي وميراحمدي، «فقه فردي وفقه حكومتي بايسته‌ها وكاستي‌ها»، ص99؛ ايزدهي وصديق، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص18-19.
  37. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص177.
  38. منتظري، دراسات في ولاية الفقيه، 1409هـ، ج1، ص31.
  39. مطهري، نهضت‌هاي اسلامي معاصر، 1367ش، ص21 و36 و41.
  40. الإمام الخميني، ولايت فقيه، 1377ش، ص12.
  41. صرامي، «درآمدي بر فقه حكومتي»، ص15-23.
  42. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص184.
  43. الإمام الخميني، ولايت فقيه، 1377ش، ص18؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص184-190.
  44. مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص191.
  45. خراساني، «روش‌شناسي فقه حكومتي در سپهر انديشه فقهي-سياسي الإمام الخميني»، ص58-59.
  46. الإمام الخميني، صحيفه امام، 1378ش، ج6، ص42-43 وج10، ص18.
  47. ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص17-18.
  48. الإمام الخميني، ولايت فقيه، 1377ش، ص20-21؛ ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص18-19.
  49. لك‌زايي، «مسائل فقه سياسي»، ص131؛ ايزدهي، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي»، ص23-24.
  50. الإمام الخميني، كتاب البيع، 1379ش، ج2، ص659-660؛ الإمام الخميني، ولايت فقيه، ص22.
  51. الإمام الخميني، صحيفه امام، 1378ش، ج2، ص452؛ مشكاني، درآمدي بر فلسفه فقه حكومتي، 1399ش، ص321-324.
  52. ضيائي‌فر، «رويكرد حكومتي در فقه»، ص24-25؛ خراساني، «روش‌شناسي فقه حكومتي در سپهر انديشه فقهي-سياسي الإمام الخميني»، ص65-66.

المصادر والمراجع

  • الإمام الخميني، السيد روح الله، صحيفة الإمام، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1378ش.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، كتاب البيع، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1379ش.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، ولاية الفقيه، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1377ش.
  • إيزدهي، السيد سجاد، وصديقة صديق تقي‌زاده، «ماهيت وويژگي‌هاي فقه حكومتي (ماهية وخصائص الفقه الحكومي)»، فصلية حكومت اسلامي، العدد 95، 1399ش.
  • إيزدهي، السيد سجاد، «الإمام الخميني ونگرش حكومتي به فقه (الإمام الخميني والنظرة الحكومية إلى الفقه)»، فصلية علوم سياسي، العدد 70، 1394ش.
  • إيزدهي، السيد سجاد، «الإمام الخميني وارتقاء جايگاه فقه حكومتي (الإمام الخميني وتعزيز مكانة الفقه الحكومي)»، فصلية حكومت اسلامي، العدد 64، 1391ش.
  • إيزدهي، السيد سجاد، فقه سياسي امام خميني، طهران، نشر عروج، 1390ش.
  • الخامنئي، السيد علي، «بيانات در اجلاس جهاني علما وبيداري اسلامي (كلمة في المؤتمر العالمي للعلماء والصحوة الإسلامية)»، الموقع الإعلامي الرسمي لآية الله الخامنئي، تاريخ النشر: 29 أبريل 2013م، تاريخ الزيارة: 23 فبراير 2026م.
  • سيفي المازندرانـي، علي أكبر، مباني الفقه الفعّال، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة المدرسين، 1425هـ.
  • طالبي طادي، بهنام، الفقه الحكومي (مدخل إلى الماهية والأصول والمنطق النظري)، طهران، منشورات جامعة الإمام الصادق(ع)، 1397ش.
  • عميد الزنجاني، عباس علي، فقه سياسي، ج2، طهران، نشر أمير كبير، 1377ش.
  • لك‌زائي، نجف، «مسائل فقه سياسي (قضايا الفقه السياسي)»، نصف سنوية دانش سياسي، العدد 11، 1389ش.
  • مشكاني سبزواري، عباس علي، مدخل إلى فلسفة الفقه الحكومي، قم، دار نشر كتاب فردا، 1399ش.
  • مطهري، مرتضى، نهضت‌هاي اسلامي معاصر، طهران، دار نشر صدرا، 1367ش.
  • منتظري، حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، قم، دار نشر تفكر، 1409هـ.
  • مهريزي، مهدي، «فقه حكومتي (الفقه الحكومي)»، فصلية نقد ونظر، العدد 12، 1376ش.
  • نوائي، علي أكبر، الفقه والاجتهاد الحكومي، مشهد، منشورات الحوزة العلمية بخراسان، 1399ش.