البقيع (مقبرة)

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
قبور أئمة البقيع في البقيع حالياً

البَقيع، هي أقدم مقبرة للمسلمين في المدينة المنورة، بجوار قبر رسول الله (ص)، وتضم أربعة من أئمة الشيعة من أهل بيت رسول الله (ص) وهم: الإمام الحسن و الإمام علي بن الحسين، الإمام الباقر، الإمام الصادق عليهم السلام.

كما تضم البقيع أيضا قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي (ص)، وقبر إبراهيم بن رسول اللهصلی الله عليه وآله وسلم، وقبر عدد من عمات النبي (ص)، وزوجاته، وبعض أصحابه، وعدد من شهداء صدر الإسلام، والعديد من كبار شخصيات المسلمين.

وقد كانت البقيع منذ عهد رسول الله (ص) مزاراً للمؤمنين إلى يومنا هذا، ولكن الوهابيين هدموا القباب الموجودة‌ فيها، ومنعوا المسلمين من تأدية شعائرهم الدينية وممارسة معتقداتهم الشرعية.

البقيع في اللغة

البقيع لغة موضع من الأرض فيه أروم شجر من ضروب شتى، وبه سمي بقيع الغرقد بـالمدينة المنورة؛[1] لأن هذا النوع من الشجر كان كثيراً فيه، ثم قطع. وفي كتاب (العين) الغرقد: ضرب من الشجر.[2]

تاريخ البقيع

قبل الإسلام

لا توجد معلومات تاريخية أو روايات تشير إلى وجود مقبرة باسم البقيع قبل الإسلام، وأقدم نص أدبي شعري، في ذكر بقيع الغرقد هو لعمرو بن النعمان البيضاني[3] من زعماء الخزرج وأنصار المدينة المنورة، يرثي قومه الذين اقتتلوا في داخل بستان بالعقيق على عشرة أميال من المدينة وبقيع الغرقد،[ملاحظة 1] [4] وقد ذكر ابن الأثير في تاريخه هذه الحادثة التي وقعت بين الأوس والخزرج وأطلق عليها (بيوم البقيع) وكان الأنتصار فيها للأوس.[5] كان يهود يثرب يدفنون موتاهم في بستان (حش كوكب) عند بقيع الغرقد.[6] وكانت الأغنام والأبل تأكل من الأعشاب الموجودة في البقيع.[7]

في صدر الإسلام وزمن الخلفاء

عندما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة المنورة وقام بتأسيس الحكومة الإسلامية فيها، فكانت إحدى إحتياجات المسلمين وجود مقبرة يدفنوا بها موتاهم، فعين رسول الله (ص) لهم منطقة البقيع، وأول من دفن فيها من المهاجرين هو عثمان بن مضعون،[8] ومن الأنصار هو أسعد بن زرارة،[9] وقد أشارت بعض النصوص التاريخية، إنَّ هذا البستان (البقيع) لم يكن فقد لدفن الموتى، ولكن يوجد من المهاجرين خاصة من قام ببناء دار له فيه، ــ حيث ذُكر أنَّ رسول الله (ص) قام بتقسيم الأرض من أجل بناء دور فيها للمهاجرين ــ ومن ثم أصبحت هذه الدار فيما بعد مقبرة العائلة، أو محل دفن أحد الشخصيات المهمة،[10] ومن أشهر تلك الدور الكبيرة التي في البقيع دار عقيل بن أبي طالب،[11] وكذلك توجد بعض الدور الصغيرة، وقد أصبحت فيما بعد محل دفن أصحابها، واختارت كل قبيلة ناحية من البقيع لدفن موتاهم، فعرفت كل قبيلة مقابرها.[12] ومن الأماكن المعروفة في البقيع بيت الحزن أو بيت الاحزان بناه أمير المؤمنينعليه السلام للسيدة الزهراءعليها السلام، فكانت تأوي إليه للبكاء بعد رحيل أبيها رسول الله (ص)،[13] وكذلك توجد مقبرة (الروحاء) التي تقع وسط البقيع.[14]

قيل إنَّ الإمام عليعليه السلام اختار دار بجوار دار عقيل في البقيع، فقيل له: مالك جاورت المقابر، فقال: وجدتهم جيران صدق.[15]

ويوجد مكان مخصص في البقيع توضع فيه الجنازة قبل الدفن يُطلق عليه «موضع الجنائز»،[16] ويحتمل أنَّ هذا الموضع كان مخصص لتجمع الناس أو لغسل الميت وتكفينه وأقامة الصلاة عليه.[17]

في زمن الأمويين

استقطبت أرض البقيع أهتمام الناس في زمن الأمويين، مع استمرار توسع المدينة المنورة، حيث قام بعض الأفراد ببناء دور لهم فيها، مع استمرار دفن الأموات، وقد قام محمد بن الحنفية ببناء دار له بالبقيع في زمن عبد الملك بن مروان،[18] وكذلك دفن في البقيع،[19] وكذلك يوجد دور أخرى قد بنيت في تلك الفترة، منها: دار ابن افلح،[20] ومحمد بن زيد، وسعيد بن عثمان، [21] وكذلك كانت في البقيع دار تُنسب للإمام زين العابدين (ع).[22]

وقد قام مروان بن الحكم والي المدينة، في زمن معاوية بتوسيع البقيع حيث قام بأدخال بستان (حش كوكب) الذي دفن فيه عثمان في البقيع،[23] ورفع حجر وضعه رسول الله (ص) على قبر عثمان بن مضعون حتى يعرف به، وجعل ذلك الحجر على قبر عثمان بن عفان.[24]

في زمن العباسيين

بسبب دفن العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله (ص) في دار عقيل،[25][ملاحظة 2] وكذلك دفن الإمام الحسن المجتبى (ع)،[26] والإمام السجاد (ع)، والإمام الباقر (ع)،[27] قام بني العباس بتوسيع وتعمير قبور أئمة البقيع (ع) وتحويل دار عقيل إلى حرم، وذلك لسياستهم المخالفة لبني أمية من جهة، وكسب ود العلويين وبالخصوص أولاد الحسن (ع) من جهة أخرى.[28] وكذلك قام هارون الرشيد الذي حكم في سنة 170 هـ إلى 193 هـ، بتعمير وتوسيع قبور أئمة البقيع (ع).[29]

وذكرت كذلك المصادر التاريخية إعادة بناء مقبرة أئمة البقيع (ع) في زمن السلاجقة، حيث أرسل مجد الملك البلاساني القمي (ت: 492 هـ)، وزير بركيارق السلجوقي (ت: 498 هـ) المعمار القمي من أجل عمارة قبة أئمة البقيع (ع)، ولكن حينما قُتل الوزير، قتل أمير المدينة المعمار بعد أن أعطاه الأمان.[30]

ذكر ابن جبير (ت: 614 هـ) في كتابه: أنَّ بقيع الغرقد يقع في الجهة الشرقية من المدينة، تخرج إليه من باب يعرف«بباب البقيع»، وأول ما تلقى عن يسارك عند خروجك من الباب المذكور مشهد صفية عمة النبي (ص)، ومن ثم يبدأ بذكر قبور البقيع فيذكر روضة العباس بن عبد المطلب والحسن بن علي (ع) وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن (ع) إلى رجلي العباس وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق مرصعة بصفائح الصفر ومكوكبة بمساميره على أبدع صفة وأجمل منظر، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي (ص)، ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول (ص) ويعرف ببيت الحزن.[31]

وذكر ابن النجار (ت: 643 هـ) وأنَّ في البقيع سادة من التابعين ومن بعدهم من الزهاد والعلماء والمشهورين إلا أن قبورهم لا تعرف في يومنا هذا، إلا تسعة قبور: قبر العباس بن عبد المطلب عمّ النبي (ص)، وقبور أئمة البقيع (ع) والقبران في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أول البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كل يوم للزيارة،[32] وكذلك قبة قبر فاطمة بنت أسد، وقبة قبر عثمان بن عفان.[33]

في زمن الإيلخانيين

بعد سقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية على يد المغول، وذهاب بني العباس إلى مصر، ليشكلوا فيها حكومة المماليك في القاهرة، ففي هذه الحقبة من الزمن سافر ابن بطوطة سنة 725 هـ إلى مكة والمدينة فذكر بقيع الغرقد، وأشار إلى وجود قبر صفية بنت عبد المطلب عمّة رسول الله (ص) وأم الزبير بن العوام، وأمامه قبر أبي عبد الله مالك بن أنس وعليه قبة صغيرة، وأمامه قبر إبراهيم بن رسول الله (ص) وعليه قبة بيضاء، وعن يمينها قبر عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب المعروف بأبي شحمة، وبإزائه قبر عقيل بن أبي طالب، وقبر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبإزائهم قبور أمهات المؤمنين، ويليها روضة فيها قبر العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله (ص)، وقبر الحسن بن علي (ع)، وهي قبة شامخة وقبرهما متسعان ومرصعان بصفائح الصفر، وفي آخر البقيع قبر عثمان بن عفان، وفاطمة بنت أسد، وكذلك في البقيع قبور المهاجرين والأنصار وسائر الصحابة، إلا أنه لا يُعرف أكثرهم.[34]

في زمن العثمانيين

في سنة 1220 هـ قام الوهابية بمحاصرة المدينة المنورة، وهدموا القباب التي في البقيع، ما عدا قبة رسول الله (ص)، بأمر سعود بن عبد العزيز،[35] فأرسل السلطان محمود الثاني العثماني جيش للمدينة لمحاربة الوهابية، وتمكن الجيش من أخراجهم في سنة 1227 هـ، وأُطلق على هذا الحدث التاريخي (بقطع دابر الخوارج).[36]

ذكر جون لويس بوركهارت في كتابه ترحال في الجزيرة العربية، رحلة التي حدثت في 3 صفر سنة 1230 إلى الحجاز ومكة والمدينة، وقدم وصفأً شاملاً للبقيع بعد التخريب الذي أحدثه الوهابية، وذكر أنَّ القبور جميعها قد دمرت، ولا يوجد أي نقوش وكتابات عليها، فلا يوجد إلا أكواماً من الطين، ولم يسلم من تخريب الوهابية إلا بقايا القباب والبنايات الصغيرة.[37]

قبور البقيع قبل الهدم

في الوقت الحالي

وسعت حكومة آل السعود البقيع، ومع تقدم السنين قامت بوضع سياج من الحديد حول المقبرة،

بناء القبور و القباب في البقيع

قضية دفن أموات المسلمين، والشخصيات الدينية في البقيع والعناية الفائقة للمسلمين وتأكيدهم على استحباب زيارة قبور الصالحين والمؤمنين أدى إلى بناء أضرحة وقبب ومباني على هذه القبور، فمن ذلك يمكن الإرشارة إلى قبر العباس بن عبد المطلب عم النبي (ص)، وأربعة من أئمة الشيعة فضلاً عن شخصيات أخرى من بني هاشم وأقرباء النبي صلی الله عليه وآله وسلم والصحابة والعلماء ووالنخب من المسلمين على مدى التاريخ، كما وقد بني على القبور قبب ووضعت لها أضرحة حيث زارها السياح ، ووردت أخبار موثقة في الكتب والمصادر، فيصف الرحالة ابن بطوطة في النصف الأول من القرن الثامن للهجرة البقيع:

يقع بقيع الغرقد شرقي المدينة المنورة...[وفيه] قبر مالك بن أنس وعليه قبة صغيرة مختصرة البناء وأمامه قبر السلالة الطاهرة المقدسة النبوية الكريمة إبراهيم بن رسول الله (ص)، وعليه قبة بيضاء ...وروضة فيها قبر العباس بن عبد المطلب عم رسول الله، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وهي قبة ذاهبة في الهواء بديعة الأحكام عن يمين الخارج من باب البقيع ورأس الحسن إلى رجلي العباس (ع) وقبراهما مرتفعان عن الأرض متسعان مغشيان بألواح بديعة الالتصاق مرصعة بصفائح الصفر. [38]

كما وتحدث الصفدي عن قباب لقبور أربع أئمة من الشيعة، والعباس عم النبي (ص).

أما بركهارت الذي قام برحلة إلى المدينة بعد أن وصلت الوهابية إلى سدة الحكم، لفت إلى أن البقيع باتت من أحقر مقابر الشرق آنذاك، وتعتبر مقبرة البقيع - كمقبرة حمزة في أحد أو مسجد قباء أول مسجد في الإسلام ـ من الأحياء التي تقع في ضاحية المدينة ومن الأماكن المقدسة، وقد يقصدونها الحجاج، ويعدون زيارتها في جملة الأعمال التعبدية.

فرهاد ميرزا أحد أمراء القاجارية سنة 1293 ش، ومحمد حسين خان فراهاني سنة 1303 ش هكذا يصفان البقيع: البقيع يشتمل على بقع متعددة منها بقعة لقبور أربعة من الأئمة (ع) والعباس عم الرسول، وقبر منسوب إلى السيدة الزهراء (ع) كما وعليه ستار مطراز أهدي من قبل السلطان أحمد العثماني سنة 1311 هـ، وبقعة لقبور بنات الرسول الأعظم (ص)، وبقعة لزوجاته (ص)، كما وهناك بقع أخرى.

هدم القبور

صورة قديمة للبقيع قبل الهدم الثاني

هدم قبور أئمة البقيع هي عملية قام بها الوهابيّون وحكّام آل سعود عندما سيطروا على المدينة المنورة، فاستباحوا مقدساتها، وعثوا في آثارها تخريباً وهدماً، وقد تكررت هذه العملية على مرتين، الأولى: سنة 1220 هـ والثانية: سنة 1344 هـ.

أثار هدم قبور البقيع مجموعة من الاجتجاجات في البلدان الإسلامية منها إيران حيث يعقدون الشيعة مجالس عزاء في هذه الذكرى ويلقون الخطابات ويذكرون الناس بهذا الحادث حتى سمي بيوم الهدم.

وقد ألف علماء المسلمين كتب في الردّ على مزاعم الوهابية حول هدم القبور، منها كتاب كشف الارتياب.

بعض المدفونين في البقيع

دفن في البقيع الغرقد عدد من كبار المسلمين وشخصياتهم التاريخية والدينية والسياسية وعلى رأسهم أربعة من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مضافاً إلى بعض أولاد النبي (ص) وزوجاته وخيرة