العدل

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلام
کتیبه مسجد.png

العدل، هو أحد أصول الدين الخمسة، ومعناه تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب. اختلفت الفرق الإسلامية في هذا الأصل؛ فقد قال به "العدلية" بناءاً على قولهم بالحسن والقبح العقليين، ولم يقل به الأشاعرة بناءاً على قولهم بالحسن والقبح الشرعيين.

يُعدُ البحث في مسألة العدل الإلهي من أقدم المسائل التي فكّر فيها الإنسان وتحدث بها منذ العصور القديمة منذ أن بدأ بالبحث عن الخالق.

ومن خلال الآيات القرآنية الشريفة المتعلقة بالعدل يتجلى للعدل الإلهي ثلاث مظاهر، وهي: العدل التكويني، والعدل التشريعي، والعدل الجزائي.

تعريف العدل

  • لغةً: عدل‌ (العين والدال واللام) أصلان صحيحان، لكنَّهما متقابلان كالمتضادَّين: أحدُهما يدلُّ على استواء، والآخر يدلُّ على اعوجاج، فالأول العَدْل من النَّاس: المرضىّ، المستوِى، الطّريقة. يُقال: هذا عَدْلٌ، وهما عَدْلٌ.[١]

العَدَالَةُ والمُعَادَلَةُ: لفظٌ يقتضي معنى المساواة، ويستعمل باعتبار المضايفة، والعَدْلُ والعِدْلُ يتقاربان، لكن العَدْلُ يستعمل فيما يُدرك بالبصيرة كالأحكام، وعلى ذلك قوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذٰلِكَ صِيٰاماً،[٢] والعِدُل والعَدِيلُ فيما يُدرك بالحاسّة، كالموزونات والمعدودات والمكيلات، فالعَدْلُ هو التّقسيط على سواء.[٣]

  • اصطلاحاً: هو تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح والإخلال بالواجب.[٤]

تاريخ بحث مسألة العدل الإلهي

يرجع البحث في مسائل العدل الإلهي إلى العصور القديمة، منذ أن بدأ الإنسان بالبحث عن الخالق عز وجل.png، وإثبات وجوده وصفاته وكيفية إدارته وتدبيره للعالم، فعندما رأى الإنسان ما يحدث في العالم من ظلم واضطهاد، وأمراض وكوارث طبيعية، دارت في ذهنه أسئلة كثيرة حول تفسير هذه الحوادث، وأسبابها ومدى صحة نسبتها إلى الله عزّ شأنه، وهل المسبّب لهذه الحوادث هو الله تعالى، أم توجد علل أخرى غيره تعالى هي السبب في حصول هذه الحوادث؟ وإذا كان الله هو المسبب لهذه الحوادث، فهل هذا يتضاد مع عدله، ويتنافى مع اختيار الإنسان؟

هذه الأسئلة وغيرها أدّت إلى حركة الفكر البشري الذي أخذ يبحث عن الأجوبة الحقة.

إذن مسألة العدل الإلهي كانت مطروحة في الفكر البشري وفي الأديان القديمة منذ القدم، نعم لم تكن هذه الفكرة مطروحة بهذه الصورة التي عليها اليوم، بل طُرحت بشكل جزئي في مسألتي: الشرور، والجبر والاختيار، والمصادر التاريخية تُشير إلى أن أقدم نص ديني أشار إلى مسألة العدل - في إطار الجبر والاختيار ومسألة الشرور – هو ما ورد في كتاب (الريج ويدا – سمهتا)،[٥] ويعتقد الهندوس بوجود قانون الجزاء الذي، يسمى في اللغة السنسكريتية[٦] "كارما"، وليس لأحد أن يتملّص منه.[٧]

واستمر البحث في مسألة العدل الإلهي في الحضارات اللاحقة كالفكر اليوناني، إلى أن وصل البحث إلى الفكر الإسلامي وكانت أول المباحث الكلامية التي طُرحت في الأوساط العلمية الإسلامية هو مبحث "الجبر والاختيار" قال الشهيد مطهري: "ولما ورد المجتمع الإسلامي مرحلة الفكر العلمي بتلك الصورة السريعة لأسباب عديدة ليس هنا محل ذكرها، فإنّه قد منح الأولوية لمسألة الجبر والاختيار".

وليس من الضروري لبيان سبب ذلك التناول السريع لهذه المسألة في القرن الأول الهجري أن ننسب ذلك إلى عوامل خارجة عن العالم الإسلامي، فطرح تلك المسألة في ذلك الوقت في العالم الإسلامي طبيعي جدا، ولو لم تُطرح لتسألنا حينئذ: كيف يمكن في مجتمع بدأ هذه الحياة العقلية المتوثبة أن لا تُطرح فيه تلك المسألة؟

إنَّ المجتمع الإسلامي مجتمع ديني يتخذ القرآن دستور حياته، وقد أثار هذا الكتاب مسائل عديدة مثل الجبر والاختيار، والقضاء والقدر الإلهي، والجزاء والمكافأة وبصورة كثيفة، ولما كان القرآن يدعو إلى التدبر والتفكر فقد توجّه المسلمون وبعمق نحو البحث في الجبر والاختيار شاءوا أم أبوا.[٨]

أقسام العدل

من خلال تلاوة الآيات القرآنية الكريمة المتعلقة بمبحث العدل، يتجلى للعدل الإلهي ثلاثة مظاهر وأقسام، وهي:

  • العدل التكويني

ويُسمّى العدل في الخلق وتدبير العالم، ومعناه: أنّ الله سبحانه وتعالى خلق جميع الكائنات وأعطاها كل ما هي مستعدّة له، وأوجدها بأفضل شكل وأحسن صورة، وجعلها بشكل يتناسب مع الهدف الذي خلقها من أجله، وهيأ لها جميع الظروف والوسائل والآلآت التي تحتاجها في حياتها مثلاً: حبة الحنطة من أوّل يوم توضع في بطن الأرض وتخرج منها الخضرة، تسير في طريق التكامل لتكون لها سنابل تحمل حبات كثيرة من الحنطة، وهي مجهزة بوسائل خاصة تستفيد بواسطتها من العناصر التي لابدّ من توفرها من أجزاء الأرض والهواء بنسب معلومة، وتعلو يوماً فيوماً وتتحوّل من شكل إلى آخر حتى يكون لها سنابل في كل سنبلة حبات، وحينئذ تكون قد وصلت إلى هدفها المنشود، وكمالها الذي كانت تهدف إليه.

إنَّ جميع ما نشاهده في الكون يتبع هذه القاعدة المطردة، وليس لنا دليل ثابث على أن الإنسان شاذ عنها في مسيرته الطبيعية إلى هدفه الذي جُهز بالآلات اللازمة للوصول إليه، بل الأجهزة الموجودة فيه أحسن دليل على انه مثل بقية ما في الكون، له هدف خاص يضمن سعادته، وتوفرت فيه الوسائل للوصول إليه. وعليه فخلقة الإنسان وخلقة الكون – الذي ليس الإنسان إلا جزءاً منه – تسوقه إلى السعادة الحقيقية، وهي توحي إليه أهم وأحسن وأثبتت القوانين التي تضمن سعادته.[٩]

وقد دلت عليه جملة من الآيات القرانية الكريمة مثل:

  1. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى.[١٠]
  2. قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.[١١]
  3. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى.[١٢]
  4. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ.[١٣]
  • العدل التشريعي

وهو أن الله تعالى لا يُهمل تكليفاً فيه كمال الإنسان وسعادته، وبه قوام حياته المادّية والمعنوية والدنيوية والأخرويّة، كما أنه لا يُكلف نفساً فوق طاقتها، وقد أشار الباري عز وجل.png إلى هذا النوع من العدل في جملة من آياته، كما في:

  1. قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.[١٤]
  2. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.[١٥]
  3. قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ،[١٦] وغيرها من الآيات.
  • العدل الجزائي

أي أنّ الله عز وجل.png لا يساوي بين الصالح والطالح، وبين المؤمن والكافر في مقام الجزاء، بل يجزي كل إنسان بها كسب، فيجزي المحسن بالإحسان والثواب، والمسيء بالعقاب، كما أنه تعالى لا يعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلا بعد الإبلاغ، وقد أشار الباري سبحانه إلى هذا النوع من العادل في آيات كثيرة، منها:

  1. قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ،[١٧] أي: إنّ عملهم لا يضيع، وأجرهم لا يتخلف، فهم في أمن من الظلم بنسيان أجرهم أو بترك إعطائه أو بنقصه أو تغييره، كما أنهم في أمن من أن لا يحفظ أعمالهم أو تُنسى بعد الحفظ أو تتغير بوجه من وجوه التغير.[١٨]
  2. قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ،[١٩] أي: لا يُنقص من إحسان محسن ولا يُزاد في إساءة مسئ.[٢٠]

أدلة العدل

لإثبات العدل عند الله عز وجل.png يكفي توضيح أسباب ودواعي الظلم الذي يُناقض العدل، فلابدَّ بالأساس من معرفة دوافع الظلم، وهل أن هذه العلل والأسباب والدوافع تتحقق بشان الذات الإلهية أم لا؟ فاذا ما ثبت ان لا سبيل لدوافع الظلم وأسبابه في الذات الإلهية يكون العدل قد ثبت تلقائياً، فأسباب الظلم يُمكن أن تكون إحدى الحالات التالية:

  1. الجهل بالمخلوق واستحقاقه وبالتالي الجهل بحقوقه.
  2. الحاجة والفقر.
  3. الانتقام والحسد والضغينة.
  4. العناد والأنانية الناجمة عن العقد والأمراض النفسية.

ويمكن القول مبدأياً ان كافة هذه الأسباب والدواعى إنما تنجم عن حالة واحدة وهي "الشعور بالنقص والفراغ"، ونظراً لإثبات عدم وجود النقص في الذات الإلهية بالأدلة العقلية القطعية، فلابدَّ من الإذعان بعدم وجود القضايا الناجمة عنها، ومن بينها الظلم فى ذاته عز وجل.png، وهو وجود عين العدالة، وبعبارة أخرى: أنه موجود عادل، وعليه فحينما تنتفي أسباب الظلم عن الله تثبت عدالته بكافة أقسامها التكوينية، التشريعية والجزائية.[٢١]

ويدل على عدله تعالى أيضاً: إنَّ صفات الله الذاتية تقتضي أن تكون أفعاله تعالى حكيمة وعادلة، ولا توجد في الله تعالى أيَّة صفة تقتضي الظلم والجور، أو اللغو والعبث.[٢٢]

إشكال على العدل (مسألة الشرور)

قالوا: بما ان الله عز وجل.png عادل ولايفعل القبيح ولا يترك الحسن، فإذا کان الأمر کذلك فالشرور کالزلازل، والسیل والطوفان والبلایا والألام والأوجاع والموت ونحوها، والاختلافات كالسواد والبياض والبلادة والذكاوة والذكورية والأنوثة وغير ذلك، لماذا وقعت؟ أليس هذه الأمور قبيحة؟

جوابه: أجيب عن السؤال المذكور بجوابين:

الأول: إجمالي

لا مجال لرفع اليد عما يُنتهى إليه بالبراهين القطعية من أنه تعالى لا يفعل القبيح ولا يترك الحسن بمثل هذه الأمور، بل اللازم بحكم العقل هو حمل هذه الأمور على ما لا ينافي البراهين القطعية، فنحكم بأن هذه الأمور لاتخلو عن الحكمة والمصلحة، وإلا لم تصدر من الحكيم المتعال، إذ ليس فيه عوامل صدور القبيح كالجهل أو العجز أو غير ذلك مما يكون نقصاً ولا يليق بجنابه تعالى، فكل ما فعله الله وصدر منه يبتني على الحكمة والصلاح وغالبية الخير.

قال العلامة الطباطبائي: "الأمور - بالاضافة إلى الغير - على خمسة أقسام: ما هو خیر محض، وما هو خیره أکثر من شره، وما یتساوی خیره وشره، وما شره أكثر من خيره، وما هو شر محض، ولا يوجد شيء من الثلاثة الأخيرة، لاستلزامه الترجيح من غير مرجح، أو ترجيح المرجوح على الراجح، ومن الواجب بالنظر إلى الحكمة الإلهية المنبعثة عن القدرة والعلم الواجبيين، والجود الذي لا يخالطه بخل، أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتم، وأن يوجد ما هو خير محض، وما هو خيره أكثر من شره؛ لأن في ترك الأول شراً محضاً، وفي ترك الثاني شراً كثيراً، فما يوجد من الشر، نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير، وإنما وجد الشر القليل بتبع الخير الكثير".[٢٣]

الثاني: الأجوبة التفصيلية

يوجد عدة أجوبة تفصيلية، ومنها:

الجواب الأول: إنَّ الشرور لا تطلق حقيقة إلا على عدم الوجود مما له من شأن الوجود، كموت زيد بعد وجوده، أو عدم الشجرة بعد وجودها، أو على عدم كمال الوجود ممن له شأنية ذلك الكمال، كعدم الثمر من الشجر القابل له، ولذلك قال في الإشارات: الشر يُطلق على أمور عدمية من حيث هي غير مؤثرة كفقدان كل شئ ما من شأنه أن يكون له مثل الموت والفقر والجهل، واما عدم شئ مأخوذ بالنسبة إلى ماهيته كعدم زيد فلا يكون شرا لأنه اعتبار عقلي ليس من وقوع الشر في شيء.[٢٤]

الجواب الثاني: إنَّ للشرور منافع وفوائد كثيرة مهمة فقد حُكي عن أرسطو أن كثيراً من الشرور مقدمة لحصول الخيرات والكمالات الجديدة، فبموت بعض الأفراد تستعد المادة لحياة الآخرين، وبإحساس الألم يندفع المتألم إلى علاج الأمراض والآفات وإبقاء حياته، إلى غير ذلك من المصالح التي تترتب على الشرور.[٢٥]

الجواب الثالث: أن البلايا والآفات والعاهات، كثيراً ما تصلح لإعداد الكمالات المعنوية والأخلاقية وهو السر في الابتلاء والامتحان بها، وهذه الكمالات كالتوجه إلى الله والانقطاع إليه والتخلق بالأخلاق الفاضلة، بحيث لو لم تكن تلك الأمور لا يمكن النيل إلى هذه الكمالات المعنوية. مثلاً من أصابه مرض وأقدم على العلاج، وصبر فيه، ودعا وتضرع إلى الله تعالى، ورضي بما قدره له من الشفاء أو عدمه، والصحة أو السقم، حصل له من القرب إلى الله تعالى والتخلق بالأخلاق الحسنة ما لم يكن له قبل ابتلائه به، فالمرض أعد له هذا التعالي والتكامل.[٢٦]

الجواب الرابع: أن الاختلافات من جهة الأنواع والأصناف والأوصاف كالسواد والبياض أو البلادة والذكاوة أو النقص والتمام أو الرجولية والأنوثية أو الإنسانية والحيوانية وغير ذلك، لا تنافي العدل، لأن العدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، ومن المعلوم أنه لا حق للشيء قبل خلقته، فكل ما أعطاه الله تعالى للأشياء، هو فضل لا حق، وحيث ثبت أن كل ما أعطاه الله فضل، فالاختلاف فيه لا يكون ظلماً.

كما روي عن جابر بن يزيد الجعفي حيث قال: قلت لأبي جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام1.png: يا ابن رسول الله إنا نرى الأطفال منهم من يولد ميتاً، ومنهم من يسقط غير تام، ومنهم من يولد أعمى، وأخرس وأصم، ومنهم من يموت من ساعته إذا سقط إلى الأرض، ومنهم من يبقى إلى الاحتلام، ومنهم من يُعمّر حتى يصير شيخاً، فكيف ذلك، وما وجهه؟ فقال عليه السلام: "إن الله تبارك وتعالى أولى بما يُدبره من أمر خلقه منهم، وهو الخالق والمالك لهم، فمن منعه التعمير، فإنما منعه ما ليس له، ومن عمّره فإنما أعطاه ما ليس له، فهو المتفضل بما أعطى، وعادل فيما منع، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون".[٢٧]

الجواب الخامس: أن علة النقص في المعلولين، قد تكون من جهة تزاحم الأسباب في عالم المادة لأن بعض الشرور من لوازم العالم المادي، وقد أشار الإمام الصادق عليه السلام لهذا في توحيد المفضل حيث قال: "وأنت يا مفضل ترى أصناف الحيوان أن يجري أكثر ذلك على مثال ومنهاج واحد كالانسان يولد وله يدان ورجلان وخمس أصابع، كما عليه الجمهور من الناس فأما ما يولد على خلاف ذلك فإنه لعلة تكون في الرحم أو في المادة التي ينشأ منها الجنين، كما يعرض في الصناعات حين يتعمد الصانع الصواب في صنعته فيعوق دون ذلك عائق في الأداة أو في الآلة التي يعمل فيها الشئ فقد يحدث مثل ذلك في أولاد الحيوان للأسباب التي وصفنا فيأتي الولد زائداً أو ناقصاً أو مشوهاً ويسلم أكثرها فيأتي سوياً لا علة فيه".[٢٨]

كلمات العلماء في العدل

لقد بيّن العلماء مسألة العدل في كلماتهم وذكروها، ومنهم:

  1. قال الشيخ المفيد: قال الشيخ أبو جعفر "رضي الله عنه": اعتقادنا أن الله تبارك وتعالى أمرنا بالعدل، وعاملنا بما هو فوقه، وهو التفضّل، وذلك أنه عز وجل.png يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ،[٢٩] والعدل هو أن يثيب على الحسنة ويعاقب على السيئة، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل الجنة رجل إلا برحمة الله عز وجل.png.[٣٠]
  2. قال الشيخ المظفر: ونعتقد أن من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه ولا يحيف في حكمه، يثيب المطيعين، وله أن يجازي العاصين، و لا يكلف عباده ما لا يُطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقون، ونعتقد أنه سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل القبيح؛ لأنه قادر على فعل الحسن وترك القبيح مع فرض علمه بحسن الحسن وقبح القبيح، وغناه عن ترك الحسن وعن فعل القبيح، فلا الحسن يتضرر بفعله حتى يحتاج إلى تركه، ولا القبيح يفتقر إليه حتى يفعله، وهو مع كل ذلك حكيم لابدَّ أن يكون فعله مطابقاً للحكمة وعلى حسب النظام الأكمل.[٣١]
  3. قال الشيخ السبحاني: وبناءاً على القول بالحسن والقبح العقليين فهو سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح والعدل حسن، ولا يصدر القبيح من الحكيم. فالاتّصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي له، وإن شئت قلت: إنّ الإنسان يُدركُ أنّ القيام بالعدل كمال مطلق لكلّ أحد، وارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد. وهو كذلك - حسب إدراك العقل - عنده سبحانه. ومعه: كيف يمكن أن يرتكب الواجب تعالى خلاف الكمال ويقوم بما يجرّ النقص إليه؟[٣٢]

العدل بين المذاهب الإسلامية

قالت العدليّة من غير فرق بين المعتزلة والإماميّة، هو أنّ اللَّه عز وجل.png عدلٌ كريمٌ، خلق الخلق لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، وعمّهم بهدايته، بدأهم بالنعم وتفضّل عليهم بالإحسان. لم يكلِّف أحداً إلّا دون الطاقة، ولم يأمره إلّا بما جعل له عليه الاستطاعة. لا عبث في صنعه ولا قبيح في فعله. جلّ عن مشاركة عباده في الأفعال، وتعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال لا يعذِّب أحداً إلّا على ذنب فعله، ولا يلوم عبداً إلّا على قبيح صنعه. لا يظلم مثقال ذرّة، وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً.[٣٣]

لقد قالت الأشاعرة بالحسن والقبح الشرعيين ورفضوا الحسن والقبح العقليين وقد رتبوا على هذه االنظرية نتائج خطيرة منها: إمكان التكليف بما لايطاق؛ لأنه إذا أمر الله به فهو عمل حسن، ويمكن أن يدخل الله المؤمن يوم القيامة النار ولايكون قبيحا لأن القبيح ما لم يفعله الله أما إذا فعله فهو عمل حسن، كما يمكن أن يدخل الله الكافر يوم القيامة إلى الجنة؛ لأن إذا فعل الله هذا الفعل فسوف يكون هذا الفعل حسناً، فقد نفوا العدل منه عز وجل.png.[٣٤]

الهوامش

  1. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 4، ص 246.
  2. المائدة: 95.
  3. الأصفهاني، مفردات الفاظ القرآن، ص 551.
  4. المفيد، النكت الاعتقادية، ص 32.
  5. كتاب الريج ويدا - شمهنا: هو من أهم الكتب الهندوسية، يرجع تاريخه إلى "٢000" سنة ق.م، ويشتمل على "1017" أنشودة دينية وضعت ليتضرع بها أتباعها بين يدي الآلهة، أو يتغنون بها عند الآلهة عندما يقدّمون لها القرابين. انظر: مقارنة الأديان، أديان الهند الکبری، دکتور أحمد شلبي، ج 4، ص 40 - 41.
  6. هي أحدى لغات الهند القديمة، ويقال: إنها لغة صعبة جدّاً ذكر البعض أن اللغات المتداولة في الهند بلغت نحو "٢٤٥" لغة، و(٢٢٥) لهجة، بالإضافة إلى الفارسية التي كانت لغة رسمية للقصور الأهلية والمجتمعات الراقية في الهند، والبهلوية وهي لغة المجوس. انظر: حضارات الهند، غوستاف لوبون: ص477.
  7. شلبي، مقارنة الأديان (أديان الهند الكبرى)، ج 4، ص 62.
  8. المطهري، العدل الإلهي، ص20 - 21.
  9. الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص11.
  10. طه: 50.
  11. ال عمران: 18.
  12. الأعلى: 2 - 3.
  13. الانفطار: 6 - 7.
  14. الحديد: 25.
  15. النحل: 90.
  16. الأعراف: 29.
  17. المؤمنون: 62.
  18. الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 15، ص 43.
  19. الأنبياء: 47.
  20. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 294.
  21. الشيرازي، أصول العقائد، ص156.
  22. اليزدي، دروس في العقيدة الإسلامية، ج 1، ص194.
  23. الطباطبائي، تفسير الميزان، ج 13، ص 201.
  24. الخرازي، بداية المعارف الإلهية، ج 1، ص 126.
  25. الخرازي، بداية المعارف الإلهية، ج 1، ص 133.
  26. الخرازي، بداية المعارف الإلهية، ج 1، ص 134.
  27. الحويزي، تفسير نور الثقلين، ج 3، ص 419.
  28. المجلسي، بحار الأنوار، ج 3، ص 149.
  29. الأنعام: 160.
  30. المفيد، الاعتقادات للشيخ الصدوق، ص 69.
  31. المظفر، عقائد الإمامية، ص 27.
  32. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج 2، ص 381.
  33. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج 3، ص 459.
  34. الشهرستاني، الملل والنحل، ص 101-102.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة‌، تحقيق وتصحيح: عبد السلام محمد هارون‌، قم- إيران‌، الناشر: انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزه علميه قم‌، ط1، 1404 ه‍.
  • الأصفهاني، الحسين بن محمد راغب، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق وتصحيح: صفوان عدنان داودي، لبنان- سوريا، الناشر: دار العلم- الدار الشامية، ط1، 1412 هـ.
  • الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، تحقيق: السيد هاشم رسولي محلاتي، ‏قم - إيران، الناشر: انتشارات اسماعيليان‏، ط10، 1415 هـ.
  • الخرازي، محسن، بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية، قم - إيران، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، ط10، 1433 هـ.
  • السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل، قم - إيران، الناشر: مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، ط3، 1433 هـ.
  • الشهرستاني، عبدالكريم، الملل والنحل، تحقيق: محمد الگيلاني، بيروت - لبنان، 1395هـ - 1975م.
  • الشيرازي، رضي، أصول العقائد، بيروت - لبنان، دار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ط1، 1425 هـ - 2004 م.
  • الطباطبائي، محمد حسين، القرآن في الإسلام، تعريب: أحمد الحسيني، د.م.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم - إيران، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي، د.ت.
  • القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، بيروت - لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1405 هـ.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت - لبنان، الناشر: دار إحياء التراث العربي، ط2، 1403 هـ.
  • المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، د.م، د.ن، د.ت.
  • المفيد، محمد بن محمد، الاعتقادات للشيخ الصدوق، تحقيق: عصام عبد السيّد، قم - إيران، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط1، 1413 هـ.
  • المفيد، محمد بن محمد، النكت الاعقائدية، ضمن مصنفات الشيخ المفيد ج 10، د.م، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، ط1، 1413 هـ.
  • اليزدي، محمد تقي، دروس في العقيدة الإسلامية، بيروت - لبنان، دار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ط8، 1429 هـ - 2008 م.
  • شلبي، أحمد، مقارنة الأديان (أديان الهند الكبرى)، مصر، مكتبة النهضة المصرية، ط3، 1972 م.