مقالة مقبولة
خلل في الوصلات
تصانيف ناقصة
عدم مراعاة طريقة كتابة المراجع
استنساخ من مصدر جيد
ذات مصادر ناقصة
بحاجة إلى تلخيص

لبنان

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

قالب:جغرافيا مدينة لبنان أو الجمهورية اللبنانية جمهوريّة ديمقراطيّة برلمانيّة، تقع في الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ضمن القسم الغربي من قارة آسيا.

بيروت هي عاصمة لبنان، والمدن الرئيسية الأخرى هي: طرابلس، وصيدا، وزحلة، وصور وبعلبك وبعبدا. وهو البلد الآسيوي الوحيد الذي لا توجد فيه صحراء.

استقرت في لبنان حضارات عديدة على طول التاريخ وبذلك كان لبنان محط تطلعات الامبراطوريات والممالك، فتكوّنت في لبنان مجتمعات متعدّدة ثقافياً ودينياً ومذهبياً. يُعتبر الفينيقيّون إحدى أولى الجماعات والشعوب التي سكنت لبنان، فَبَنَت مدنه الساحلية الأساسية أمثال: بيبلوس وبيروت وصيدون، وصور، وغيرها.

وبالرغم من أن تداول اسم لبنان حصل منذ 4000 سنة؛ إلا أنه بحدوده الحالية كان منقسماً إلى قسمين: الأول عبارة عن جزءٍ من ولاية عثمانية واحدة (أو أكثر)، والقسم الثاني هو متصرفيّة جبل لبنان ، ثم في أوائل فترة الاستعمار الفرنسي للبنان (سنة 1920م) أعلن الجنرال "هنري غورو" نشوء "دولة لبنان الكبير" بحدوده الحالية الشاملة للقسمين.

في لبنان أديان ومذاهب عدة، أهمهما الإسلام والمسيحية، وللتشيع مكانة جيدة في هذا البلد، حيث يحتل الشيعة مناصب حكومية ويشاركون في كثير من النشاطات الاجتماعية والسياسية؛ خصوصاً بعد الدور الذي قام به السيد موسى الصدر، والذي ادى الى اقتران سمة التشيّع مع سمة المقاومة.

وتقوم الحياة السياسية في لبنان على أساس طائفي، فتقسّم الرئاسات والوزارات وعضوية المجلس النيابي والتعينات على الطوائف اللبنانية مناصفة وفق الدستور اللبناني. من أهم مميزات لبنان في العصر الحاضر هو وقوع أوّل هزيمة للكيان الصهيوني في تاريخ الصراع ضد هذا الكيان وتحرير 148 قرية لبنانية من دون أي إتفاق أو شروط؛ من خلال جهد قسمٍ كبير من أبنائه، وذلك في سنة 2000م وبعد إثنين وخمسين سنة على احتلال فلسطين، وبعد عدّة هزائم أصابت الجيوش العربية في عدّة حروب.

محتويات

جغرافيا لبنان

يتميّز لبنان بموقعه الذي يشكّل أحد الصلات الأساسية بين قارتي آسيا وأوروبا من جهة، ونافذةً أساسية مطلة على جميع دول حوض البحر الأبيض المتوسط من جهة ثانياً، ومناخاً معتدلاً متوسطياً من جهةٍ ثالثةٍ. هذه المميزات وغيرها (كالثروة المائية والنباتيّة) شجعت العديد من المجموعات البشريّة لكي تستقر في لبنان على طول التاريخ.

الجغرافيا الطبيعية

يتوسط لبنان الساحلَ الشرقيَ للبحر المتوسط، وتحيط به الجمهورية العربية السورية من الشمال والشرق , وفلسطين المحتلة من الجنوب والبحر المتوسط من الغرب. يمتد لبنان شمالاً من مصب النهر الكبير على خط يرافق مجرى النهر إلى نقطة اجتماعه في وادي خالد الصاب فيه على علو جسر القمر. ويمتد شرقاً من خط القمة الفاصل بين وادي خالد ووادي نهر العاصي، مروراً بحدود قضاء بعلبك الشمالية من الجهة الشمالية الشرقية والجهة الجنوبية الشرقية وصولاً لحدود أقضية بعلبك والبقاع وحاصبيا وراشيا الشرقية. ويمتد جنوباً عند حدود قضائي صور ومرجعيون الجنوبية الحالية.. [1]

ويقع لبنان بين خطي الطول 35 ْ و 36 ْ شرق خط غرينتش، وخطي العرض 33 ْ و 34 ْ شمالاً، مما يجعله على مقربة من القارات الثلاث إفريقيا وآسيا وأوروبا، وفي موقع مركزي، يتوسط بين مراكز الإنتاج الصناعية الأوربية والأسواق الآسيوية والإفريقية، ولذلك عُدّ لبنان بوابة عبور إلى المشرق العربي، ونقطة التقاء لأنماط النقل المتعددة: البحرية والجوية والبرية، فازدهرت فيه تجارة المرور والوساطة المالية والتجارية وغيرها من الخدمات.[2]

تبلغ مساحة لبنان وفق المراجع الرسمية 10452كلم2.[3] لكن هناك من يؤكد أنّ هذه المساحة تستثني المناطق المحتلّة من قِبَل الكيان الصهيوني والتي فقدها لبنان حين ترسيم حدوده، ولذلك فإنّ مساحة لبنان الحقيقيّة تبلغ 12000 كلم2.[4]

ويتشكل لبنان من أربعة أقسام طولية بالتوازي مع البحر: السهل الساحلي، سلسلة جبال لبنان الغربية، السهول الداخلية وسلسلة جبال لبنان الشرقية.[5] وهو البلد الآسيوي الوحيد الذي لا توجد فيه صحراء[6].

المناخ اللبناني هو مناخ متوسّطي يتميّز بغزارة الأمطار والثلوج في فصل الشتاء (من كانون الثاني/يناير إلى نيسان/أبريل) وبفترة جفاف تمتد على الأشهر المتبقية من السنة. وبالرغم من تعدُّد مصادر المياه في لبنان، فإنّ الواقع العملي يظهر وجود عجز بالميزان المائي مردّه إلى هدر حوالى 1.2 مليار م3/سنة في البحر.[7]

الجغرافيا السكّانيّة

عدد السكان بحسب الإحصاءات غير الرسمية يبلغ 4198000 نسمة في عام 2005م، علماً أنه لم يجر فيها أي تعداد للسكان بشكل رسمي منذ عام 1932م. ويقسم لبنان إلى ست محافظات، وهي: محافظة بيروت، محافظة جبل لبنان، محافظة البقاع، محافظة الشمال، محافظة الجنوب، ومحافظة النبطية. ويبلغ متوسط كثافة السكان في لبنان نحو 404 نسمة/كم2، حسب تقديرات عام 2005. وتعدّ محافظة بيروت أشدها كثافة (22634 نسمة/كم2).[8]

وذكرت الموسوعة العربية العالمية المنشورة في الرياض أنّ: "معظم اللبنانيين مسلمون إذ بلغت نسبتهم 62% من السكان في تسعينيات القرن العشرين، وينقسمون إلى أتباع المذهب الشيعي، والسني، ثم طائفة الدروز. ويبلغ عدد المسلمين الشيعة في لبنان 1,192,000 نسمة يشكلون 54,5% من المسلمين، بينما يبلغ عدد المسلمين السُّنة نحو 746,800 نسمة يشكلون 34,1% من المسلمين، في حين يبلغ عدد الدروز 229,000 نسمة أو ما يعادل 11,4% من المسلمين.[9]

تاريخ لبنان

نبذة عن تاريخ لبنان قبل الفتوحات الإسلامية

مدينة "صور" التي بناها الفينيقيّون

سكن الكنعانيون لبنان منذ 5000 سنة أي سنة 3000 قبل الميلاد. وتداول اسم لبنان منذ 4000 سنة.[10]

وازدهرت مدن لبنان الساحلية أيام الفينيقيين فاشتهرت صيدا وصور وبيروت (بيريتوس) وجبيل (بيبلوس) بالتجارة وقد صُدِّرت الحروف الأبجدية المصريّة المعدّلة إلى مختلف بقاع العالم عن طريق مدينة جبيل التي صارت تدعى بمدينة الحرف.

وفينيقيا هو الاسم الذي أطلقه قدماء الإغريق على الإقليم الذي تحتله الآن المناطق الساحلية من سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، ويُمثّل النَّهر الكبير الحدود الشمالية له ,بينما يشكّل جبل الكرمل حدوده الجنوبية ,كذلك تحدّه جبال لبنان من الشرق والبحر المتوسط من الغرب.

اشتهر الفينيقيون بأنّهم كانوا بحّارةً مهرة وملاّحين وتجارًا، وقد سجّل لهم التاريخ إنجازين:

  1. كانوا من أوائل من أرسلوا مكتشفين وأقاموا مستعمرات على امتداد منطقة البحر الأبيض المتوسط وماوراء مضيق جبل طارق.
  2. ابتكروا الأبجديّة الفينيقيّة، ثم طوّر الإغريق أبجديتهم من خلال الأبجدية الفينيقية، وبعد ذلك تطورت الأبجدية الرومانية وكل الأبجديات الغربية عن الإغريقية.[11]
الأبجدية الفينيقية

قضى الآشوريون على الازدهار الفينيقي ما بين سنة 875 وسنة 608 ق.م واستولوا على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط رغم مقاومة سكان صور وصيدا وبيبلوس لهم.

في نهاية القرن الثامن قبل الميلاد استولى البابليون على المدن اللبنانية وقاومتهم صور لمدة 13 عاماً لغاية فتحها من قِبَل نبوخذ نصّر الذي قام بأسر أهلها.

وقضى الملك الفارسي قوروش على حكم البابليين واحتل البلاد، وسانده الفينيقيون بحروبه ضد الاغريق الذين انتصروا على الفرس بقيادة الاسكندر المقدوني عام 333 ق.م فرحّب الفينيقيون به للخلاص من الجزية المفروضة عليهم، غير أنّ مدينة صور رفضت تقديم الذبائح لمعبد ملكارت مما دفع الاسكندر الى تدميرها بعد 8 أشهر من الحصار. وكان للاغريق آثاراً ثقافية بالغة على الفينيقيين وبعد الاسكندر تبع الفينيقيون الدولة السلوقية.

معبد باخوس الروماني في بعلبك

وفي سنة 64 ق.م استولى الرومان على المدن الفينيقية التي نعمت بالازدهار الاقتصادي والفكري والثقافي. ومنح الرومان أهل مدن صيدا وصور وبيبلوس المواطنية الرومانية وبنوا معبد بعلبك وهياكلها، والحمامات العامة ودار الحقوق في بيروت وهياكل صور، وازدهرت التجارة حيث صدّر الفينيقيين خشب الأرز والعطور والمجوهرات والنبيذ وعبّدوا الطرقات.

في عام 395 ق.م تبع لبنان الدولة البيزنطية فتابع ازدهاره حوالي قرن كامل من الزمن إلى أن ضرب البلاد زلزال دمّر العديد من معالمه كهيكل بعلبك ومدرسة الحقوق في بيروت وقتل 30.000 شخص.

في العهد البيزنطي أيضاً دَبَّ الصراع بين المسيحيين فبرز القدّيس "مار مارون" فحصلت مجازر راح ضحيتها أكثر من 3300 راهب ماروني في دير القديس مارون و"أفاميا" مما دفع الموارنة الى الهروب من سوريا الى مرتفعات جبل لبنان التي أمّنت لهم الحماية الطبيعية، فاستوطنوا فيها وبنوا الاديرة في الجبال.[12]

تاريخ لبنان بعد الفتوحات الإسلامية

ارتبط فتح لبنان إبان الفتوحات الإسلامية بفتح سوريا الطبيعية، أو ما يعرف ببلاد الشام، كونه جزءاً لا يتجزأ منها. فبعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استجاب أبو بكر لرغبة عمر السابقة في عزل أسامة بن زيد عن الإمارة التي منحه إيّاها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعيّن مكانه يزيد بن معاوية، يقول الواقدي: «دعاه أبو بكر و عقد له راية». [13] و يتحدّث البلاذري عن دفع أبي بكر اللواء إلى يزيد، الذي سار باللواء ومعاوية أخوه يحمله بين يديه.[14]

وقُسّمت بلاد الشام إلى أربع مناطق عسكرية تسمّى بالأجناد، و هذه الأجناد الأربعة هي: دمشق وحمص و الأردن وفلسطين. فعيّن أبو بكر أمراء على كور الشام، ليزيد بن أبي سفيان دمشق، و لشرحبيل بن حسنة الأردن، و لعمرو بن العاص و لعلقمة بن مجر فلسطين، ثم طلب من الجميع إطاعة أمر يزيد بن أبي سفيان. [15]

ومن أشهر المعارك التي وقعت خلال فتح بلاد الشام ضد الروم والتي مكّنت المسلمين من السيطرة على لبنان:

  1. وقعة اليرموك (13 ه‍/634 م) التي انهزم فيها الروم شرّ هزيمة، والتي شهدها كبار الصحابة من أهل بدر، و من المتشيعين لعلي بن أبي طالب عليه السّلام، منهم: أبو ذرّ الغفاري، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبو أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد اللّه الأنصاري، وحذيفة بن اليمان.[16]
  2. فتح الساحل اللبناني (من صيدا إلى عرقة في الشمال اللبناني) (13 ه‍/634 م): فُتحت مدينة صيدا في الوقت نفسه الذي حدثت به واقعة فحل، أي في سنة 13 ه‍، فقد سار يزيد بن أبي سفيان بعد فتح دمشق إلى مدن صيدا وعرقة وجبيل وبيروت، وهي سواحل دمشق، وقد تمكن من فتحها بشكل سهل.[17]
  3. فتح مدينة صور (13 ه‍/634 م):كانت صور عند بداية حركة الفتوحات الإسلامية تعتبر داخلة في قطاع جند الأردن ولذلك كان المكلف بفتحها الصحابي "شرحبيل بن حسنة" الذي أنيطت إليه مهمة فتح هذا القطاع، وتمكّن من فتحها في أواخر سنة 13هـ / 633 م.

ويبدو أنّ الهجوم على صور كان من محورين: من الجنوب بقيادة يزيد بن أبي سفيان، على رأس جيش عمرو بن العاص، و من الشرق بقيادة شرحبيل بن حسنة بحيث توجّه إليها بعد فتح القدس.[18] وذكر "البلاذري" أن معاوية نقل مجموعات فارسية من بعلبك وحمص وأنطاكية إلى سواحل الأردن وصور وعكا وغيرها سنة 42 هـ. وروى "هشام بن الليث الصوري "عن أشياخه قالوا: نزلنا صور والسواحل وبها جند من العرب وخلق من الروم، وكذلك جميع سواحل الشام. ولذلك قال اليعقوبي عن صور: "وكان أهلها أخلاطاً من الناس".[19]

تاريخ شيعة لبنان

اشتهر لبنان بأنّه أحد مراكز التشيّع طوال التاريخ الإسلاميّ، وقد ازدهر التشيّع في لبنان في نفس الفترة التي شهدت ازدهاره في الشام، بفارق أنّ التشيّع في لبنان بلغ انتشاره ذروةً صار معها القسم الأعظم من سكّان لبنان ـ وإلى يومنا هذا ـ يدينون بالتشيّع.

في عصر صدر الإسلام وأيام الحكم الأموي

تتحدث النصوص التاريخية عمّا أوجده أبو ذر من تغيير وزرع للمبادىء في ذهنية المجتمع الشامي، وصرفه الناس إليه، وأخذهم الفتيا منه واجتماعهم حوله. فبعد تولي معاوية على بلاد الشام سنة 18ه، كان قسمٌ كبيرٌ من الجيش الإسلامي في الشام مطيعاً لأبي ذر ومحبّاً له، وكان لقبيلة عاملة تواجد لا يستهان به في هذا الجيش آنذاك، وهو ما أقلق معاوية. يقول ابن بطال كما في عمدة القارى‏ء للعيني: إنما كتب معاوية يشكو أبا ذر لأنّه كان كثير الاعتراض عليه، و المنازعة له، و كان في جيشه ميل إلى أبي ذر[20].

وذُكر في كتاب "الأعلام من الصحابة والتابعين: "أنه مما لا شك فيه إنّ أساس التشيع في " جبل عامل " يعود لجهاد وجهود الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري على رغم ضغوط السلطات الحاكمة على مر الزمان مما توارثه أهل هذا الجبل عن الآباء والأجداد، والثابت أنّ تشيّعهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) كان على يده وبفضله، عندما كان مقيماً بينهم".

وقال السيد الأمين في أعيان الشيعة. ومن المشهور أنّ تشيع جبل عامل كان على يد أبي ذر, وأنّه لمّا نفي إلى الشام, وكان يقول في دمشق ما يقول, أخرجه معاوية إلى قرى الشام, فجعل ينشر فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام) فتشيع أهل تلك الجبال على يده, فلما علم معاوية, أعاده إلى دمشق, ثم نفي إلى المدينة ". وقد أشار السيد محسن الأمين إلى هذه الرابطة الوثيقة لجبل عامل مع الصحابي أبي ذر الغفاري، الذي نفاه معاوية إلى هناك ولا يزال هناك مسجدان يعرفان باسمه، الأوّل في ميس الجبل، والثاني في بلدة الصرفند.

وقد عاش أبو ذرّ في الشام مدّة طويلة، ربّما نافت على العشر أو الأربع عشرة سنة، استطاع خلالها نشر مذهب التشيّع لـلإمام علي عليه السلام في جبل عامل. وقد كانت إقامته الطويلة في بلاد الشام، سبباً في ا ستقطاب الأكثرية من الناس في أماكن تواجده، ليعظهم‏ و يرشدهم ويذّكرهم بمقام أهل البيت عليهم السّلام، ما أدى إلى تشيع أهالي تلك البلاد لا سيما جبل عاملة.

يقول الحر العاملي عن تشيع العامليين: "إنّ تشيعهم أقدم من تشيّع غيرهم، فقد روي أنه لما مات رسول اللّه لم يكن من شيعة علي عليه السّلام إلا أربعة مخلصون: سلمان، و أبو ذر، و المقداد، و عمار. ثم يتبعهم جماعة قليلون إثنا عشر، و كانوا يزيدون و يكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفا و أكثر، ثم في زمن عثمان، لما أخرج أبا ذر إلى الشام، بقي أياما، فتشيع جماعة كثيرة، ثم أخرجه معاوية إلى القرى، فوقع في جبل عامل، فتشيعوا من ذلك اليوم".[21]

إلا أن وجود أبي ذر في هذه البلاد لم يكن بعد خلافة عثمان و إنما منذ الأيام الأولى للفتح الإسلامي؛ يقول ابن عبد البر: "خرج بعد وفاة أبي بكر إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولّي عثمان، واستقدمه عثمان لشكوى معاوية به و أسكنه الربذة فمات بها"[22]، وما يدل على سكنه في هذه البلاد مشاركته في غزوة قبرص.[23]

والشيعة في لبنان من أهل البلاد الأصليين الذين أسلموا على مذهب أهل البيت (ع) أما بقية الطوائف فمعظمهم هربوا الى لبنان من التنكيل الطائفي الذي كان يلحق بهم؛ أو استُقدموا الى المدن الاساسية على الساحل ليردّوا هجوم المشركين كما هو الحال مع أهل السنّة. أمّا المسيحيّون وخاصة الموارنة فأصولهم من شمال سوريا.[24]

لكن هناك رأي آخر يرى أن دخول الشيعة إلى لبنان تحقق من خلال هجرة قسم من قبيلة همدان اليمنية الشيعية إلى بعض مناطق سوريا ولبنان، إثر سيطرة الأمويين على الحكم الإسلامي بعد مقتل الإمام علي بن أبي طالب.[25]

في أيام الحكم العباسي

بعد ان استقر الوضع لصالح العباسيين وتأسيسهم لدولتهم، لفتت أنظارهم نقطة الضعف في دولتهم المتمثلة بالجماعات المقيمة في الجرود اللبنانية، لهذا السبب عمد الخليفة العباسي أبو جعفر الدوانيقي ـ الملّقب بالمنصور بعد انتصاره على العلويين ـ الى تشجيع القبائل العربية على الاستيطان في تلك الجبال. فشهدت تلك الفترة هجرة القبائل التنوخية الى لبنان، في سنة 763م = 145هـ، وهجرة ثانية في سنة 820م = 204هـ، وبذلك أصبحت القبائل التنوخية مسيطرة على الساحل والجبل الأوسط والداخل.

تفجّرت في لبنان عدّة ثورات ضد العباسيين شارك فيها اللبنانيون الشيعـة، أبرزها :

  1. ثورة أبي العميطر : في سنة 811م = 195هـ، قاد ثورة ساندته فيها القبائل اليمنية وسانده أيضاً سكان المقاطعات في جبل عامل وصيدا والبقاع. وكان سكان جبل عامل ووادي التيم على مذهب الشيعـة ولهذا مشوا معه في ثورته لأنّ له انتساباً بالإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام).
  2. ثورة المبرقع : في سنة 840م = 225هـ، وقد ساندت المبرقع قبيلة عاملة في جنوب لبنان، وكان اعتماده في ثورته على الفلاحين الذين كانت ترهقهم ضرائب العباسيين.

وفي أواخر القرن الـخامس الهجري (الـحادي عشر الميلادي)، وقبل بدء الحملات الصليبية على المشرق الإسلامي كان التوزيع الطائفي في المقاطعات اللبنانية كما يلي : الشيعـة في الجنوب وبعض البقاع وطرابلس والشمال ومنطقة جبيل وأقليات منهم في بقية المناطق، وكان السنّة في بيروت وبعلبك وصيدا، وكان المسيحيون في جبال طرابلس وفي بعض الاقسام الجبلية الشمالية.[26]

شيعـة لبنـان والزنكيون (548 ـ 569)هـ

بعد قيام الدولة الزنكية على أنقاض دولة الاتابكة في النصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي، حاول نور الدين زنكي ـ وهو سنيّ مؤيِّد للدولة العباسية ـ أن يوحّد البلاد سياسياً ويفرض مذهب السنة بالقوة، فلجأ الى اضطهاد الشيعة في بلاد الشام وتقتيلهم وتشريدهم في حلب ودمشق وبقية المناطق السورية، وكذلك الشيعـة في جبل لبنـان.[27]

الشيعة في أيام حكم الفاطميّين

شهدت طرابلس فـي عصر الدولة الفاطمية عهدًا من أزهر عصورها التاريخية، وكتب عنها في ذلك العصر العديـد من الرحالة والمؤرخين العرب أمثال "الاصطخري" و "المقدسي".

ويصف الرحالة الفارسـي "ناصر خسرو" المدينة وشوارعها سنة 430ه فيذكر أنّ مساحتها ألـف ذراع مربـع وأنّ دُورها كانت تصل أحيانًا الى خمس طبقات وست طبقات. ثـم يـصف شـوارعها فيقـول: "شوارعها وأسواقها جميلة نظيفة حتى لتظن أن كل سوق قصر مزين، وقد رأيت بطرابلس ما رأيت في بلاد العجم من الأطعمة والفواكه بل أحسن منه مئة مرة."[28]

وقد ظلّت طرابلس تحت السيادة الفاطمية الى أن استقل بها قاضيها "أبو طالب بن عمـار". وفي عصر "بني عمار" بلغت ذروة عظمتها وتألّقت كحاضرة كبرى من الشام. واشتهرت فيهـا آنذاك "دار العلم" وهي شبيهة بدار الحكمة التي أسسها الفاطميون في القاهرة، وتقدمت فيها الصناعات، وأصبحت طرابلس أحـد أهمّ مراكز صناعة الورق والذي فاق في جودته ورق "سمرقند" الشهير.[29]

أما المدن والقرى العاملية فقد خضعت للحكم الفاطمي في سنة 363 ه‍ إلاّ أنّ هفتكين الشرابي التركي حاكم دمشق حاول إعادتها وغيرها من بلاد الشام لسلطته، و كانت صيدا وصور و منطقتهما ولايتين مستقلّتين عن جندي الأردن ودمشق. وكان والي صيدا يومذاك أبو الفتح عبيد اللّه بن الشيخ، و يبدو أنّ أبا الفتح قدّم ولاءه للدولة الفاطمية مبكراً، فأقرّه الخليفة المعزّ في ولايته وأصبح يعرف بأنّه صاحب صيدا.[30]

في عهد الفاطميين قامت ثورة في صور، أعلنها أحد بحّارتها، ويدعى " علاّقة "، مطالباً بالاستقلال، وذلك سنة 387 هـ( 997 م)، وقد دعمه البيزنطيون، لكن الفاطميين قضوا على هذه الثورة، وذلك في نهاية القرن الخامس الهجري. ثم غاب النفوذ الفاطمي الإسلامي لفترة، حيث أنّه منذ سنة 464 هـ، كانت البلاد العاملية قد سقطت في قبضة السلاجقة الأتراك، وكانت السمة الأساسية لحكمهم التعصب ضد المذهب الشيعي.

واستمر حكم هؤلاء السلاجقة حتّى سنة 482 هـ، حيث عاد جبل عامل مجدداً للسيطرة الفاطمية، وبقوا فيه حوالي عشر سنوات. ثم بدأت السيطرة الصليبية على جبل عامل منذ سنة 493 هـ، سنة 1099 م، ومرّ الصليبيون في 11 ربيع الأول سنة 493 هـ في البرّ الموجّه لمدينة صور، وكان هدفهم القدس. وبعد احتلالهم لهذه المدينة، توجهوا نحو مدينة طبريّة ( عاصمة التشيع وقتذاك )، وقد فرّ أهالي طبرية إلى جبل عامل إثر الدخول الصليبي إليها.[31]

دولة بني عمار في طرابلس

تكونت في طرابلس سُلطة سياسيّة مُستقلّة عن القُوى السياسيّة الكُبرى المُسيطرة في المنطقة (أي السّلاجقة الذي بسطوا سلطانهم على "العراق" و "الشاموالفاطميّين حُكّامُ "مصر" وبعض الأحيان "الشام" ) إذا لم يكن من المُتوقّع إطلاقاً أن تحظى المدينةُ بأيّ فرصةٍ للنهوض المعنوي والمادّيّ.

واستقلالَ "طرابلس" يرتبطُ بأُسرة بني عمّار الطّائيّة. التي حكمت المدينةَ زُهاءَ نصف قرن، ولم تسقط من التاريخ إلا بسبب الاحتلال الصليبي للمدينة، بعد أن دافعوا عن المدينة. ولكنهم أثناء فترة حكمهم لها، على قصَرها، قاموا بأعمال مهمة على مستوى العدل والنهضة العلمية والتنمويّة. والمؤرّخون يؤكدون على اشتهار أُمرائها بعدلهم وسَدادهم وسياستهم وعفّتهم عن الدّماء والأموال وبُعد نظرهم وجهادهم.

وأسس الدولة القاضي «أبو طالب الحسن بن عمار» الملقب بأمين الدولة، في سنة ٤٥٧ هـ، ١٠٦٥ م، فعندما دخل طرابلس «الأمير حصن الدولة حيدرة بن منذر بن النعمان» ساعده أبو طالب في الاستيلاء عليها وانتزاعها من بني أبي الفتح. واستمر أمين الدولة ابن عمّار على ولائه للدولة الفاطمية من سنة ٤٥٧ حتى سنة ٤٦٢ هـ ـ ١٠٧٠ م. حيث أعلن استقلال طرابلس عن الفاطميين. [32]

وبقيـت الدولة بأيدي بني عمار نحو ٨٠ سـنة من أواسـط القـرن الخامس الهجـري إلى سـنة ٥٠٢هــ، حـيث أخذهـا منهـم الفرنـج في الحـروب الصليبية.[33] وقد نمت أمارتهم نمواً عظيماً حـتى أصبحت طرابلس في القرن السادس الهجـري/ الحادي عــشر الميلادي تنافس بغـداد والقاهرة ومن أعظم أمارات حوض البحر المتوسط حيث كانت أساطيلها تنتقل في أنحاء هذه المنطقة، فهي المنفذ البحري الرئيسي لبلاد الشام وعن طريقه يتم التصدير والاستيراد، وتنقل مـنتجات الـشام والمـشرق الى أوروبا. وكان من نتيجة ذلك ازدهار المدينة حتى خـلال الحصار الصلـيبي لها براً وبحراً إذ ظلّت صامدة تقاتلهم عشر سنين مستعينة بثروتها وحسن إدارة إقتصادها.

فقد ذكرت المصادر التاريخية أنّ القائد الصليبي ريموند الصنجيلي وفي مدّة حصاره لطرابلس أرسل وفداً لمفاوضة فخر الملك في طرابلس، ومرّ هذا الوفد بأسواق طرابلس فدُهش بما رآه من تنوع البضائع ورواج التجارة وسعة الثروة والرخاء الذي تنعم به المدينة. ومما يؤكد هذا الرخاء الاقتصادي أن دفعَ| فخر الملك ابن عمار في أثناء الحصار الصليبي الى جميع المدافعين عن المدينة من الاجناد براً و بحراً رواتب ستة أشهر مقدماً. فضلاً عن مساهمات أثـرياء المـدينة بـأموالهم في مقاومة الحصار الاقـتصادي الذي فـرضه الصليبيون على المدينة.

أما في الجانب الثقافي فكانت له رعاية خاصة تمثلت باهـتمام خاص من قبل أسرة بنو عمار. فقد عني جلال الدولة بدار العلم عناية فائقة وجعل لطلاب العلم رواتب، وكثرت حلقات التدريس وازدحمت المدينة بأشهر الأعلام من أدباء وفقهاء وشعراء، ولغويين، وقصدها الناس على اختلاف أجناسهم وأديانهم، ومذاهبهم من كل البلاد. فضلاً عـن ازدهارها في ترجمة العلوم والآداب عن اللاتينية، والفارسية وغيرها من اللغات الى العربية.

يقول المستشرق ( دي لاس اوليري)في كتابة (عـلوم اليونان وسبل انتقـالها الى العرب) وسـادت في ذلك كـبريات الحواضر، فـكثر فـيها المـترجمون، والكٌتاب، والخطاطون. ويقــول ستيفن رنــسمان عن المكتبة هناك: (أنّها أصبحت أروع مكتبة في العالم ). ويبدو أنّ المكتبة بدأت في عهدها الأول بمئة ألف كتاب، وأنّ هذا العدد ارتفع في عهد جلال الملك الى المليون، ثم ارتفع في عهد فخر الملك الى ثلاثة ملايين مجلد.

ومن أبرز عوامل نقل كتب الحضارة الى أوروبا الاتصالات التجارية التي كانت تجوب قوافلها بين الشرق والغرب وقد كان لطرابلس بني عمار أثر مهم فيها؛ قال ناصر خسرو عن طرابلس : "... وللسلطان بها سفن تسافر إلى بلاد الروم، وصقلية، والمغرب للتجارة ".[34]

وكان الطرابلسيون إذا استشكل عليهم أمر فقهي يكتبون إلى أشهر العلماء والفقهاء في البلاد يسألونهم ويستفتونهم، والمسائل الطرابلسية التي أجاب عنها السيد المرتضى تدل على ذلك. ومن بين المسائل التي أجاب عنها، مسائل تعرف بالمسائل (التبانية) نسبة إلى التبانة وهي حي من أحياء طرابلس. والحقيقة أنّ ستاراً مُحكماً من الغموضَ يُحيطُ بأصل أسرة بني عمار. وهناك خطأ شائع عند مختلف المؤرخين من الطوائف الإسلامية، إذ ينسبون هذه الأسرة إلى جماعة بربرية في شمال أفريقيا. وقد تفطن لهذا الخطأ التاريخي الشيخ محمد جعفر المهاجر العاملي إذ يقول: أنّ ما تذهبُ إليه عامّةُ المصادر التي عنيتْ بتاريخ المدينة، أنّ أُمراءها كانوا من المغاربة الذين قدموا "مصر" مع الخليفة الفاطميّ "المُعزّ لدين الله" وبالتحديد من بني كتامة البربر.

القبيلة التي كوّنتْ نمطاً من الارستقراطيّة العسكريّة السياسيّة في الدولة الفاطميّة بالمشرق..... فلما رأى أحدُ المؤرّخين الاسمَ نفسَه في الأُسرة التي حكمت "طرابلس" على عهد الفاطميين، قال دون تمحيص أنّ هذه من تلك. وتناقلَ أشباهُ المؤرّخين من بعدهم وحتى زماننا هذه الكلام دون تدقيقٍ أو توثيق. وهذا يتنافى مع كلّ ما نعرفه عن بني عمّار الطرابلسيين وسيرتهم وأعمالهم. بدليل:

  1. أنّ بني عمّار الطرابلسيين كانوا بالتأكيد شيعةً إماميين. بل إنّ أوائلهم على الأقلّ كانوا علماء فقهاء. أمّا بنو عمّار الكُتاميّون، فقد كانوا قادةً قبليين من رجال السيف. لم يُعرَف عنهم أدنى عناية بالعلم وأهله. وذلك أمر طبيعيٌّ جدّاً بالنظر إلى غُربتهم وأُصولهم ولغتهم البربريّة. كما كانوا من أتباع المذهب الرّسمي للدولة الفاطميّة. أي شيعةً إسماعيليين بالتّحديد.
  2. أن الكتاميين، كما هو معروف، قو م من البربر. قدموا مع الفاطميين من المغرب واستقرّوا في "مصر" في خدمتهم. ومن هنا فقد ربطوا مصيرهم بمصير هذه الدولة. لأنّهم، بسبب غُربتهم في منطقةٍ شاسعةٍ ذات تشكيلات سُكّانيّة قبَليّة راسخة قويّة، لا سبيل إلى بقائهم أعزّاءَ الجانب إلا بالاستناد إلى مُستنَدٍ سياسيّ قاهر. ولذلك فإنّهم لم يخرجوا على الدولة الفاطميّة لا سياسياً ولا حتى جغرافيّاً. وبقوا على ذلك إلى أن انحلّتْ عُرى الرابطة القبَليّة التي جمعتهم، بتأثير المُناخ المديني في وطنهم الجديد "مصر"، وذابوا فيه. ومن هنا فليس من المُتصوَّر، ولم يحدُث إطلاقاً، أن أقدمَ أمير منهم على فعل مثل ما فعله أبو طالب عبد الله، فيُعلن انفصاله عن الدولة الأُمّ، واستقلاله بمنطقة ولايته.
  3. أن بني عمّار الطرابلسيين اكتسبوا اسمهم من اسم جدّ أول أُمرائها عبد الله بن محمد بن عمّار، كما عرفنا. أمّا بني عمّار الكتاميين، فيدلّ عديدهم الوافر في "مصر" على أنّهم ينتسبون إلى عمّار آخَر هو أعرقُ بكثير من سميّه جدُّ الطرابلسيين.

ومن هنا نجد أنّ بني عمّار ينتسبون إلى بني طيّ، فالمؤرّخ المقريز[35]، ساق نسبَ كبير الأُسرة ومؤسّس سُلطانها أمين الدولة أبي طالب هكذا: عبد الله بن محمد بن عمّار بن الحسين بن قندس بن عبد الله بن إدريس بن ابي يوسف الطائي .

الشيعة ومواجهة الغزو الصليبي

كان لشيعة لبنان دورهم المميز في مقاومة الغزو الصليبي أيام الحكم الصليبي. وكان أهل صيدا والقرى المجاورة لها أوّل من واجه الحملة الصليبية في لبنان أيام الدولة الفاطمية، فقد تعرّضوا للصليبين أثناء زحفهم نحو بيت المقدس. وصمدت مدينة صيدا، وظلّت تنعم بالهدوء والاستقرار بحماية الأسطول الفاطميّ من البحر، وقوّات طغتكين أتابك السلجوقيّ. لكنّ طرابلس، التي استبسلت بالدفاع عن نفسها زمن حكم "بني عمار" لها، جعل الصليبيون يضيّقون الخناق والحصار براً وبحراً عليها, فسقطت عام 1109م بعد انقطاع الإمدادات عنها. وكان لسقوط طرابلس وقع كبير على بقيّة المدن اللبنانية الساحلية, فسقطت بيروت عام 1110م، ثمّ صيدا في آخر العام نفسه. وبسقوطها كانت المنطقة الجنوبية من لبنان الحاليّ قد أصبحت، بأيدي الصليبيين، ما خلا مدينة صور.

وكان الصليبيون قد بنوا قلعةً كبيرةً في بلدة "تبنين" لمراقبة حصار صور. وبقيت منطقة جبل عامل بعد سنة 1110م المنطقة الوحيدة التي تربط دمشق بميناء بحريّ هو صور, فأصبحت دمشق بعد سقوط صيدا مرتبطة بمعركة مدينة صور. ولم يكن في وسع أبناء جبل عامل أن يُنظِّموا طاقاتهم الضئيلة، بالقياس إلى قوّة الأعداء، في سبيل الدفاع عن حاضرتهم (صور) دون سند خارجيّ. والحقّ أنّ الفضل في صمود المدينة زهاء ربع القرن يرجع:

  1. أولاً: إلى استماتة أهلها في الدفاع عنها بكلّ ما وصلت إليه أيديهم من أدوات سياسية وعسكرية.
  2. ثانياً: ما تلقّوه من عون مباشر من إخوانهم أبناء جبل عامل في الملمَّات.
  3. وثالثاً: الدعم الذي تولّاه في تلك الأيام العصيبة الأفضل بن أمير الجيوش وزير الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله، وظهير الدين طغتكين أمير دمشق. والحقّ أنّ صور لم تسقط أخيراً بعد ذلك الصمود الطويل، إلّا بعد مقتل الوزير الأفضل، وعجز طغتكين وحده عن حمايتها في وجه تحالف كافّة القوى الصليبية، من محلية متعاونة وغازية، تحالفاً يهدف إلى إخضاع واحتلال المدينة بالذات.

فلقد كان لصمود صور ربع قرن من الزمن أثر كبير في نفوس المسلمين، لكنّ سقوطها بعد هذا الصمود المجيد ترك وهناً عظيماً فيهم، وبسقوطها غدا "جبل عامل" كلّه تحت الاحتلال الصليبيّ. وبعد خمس وستّين سنة من الاحتلال الصليبيّ التامّ لجبل عامل، بدأ مجرى الأحداث، شيئاً فشيئاً ينعكس سوءاً على المحتلّين. والحقيقة أنّ هذا الانعكاس أخذ يتعاظم كلّما تقدّمت الأيام ليشكّل هجوماً مضادّاً على الاحتلال الصليبيّ، لكنّ هذا لم يحقِّق اتّصالاً بالأرض العاملية إلّا على يد خليفة نور الدين زنكي ووارث سلطانه صلاح الدين الأيوبي، حيث شهد سهل مرجعيون أوّل صدام كبير بين عسكر صلاح الدين والصليبيين، فتحقّق أوّل نصر كبير على القوات الصليبية المنظّمة والمتأهّبة، لكنّ الانعطاف الأكبر في تاريخ جبل عامل باتّجاه التحرير هو ما نشأ عن معركة حطّين4 في تموز 1187م.

قلعة الشقيف التي اتخذها الصليبيون حصنا لهم قبل انهزامهم منها
وما حدث كان أكبر بكثير من نصر عسكريّ، فهذه المعركة لم تتمخّض عن قتل قادة وأسر آخرين فقط، بل أنهت مملكة القدس التي استمرّت أربعاً وثمانين عاماً، كما تركت إمارات ومعاقل الصليبين في جنوبي الشام، ومنه جبل عامل، جسماً مشلولاً عاجزاً عن الدفاع عن نفسه، فتهاوت قلاعه الواحدة تلو الأخرى، وهكذا تحرّرت قلاع "الشقيف"

و"تبنين" و"هونين" ومدينتا صيدا والصرفند. ومع هذا يرى المؤرِّخ السيد حسن الأمين أنّ صلاح الدين لم يستغلّ هذا النصر بالشكل المناسب، بل أضاع نتائجه، ويعود ذلك لعدّة أسباب، منها:

  1. عدم مواصلة الكفاح بعد تحرير القدس، لتحرير باقي أرجاء الوطن.
  2. وأنّ صلاح الدين، كما يذكر المؤرِّخون، آثر الراحة بعد العناء، والتسليم بعد التمرّد، ولهذا أنهى حالة الحرب مع الإفرنج، واعترف بوجودهم، وسمّى ذلك هدنة. وأعاد إليهم بموجبها عدّة مدن مثل حيفا ويافا، وغيرهما[36].

الشيعة في أيام دولة المماليك

بعد سقوط المدن اللبنانية الساحلية بأيدي الصليبيين، انتقل الوجود الإسلاميّ الشيعي إلى الجبال المجاورة (كسروان)، علماً أنّ هذه المناطق كانت إسلامية قبل ذلك.

وقد استمرّ هذا الوجود كقلعة حصينة للمسلمين الشيعة إلى عام 1305م، حيث انتكس هذا الوجود انتكاسة خطيرة ومؤسفة على أيدي المماليك، نتيجة للتعصّب المذهبيّ. وقد اعتمد المماليك سنّة دينية متعصّبة, ومن أجل هذا الهدف عمدوا إلى الضغط والإرهاب والتنكيل بأتباع المذاهب الإسلامية الأخرى. وكان الناس إذا أرادوا أن يكيدوا لشخص دسّوا عليه من رماه بالتشيّع, فتصادر أملاكه وتنهال عليه العقوبات والإهانات حتى يُظهر التوبة عن التشيع. وعندما تكون القضيّة كبيرة، وتشمل منطقة بأكملها، كانت دولة المماليك تتستّر، وتختلق حججاً مختلفة، كالاتّصال بالصليبيين أو المغول أو الأيوبيين لإسقاط حكم المماليك.

ومن الأمثلة البارزة على ذلك ما حدث في كسروان من معارك رافقها العنف والتدمير، بالإضافة إلى فتاوى ابن تيمية في هدر دماء الكسروانيين؛ إذ شنّ المماليك وقتها ثلاث حملات على بلاد كسروان لإخضاعها، وهي:

  • الحملة الأولى:

استفاد الشيعة من مناعة مناطقهم الجبلية في كسروان، وتمتّعوا باستقلال تامّ عمّن يجاورهم من الصليبين في المدن الساحلية، وعمّن يجاورهم جنوباً وشرقاً من مذاهب أخرى. وبعد استرجاع المدن الساحلية من أيدي الصليبيين تردّد الشيعة الكسروانيون بشأن الخضوع الكامل للسلطة الجديدة, ما دفع المماليك لاتّخاذ قرارٍ بتصفية الشيعة في كسروان، حيث يبدو واضحاً من خلال العديد من النصوص التاريخية أنّ ملك الأمراء لاجين المملوكي نائب دمشق أخبر عساكره وأتباعهم أنّه من نهب امرأة منهم كانت له جارية أو صبياً كان له مملوكاً، ومن أحضر منهم رأساً فله دينار. وقد وجّه قائده سنقر لاستئصال شأفتهم ونهب أموالهم وسبيهم مع ذراريهم، وكان ذلك عام 1285م. لكنّ الشيعة في كسروان تصدّوا باستماتة لهذه الحملات المتتالية.

  • الحملة الثانية:

أراد الكسروانيون الشيعة أن يثأروا , فتجدّد القتال سنة 1203م، فسارع المماليك إلى إرسال قوّة كبيرة إلى كسروان والجُبيليين، فوقعت معركة كبيرة عند مدينة جبيل، فحمل الكسروانيون على جيش المماليك، فقتلوا أكثره وغنموا أمتعتهم وأسلحتهم، وأخذوا أربعة آلاف من خيلهم، وهزموا الأكراد الذين قدِموا لنجدتهم. حاولت دولة المماليك أن تصلح الوضع بعد هزيمة جيشها على يد شيعة كسروان، ولعلّها أرادت بذلك أن تستفيد من هدنة ما، ريثما تعيد تنظيم الأمور والاستعداد لجولة قاصمة تستأصل من خلالها الوجود الشيعيّ في تلك الناحية.

فعمد ابن تيمية إلى إصدار فتوى بهدر دماء الشيعة الكسروانيين وهدم بيوتهم وحرق أشجارهم، وأنّ قتالهم (الشيعة) وقتال النصيرية (العلويين) أولى من قتال الأرمن, لأنّهم عدوّ في دار الإسلام، وشرّ بقائهم أضرّ.

  • الحملة الثالثة:

وبناءً على هذه الفتوى جهّز آقوش سنة 1305م جيشاً كبيراً، بلغ خمسين ألف محارب، وبدأ بغزو المناطق الكسروانية من الشمال، فعرفت بالفتوح (فتوح كسروان) وسقطت كسروان بعد أحد عشر يوماً من القتال. فخرّب آقوش ضياعهم وقطّع كرومهم ومزّقهم، وملك الجبل عنوة، ووضع فيه السيف، وأسر ستمئة رجل، وغنمت العساكر منهم مالاً كثيراً، والسالم منهم تفرّق في جزّين وبلادها والبقاع وبلادها بعلبك، وبعضهم أعطته الدولة أماناً. وكانت أولى النتائج لتفريغ هذه المنطقة من سكّانها الشيعة، أن بدأت الهجرة المارونية إليها على نطاق واسع من شماليّ لبنان، لتغدو فيما بعد منطقة مارونية إلى يومنا هذا. وقد أصبحت جزّين مركزاً هامّاً للتجمّع الشيعيّ المستتر بالشافعية، خلال القرن الرابع عشر.[37]

أمّا في جبل عامل فبعد أن قضى المماليك على الحكم الأيوبي في مصر عام 1250م، استطاعوا السيطرة على مدينة صور من الصليبيين أثناء حصار عكا التي سقطت عام 1291م[38]، وبسقوطها انتهى الوجود العسكري الصليبي في الشرق الأدنى.

ودخلت البلاد في حمى دولة المماليك سنة 1291، ودخل جبل عامل في نطاق المملوكية وكان موزعًا بين نيابتي صفد ودمشق، فولايات تبنين وصور والشقيف كانت تتبع نيابة صفد، وولاية صيدا كانت تتبع نيابة دمشق.[39]

وبرزت في ذلك الوقت مدينة جزّين العاملية التي أصبت مركزًا دينيًا للشيعة، وازداد عدد سكانها بعد نزوح الكسروانيين إليها، وكانت مقدمية جزين متحالفة مع مقدمية مشغرة الشيعية بزعامة آل صبح.[40]

الشيعة في أيام الدولة العثمانية

بعد معركة مرج دابق سنة (1516 م)، وانتصار العثمانيين فيها، دخل لبنان و البلاد المجاورة في مرحلة تاريخية جديدة، لم يتوقف الشيعة فيها عن استكمال مسيرتهم منذ العهد المملوكي، فكانت مواقفهم تجاه الأحداث و التطورات المفصلية، غالبا ما تتميز عن غيرهم بما يختارونه من مواقف، أقرب إلى مشاعرهم، و أنسب لمصالحهم، و مواقعهم و رؤيتهم العامة لسير الأمور.

و يؤكد السلطان سليم أنّ الذي أفتى بوجوب هذه الحرب، هم علماء الأعصار و الأمصار و هي ليست غير جهاد ديني و مقدس ضد الشيعة، و فرض إلهي تجيزه الشريعة و تعاليمها و توجبه. «أنا ما جئت عليكم إلا بفتوى علماء الأعصار و الإمصار و أنا كنت متوجها إلى جهاد الرافضة و الفجار فلما اتفق الغوري مع الرافضة تركت الرافضة و مشيت إليه»[41].

وكانت الفتاوى الشرعية تتوالى بالمعنى نفسه، في عهود الدولة العثمانية المتعاقبة، مما جعل سياسة البطش و التنكيل إزاء رعاياها الشيعة ، هي السياسة المعتمدة غالبا، و إن كانت قسوتها و التقيد الدقيق بها يختلف باختلاف الظروف و الأشخاص و السياسات. تحولت الطوائف إلى ملل معترف بها رسمياً، تتمتع كل منها بامتيازات معينة و حماية دولية فاعلة، لكن الشيعة كانوا خارج هذه الأطر و ظلّوا في نظر السلطة، مجموعة أفراد تصنفهم الدولة في خانة المشبوهين دائماً، و الأعداء أحياناً، خصوصا عندما تكون الحرب بينها و بين فارس معلنة و مستعرة، و هي حرب دامت لمدة طويلة من الزمن بشكل متقطع.

لم يستسلم الشيعة في لبنان لهذا الواقع الصعب، و تجنبوا السكن في المدن، مفضلين الجبال المنيعة التي تؤمن لهم الأمن و الحماية في وعورة مسالكها و معابرها. توّهم بعض الباحثين و المؤرخين، و لا سيما الأوروبيون منهم، أنّ مصير هذه الطائفة هو الزوال و التلاشي في مستقبل قريب. فالمستشرق والمؤرخ الفرنسي «فولني» (volney) الذي زار لبنان سنة 1782 م في فترة صعبة من تاريخ شيعة لبنان رأى أنه :

«من المرجح أن ينتهوا بالزوال و أن يواروا معهم حتى اسم هذه الأمة»[42] لكن التوهم لم يتحقق بفضل عوامل تتعلق بالظروف التاريخية العامة و بالجهد الذاتي، والسياسة الناشطة التي اعتمدتها هذه الطائفة وأدت إلى عكس توقعات بعض المتشائمين.

و قد سمحت القوانين التي ترعى رفع السرية عن الوثائق الرسمية لدى الدول، و الكرسي الرسولي، و الأرشيف العثماني، بتوضيح أسباب ما تعرض له الشيعة في الفترة السابقة لزيارة هذا الرحالة الفرنسي(volney) إلى لبنان، بعد أن كانت دراستها سابقا تثير الريبة و التساؤل حول ماهية الغموض الذي يكتنف الأسباب الكامنة وراء هذه الحوادث التاريخية البالغة التأثير في تاريخ لبنان وحاضره, والتي تقف وراءه قوة نافذة تحرّك الأمور في اتجاه واحد، يصب في افتعال حملات عسكرية و سياسية متواصلة على الشيعة في مختلف مناطقهم اللبنانية، بغية القضاء على شعورهم بالذاتية القومية كباقي الجماعات اللبنانية الأخرى.[43]

وفي تلك الفترة التي بدأ العثمانيون يركّزون عداءهم التقليدي على الشيعة اللبنانيين، ظهر في عاصمة السلطنة اتجاه لتضخيم دورهم في نشوء الدولة الصفوية و معتقداتها. فنسبت بعض الكتابات إلى شيخ شيعي من جبل عامل أنه كان وراء أفكار الشاه اسماعيل و متعقداته. «من منطقة جبل عامل قرب دمشق، ظهر الطريد الشيعي، و نافورة الهرطقة، الرافضي الملعون، عبد العال قائد المشاغبين، و رئيس كهنة الضلال. التحق بالشيخ الأردبيلي اسماعيل و دعمه و ساعده لنشر هذه التعاليم الباطلة زاعما أنّه شيخ الإسلام و هو في الواقع شيخ الكفر». إنّ هجرة العلماء الشيعة العامليين إلى إيران الصفوية و دورهم المؤثر فيها هو واقع معروف و متواتر. و لكن قيمة مخطوطة السليمانية العائدة إلى القرن السابع عشر أنّها تقدم مستندا معاصرا على أنّ الدولة العثمانية كانت على علم و معرفة بدورهم السياسي و بأنّه كان هناك اعتقاد في ذلك الحين على أنّ لبنان هو رأس ينبوع الشيعة[44].

الخطّة الشيعية لمواجهة السياسة العثمانيّة

عززت السياسة العثمانية المتزمتة و القمعية، من اندفاع الشيعة إلى الإلتفاف حول أهداف و تطلعات و عواطف متقاربة، وقد ترافقت السيطرة العثمانية على لبنان مع عدد من العوامل و الظروف التي ساهمت في تعزيز قوة الشيعة. فففي البقاع، قُتل ناصر الدين بن الحنش وبرزت مكانه أسرة بني فريخ، حليفة الحرافشة، الذين تمكّنوا من ترسيخ سيطرتهم على بلاد بعلبك، وازداد عدد الشيعة فيها حتى أصبحوا يشكّلون الأكثرية من سكانها، كما تابعوا إدخال البقاع بأسره في دائرة حكمهم للوصول إلى مشغرة، المعبر التاريخي و الثقافي بين شيعة البقاع و شيعة جبل عامل، ما سيقود حتماً إلى زيادة التواصل و إزالة العوائق بين المنطقتين الشيعيتيين الكبيرتين، و يساهم بخلق واقع سياسي و ديموغرافي قد يكون له بالغ الاثر في المستقبل القريب[45].

وإلى الغرب، «عزز الحماديون تحركهم في الاتجاهين لملئ الفراغات البشرية في المناطق الجبلية التي نجمت عن الحملات المملوكية في القرن الرابع عشر، و كانوا قد تمكّنوا من الحصول على العديد من المقاطعات الممتدة من سفوح صنين الشمالية إلى جبة بشري في الشمال ».[46]

وفي الجنوب لم تعد صفد تتمتع بالإشراف المباشر على سير الأحداث في جبل عامل، و إن بقيت تشكل جزءا من معاملتها قبل أن تصبح صيدا مركز الباشا في مستقبل لاحق، و لم تعد مركز نيابة، كما كانت أيام المماليك، و أصبحت مجرد سنجق يعرض للإلتزام كل عام، مما جعل العامليين أبعد عن متناول السلطة و مراقبتها مما كانوا من قبل.[47]

في هذه المرحلة كان المسافر الشيعي يستطيع أن يبدأ رحلته من صفد، و يصل إلى آخر حدود لبنان الشمالية، في أي نقطة شاء، دون أن يسير خطوة واحدة في بلاد لا يحكمها شيعة. كان نفوذ الحرافشة و حكمهم يصل في الشرق إلى أواسط البادية، لأنّ حمص و تدمر كانتا غالباً تحت حكمهم، وكذلك صفد أحياناً، أما جبل عامل التابع رسمياً إلى سنجق صفد، فقلما استطاع غريب السيطرة عليه.[48]

ولما ضعفت الدولة العثمانية التي ضعفت تدريجيا مع الوقت، أصبح من المسموح للدول الأجنبية و ممثليها، ممارسة سلطة على أمور الدولة الداخلية بحسب حجمها والظروف السياسية الدولية و نوعية العلاقات مع هذه الدولة و مداها.

كانت البندقية أوّل دولة منحت رسميا بعض الامتيازات لرعاياها بموجب معاهدة عقدت عام 1521م. و تبعتها فرنسا 1535م، ثم إنكلترا 1580م. و لم تلبث هذه الامتيازات أن تطورت و تشعبت، و أصحبت تشمل جميع النصارى داخل الإمبراطورية العثمانية. و أصبح لهذه الدول، و خصوصا فرنسا، نفوذ سياسي بالغ في دوائر القرار في اسطنبول و سائر عواصم الولايات، ما دفع الطوائف اللبنانية إلى التسابق لإقامة علاقات مع الدول الأجنبية، لا سيما مع فرنسا، للحصول على الحماية و المساعدات المادية و الدعم السياسي.

كانت فرنسا تشكل مرجع الموارنة، كما هو حال إنكلترا بالنسبة للبروتستانت أولا و للدروز في مراحل أخرى، بينما روسيا هي مرجع ملة الروم «الأرثوذكس». لكن هذه المعادلة المتداخلة بين الطوائف اللبنانية و بعض الدول الأجنبية و الدولة العثمانية، بقي الشيعة وحدهم، الطائفة التي لم تستطع أو لم تسمح لها الظروف الدولية، بإيجاد أي نوع كان من الحماية الدولية.

أما قيام علاقات خارج الأطر العلمية و المذهبية و العاطفية و الشعائرية بين شيعة لبنان و الحكم الصفوي في إيران فلم يحصل بسبب الموانع العملية و الجغرافية و السياسية وهي:

  1. كانت العلاقات بين الدولتين في حالة عداء دائم وحروب تكاد أن تكون متواصلة، و معاملة العثمانيين لرعاياهم من الشيعة، فلم يكن من المنتظر أن تتساهل الدولة حيال أية صلة تقوم بين أعدائها و بعض رعاياها، فقد كانت تهمة الولاء للحاكم الصفوي كافية لتعريض أية جماعة تتهم به إلى أقصى التدابير الإنتقامية، فقد حاولت من أجل ذلك استبدال الحكم الحرفوشي في بعلبك، بحكم سني صادق الولاء كما أنّها أطلقت على شيعة جبل لبنان اسم القزلباش، وحاولت على امتداد سنوات طويلة استئصالهم و القضاء التام على وجودهم.
  2. لم يملك الصفويون أسطولا بحريا فعالا يجعل التواصل ممكنا من الناحيتين العسكرية و التجارية، خصوصا و انهم لم يصلوا في أي وقت إلى السيطرة على منفذ بحري على المتوسط و متفرعاته يجعل هذا التواصل ممكنا أو محتملا، بينما كانت الموانئ اللبنانية في متناول الأساطيل الأوروبية و الروسية، تجاريا و عسكريا في أي وقت أرادته.
  3. لم يكن للصفويين مطامح سياسية أو تجارية في بلاد الشام و إنما كان الدفاع عن بلادهم بوجه التوسع العثماني أقصى ما يطمحون إليه.

الشيعة في أيام الاحتلال الفرنسي

كان استقبال جبل عامل للاحتلال الفرنسيّ، استقبالاً صاخباً محتجّاً، واجهه بالرفض والمصارحة، والميل عنه ميلاً لا هوادة فيه ولا لين. وفي هذه الأثناء كانت لجنة كينغ كراين قد وصلت إلى صور للتحقّق من رأي العامليين، فكانت مواقفهم واضحة ومميّزة أمام هذه اللجنة. ويذكر السيد شرف الدين: "أنّ بلاد عاملةِ أجمعت على أن يمثّلها لدى اللجنة اثنان، هما شيخ العلماء المقدّس الشيخ حسين مغنية والسيد عبد الحسين شرف الدين".

ومنعاً لكلّ لبس لدى المترجم، ودفعاً لأيّ تقوّل من الذين يحرّفون الكلام عن مواضعه، قدّم السيد مذكرة جبل عامل للجنة كينغ – كراين، وجاء فيها ما يلي:

  • لا نرضى بغير استقلال سوريا التامّ الناجز بحدودها الطبيعية التي تضمّ قسميها الجنوبيّ (فلسطين) والغربيّ (لبنان)، وكلّ ما يعرف ببلاد الشام دون حماية أو وصاية.
  • تكون الدولة ملكية، ذات عدالة ومساواة، يستوي فيها جميع الناس كافّة في الحقوق والواجبات.
  • الأمير فيصل بن الحسين هو مرشّح العرب الطبيعيّ لملك سوريا، لما له من جهاد في سبيل القضية العربية.
  • لا حقّ إطلاقاً لما تدّعيه فرنسا في أيّ بقعة من سوريا، ولا تُقبل أيّ مساعدة منها.
  • إذا كان لا بدّ لسورية من مساعدة فإنّ الرئيس ولسن قد فتح باباً معقولاً لطلب المساعدة من أميركا وذلك بإعلانه أنّ القصد من دخول الحرب إنّما كان للقضاء على فكرة الفتح والاستعمار.

وعندما تكشّفت نوايا الفرنسيين عندما راحوا يكيدون للسوريين واللبنانيين معاً. واندلعت الحروب والمعارك في جبل عامل، بين الثوّار العامليين بقيادة صادق حمزة الفاعور وأدهم خنجر من جهة والفرنسيين وأتباعهم المحلّيين من جهة ثانية.

وما أن اندلعت المعارك في جبل عامل بين الثوّار والفرنسيين حتّى أصدر المراجع الكبار في النجف الأشرف الفتاوى بضرورة التصدّي للاستعمار الإنكليزي في العراق.

وكانت أقوى العصائب برئاسة صادق الحمزة الذي رفع العلم العربي في عديسة وبليدا والطيبة. وقد حظي بالشهرة, إذ قام بالكثير من الأعمال الباهرة. وكانت هذه العصائب التعبير الحسّي عن ثورة العامليين، وإن كانت قد اتّخذت أشكالاً من الفوضى الوطنية التي لم يكن لها زعيم يروّضها ولا مفكّر يرشدها ولا أدوات لتنظيمها. وقد أدّى تطور هذه العصائب إلى تغيير حقيقيّ في تقسيمات المناطق في جبل عامل. [49]

مؤتمر الحُجَيْر سنة 1920م

اختير وادي الحجير مكاناً لاجتماع العامليين بكلّ شرائحهم: الزعماء والعلماء والوجهاء. وألقى العلامة الكبير السيد عبد الحسين شرف الدين خطاب الافتتاح مذكّراً بالموقف الحرج، وكان لخطابه أثره العظيم والكبير في توجيه النفوس ضدّ سياسة فرنسا المتّبعة. وكان كلام السيد شرف الدين عنيفاً يهدف إلى تعبئة العواطف ضدّ الفرنسيين. وقد عبّر بذلك عن وجهة نظر المؤتمرين باستقلال جبل عامل ضمن المملكة السورية التي دعوا إليها باسم الوحدة السورية.

وفي نهاية المؤتمر انتخب الشيخ حسين مغنية رئيس العلماء ليرأس وفداً إلى دمشق، لمناقشة ما اتّفق عليه مع فيصل، لكنّه اعتذر لكبر سنه، فانتُدب السيد عبد الحسين شرف الدين والسيد عبد الحسين نور الدين بالإضافة إلى السيد محسن الأمين الذي كان نزيل دمشق والذهاب معاً للقاء فيصل.

ثم صُدِّق بالإجماع على الوثيقة المتّخذة في المؤتمر، والتي تضمّنت الموافقة على القرارات الصادرة عن المؤتمر السوري، أي استقلال سوريا الشامل بإمرة فيصل، بلا تقسيم ولا حماية فرنسية. لكن نتيجة للمبالغات التي أعقبت عقد مؤتمر وادي الحجير، وكذلك نقل وقائع مشوّهة و/محرّفة للمؤتمر والتي كان من شأنها إثارة عواطف المسيحيين واستعداؤهم، مما زاد من حدّة التوتر في جبل عامل بين الشيعة والمسيحيين.[50]

مقاومة العامليين للاحتلال الفرنسي

كان اعتقال أحد قادة العصائب أدهم خنجر من قبل الفرنسيين، الشرارة الأولى التي ألهبت منطقة جبل العرب بأسرها، لتنطلق الثورة السورية الكبرى بعد ذلك. وقد تعرّض العامليون لأساليب القمع الفرنسي المختلفة، وعلى رأسها إعدام البطل العاملي أدهم، فقد صادف وجود أدهم ذات يوم في منزل "سلطان باشا الأطرش" فقبض الفرنسيون عليه بوشاية، وحُمل إلى السويداء، ثمّ إلى بيروت، وأُعدم هناك.

وقد لعب المجاهدون العامليّون دوراً بارزاً في دعم الثورة السورية، وكانت الثورات تتلاقى بين سوريا ولبنان، خاصة ثورة سنة 1925م، التي لعب فيها المجاهدون الشيعة في جنوبي لبنان دوراً بطولياً رائعاً. وفي عامة 1927م كانت الثورة السورية ما تزال مشتعلة، أو قبيل انتهائها بفترة وجيزة، وخوفاً من انتقال عدوى هذه الثورة مجدّداً إلى منطقة جبل عامل، فقد لجأت السلطات الفرنسية إلى جمع السلاح من المنطقة، وكلّفت الشرطة المحلّية بالتفتيش عنها، وهدّدت باستعمال أقصى العقوبات بحقّ كلّ من يدلي بتصريحات ناقصة أو كاذبة، بقصد الحؤول دون جمع السلاح من صور ومنطقتها.

وبعدما وضع الدستور اللبناني سنة 1926م، قابله فريق بالارتياح وآخر بالارتياب، فقد اعتبره الفريق الأوّل بدايةَ الخلاص من الاستعمار الفرنسي، وأنّه ضرب من ضروب التحرّر والانعتاق. لكنّ الفريق الثاني كان يعي أنّ الدستور لا يلبّي الحاجات والمطالب القومية المطلوبة. في الوقت الذي كان أبناء جبل عامل عامّة لا يعرفون المصير الذي سيؤولون إليه، فهم ما زالوا يفكّرون بالانضمام إلى سوريا، وبقوا ينادون بشعار الوحدة السورية ويعملون من أجل تحقيقه.[51]

انتفاضة بنت جبيل

وفي عام 1936م انفجر الوضع في بنت جبيل على أثر تلزيم زراعة التبغ في جبل عامل لشركة فرنسية "الريجي". يومها احتجّ عدد من شبّان البلدة فاعتقلتهم السلطات الفرنسية، فانضمّت القرى المجاورة وعلى رأسها عيناثا إلى مظاهرات صاخبة للمطالبة بإخراج المعتقلين من سجن بنت جبيل، فوقع عدد من المحتجّين صرعى وجرحى, وأعلن جبل عامل الإضراب العام وعمّت المظاهرات الجبل بكامله من أقصاه إلى أقصاه، ولم تنفع أساليب القمع. فكان من نتائج هذه الانتفاضة أنّ السلطة شعرت أنّ جبل عامل بكلّ أهله يقف وقفة واحدة ضدّها وضدّ احتكار شركة الريجي، ودعماً للوحدة السورية والمطالب الوطنية.[52]

شيعة لبنان ما بعد الاستقلال

تقوم الحياة السياسية في لبنان على أساس طائفي، فتقسّم الرئاسات والوزارات وعضوية المجلس النيابي والتعينات على الطوائف اللبنانية مناصفة وفق الدستور اللبناني.[53]

الشيعة والنكبة الفلسطينية

تخوّف العامليون من حلول الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على الحدود الفلسطينية, ومن هنا وجدوا أنفسهم معنيين فعلاً بالثورة التي أعلنتها الجماهير الفلسطينية سنة 1936م، حيث كان الثوار الفلسطينيون يتلقّون المعونة المادّية والدعم المعنويّ من وطنيي جبل عامل. ونمت العلاقة الوثيقة بين بنت جبيل ومنطقة صور من جهة والثوار الفلسطينيين من جهة ثانية، حتّى أنّ شباب عامليين استشهدوا، وهم يقاتلون إلى جانب إخوانهم في فلسطين.

وقد غادر عدد كبير من أبناء فلسطين بلادهم بعد المذابح الرهيبة التي ارتكبها الصهاينة ، فوقف أبناء جبل عامل مع إخوانهم الفلسطينيين موقفاً مشرّفاً وقدّموا لهم البيوت والفرش والطعام. وباعتراف فوزي القاوقجي (قائد جيش الإنقاذ خلال حرب 1948 ) في مذكّراته فإنّ المعارك الحامية تلك التي دارت على أرض جبل عامل دفاعاً عن القضية الفلسطينية، كانت من أشدّ ما عرفته فلسطين من معارك.

ولعلّ الحماسة الدينية والقومية المتجذّرة في قلوب العامليين مردّها إلى مواقف المراجع والعلماء. فها هو السيد محسن الأمين يعلن الجهاد المقدّس في فلسطين، ويوجّه نداءً يقول فيه: "أيّها العرب، أيّها المسلمون، إنّ لكم في فلسطين تراثاً، وإنّ لكم في كلّ غور ونجد وحزن وسهل فيها دماً عُجن به ترابها، واختلط به ماؤها ونباتها، وإنّ إخوانكم في فلسطين قد أقضّ مضاجعهم ما هم فيه من محنة وبلاء، وأسهر عيونهم وبرّح أجسامهم ما يلاقونه من كيد الخصوم، وإنّ بني أبيكم ليقدمون إقدام الآتي ويدافعون دفاع المستميت، فلا تظنّوا عليهم ببذل التافه الحقير وهم بذلوا الجليل العظيم...".

ومِثْلُه السيد عبد الحسين شرف الدين يستصرخ الأمّة بنداء آخر: "أيّها المسلمون، أيّها العرب، هذا شهر المحرّم الدامي الذي انتصرت فيه عقيدة، وبُعث فيه مبدأ. ألا إنّ قتلة الحسين عليه السلام بكر في القتلات، فلتكن قدوتنا فيه بكراً في القدوات، ولنكن نحن في فلسطين مكان سيّد الشهداء من قضيّته، ليكون لنا ولفلسطين ما كان له ولقضيته من حياة ومجد وخلود. أيّها العرب، أيّها المسلمون، لقد حُمَّ الأجل وموعدنا فلسطين، عليها نحيا وفيها نموت والسلام عليكم يوم تموتون شهداء، ويوم تبعثون أحياء".

لبنان بعد نكسة الجيوش العربية

بعد الهزيمة التي مُني بها العرب عام 1967م، أصبحت قرى جبل عامل على موعد دائم مع الاعتداءات الإسرائيلية والقذائف والصواريخ. وما كانت الثورة الفلسطينية لتثبت أقدامها في لبنان لولا الدفق الجماهيري المؤيّد لها، حيث كانت تمتلك أرضية صلبة في الجنوب اللبناني. ولقد كان للشعارات والنداءات التي أطلقها السيد موسى الصدر دويّ قويّ في أوساط المسلمين اللبنانيين عامّة وأهالي جبل عامل خاصّة كشعار "إنّ التعامل مع إسرائيل حرام" وشعار "إسرائيل شرّ مطلق" وشعار "بعمامتي هذه سوف أحمي الثورة الفلسطينية" وشعار "إنّ شرف القدس يأبى أن يتحرّر إلا على أيدي الشرفاء"، وغيرها من الشعارات التي جعلت كلّ القوى والتيّارات الوطنية والإسلامية تتعاطف مع الثورة الفلسطينية. وكان للإضرابات والمظاهرات المسلّحة التي تقسم بالله على مواصلة الجهاد أثرها على الساحة السياسية وامتداد العمق الجماهيري للثورة.

تأسيس "حركة المحرومين"

لاقت دعوة السيد موسى الصدر ل"المحرومين في وطنهم والمحرومين من وطنهم"، التفاف الناس حيث ربط السيد بين الظلم الذي يحيط باللبنانيين في وطنهم والوضع البائس الذي يعيشه الفلسطينيون خارج وطنهم، فأسس "حركة المحرومين" التي مدّت نظرها للمحرومين والمستضعفين في لبنان.

وفي مهرجان بعلبك في 19 آذار 1974م، طالب السيد الدولة بإنشاء مخيّمات التدريب فقال: "... أنا سأطلب منكم إنشاء مخيّمات التدريب، مخيّمات في البقاع والجنوب، وأنا سأتدرّب معكم. لا تعتقدوا أنّ المعركة مع إسرائيل قاربت نهايتها، وأنّ العالم العربي سينام مرتاحاً. نربّي جيلاً يتمكّن من حمل السلاح... نحن مضطرون إلى تدريب أولادنا وتسليحهم لكي نحفظ كرامة بيوتنا ونحفظ أعراضنا ونؤدّي دورنا في صيانة الوطن".

الاجتياح الإسرائيلي سنة 1978م

سبق الاجتياح الإسرائيلي لجبل عامل عام 1978م عملية قامت بها مجموعة من الفدائيين في عمق الأراضي الإسرائيلية على شواطئ حيفا، فما كان من الكيان الإسرائيلي إلا أن اتّخذ من هذه العملية ذريعة لاجتياح جبل عامل. وفي الخامس عشر من آذار سنة 1978م بدأ الصهاينة هجومهم الواسع النطاق على طول الحدود مع لبنان من الناقورة غرباً حتى راشيا شرقاً، على جبهة يبلغ طولها مئة كيلو متر تقريباً. وقد بدأ الهجوم البريّ بعد التغطية بالقصف الجويّ والمدفعي البعيد المدى المكثف، ثمّ دفعوا بقوّاتهم المحمولة تدعمها الآليات الضخمة، وقد قدّر مجمل المشتركين في هذه الهجمة بـِ 28 ألف جندي تقريباً، و50 دبابة وأربعة ألوية مدرّعة، تساندها المدفعية الصاروخية.

وقد تعاونت الميليشيات العميلة والصهاينة على تدمير القرى وتشريد السكّان، واقتحم رجال سعد حدّاد بالتعاون مع الصهاينة بلدة الخيام فقتلوا أكثر من ثمانين مدنياً عاجزاً، ودمّروها تدميراً شاملاً. أما قرية العبّاسية فقد هاجمها الطيران الصهيونيّ وقصف المسجد الجامع، وذلك عندما التجأ الأهالي للاحتماء به، فقُصف قصفاً عنيفاً ودُمّر على رؤوس من كانوا فيه، ولم ينجُ منهم أحد، وقتل أكثر من سبعين شخصاً أكثرهم من النّساء والأطفال! ومارسوا المجازر نفسها في بلدات كونين والغندورية وفرون، حيث تشرّد السكان وهربوا نحو صيدا وبيروت، وأقيمت لهم المخيّمات في صيدا، وافترشوا ملاعب المدارس ومداخل البنايات في بيروت، واستقرّت القوات الإسرائيلية على مقربة من نهر الليطاني، بالقرب من برج رحال.

وقد سُمّيت عملية الاجتياح هذه: "عملية الليطاني", لأنّ الليطاني هو الحلم الذي يراود اليهود منذ ما قبل مطلع القرن العشرين، ووصل الجيش الإسرائيلي إلى بلدة عين بعال على مقربة من مدينة صور وبالقرب من مخيم الرشيدية جنوب صور وعلى مقربة من جسر القعقعية الواقع على نهر الليطاني.

إخفاء السيد موسى الصدر

في 25/8/1978م سافر السيد موسى الصدر إلى ليبيا للاجتماع بالعقيد القذافي. وقد شوهد في ليبيا آخر مرّة في ظهر يوم 31/8/1978م، وبعدها انقطعت أخباره وأخبار رفيقيه، وأثيرت ضجّة عالمية حول اختفائه، وادّعى النظام الليبي أنّه سافر ورفيقيه إلى إيطاليا، فيما أنكرت هذه الدولة وصول السيد ورفيقيه إليها. وما زالت قضية إخفاء السيد الصدر ورفيقيه مبهمة حتى بعد زوال حكم القذافي، ولم يُعرف أيّ شيء عن مصيرهم إلى الآن.

الإجتياح الإسرائيلي والتحرير الأول
مدينة بيروت أثناء اجتياح عام 1982م

اجتاح الكيان الإسرائيلي لبنان عام 1982م مخلّفاً الكثير من الدمار والضحايا في مدنه وقراه وسط مباركة أميركية كاملة واكتفاء عربي ودولي بالتنديد. وكما حصل في آذار سنة 1978م كان التّبرير للاجتياح ضرب الفلسطينيين وأماكن تجمّعهم، مع فارق وحيد هو إصرار إسرائيل على توسيع رقعة الاحتلال وقيامها بعمليات إنزال، استمرّت حتّى ساعات الفجر الأولى، مستهدفة منطقة الأوّلي عند حدود مدينة صيدا، وقبلها منطقة الزهراني وشواطىء صور وضواحيها.

وعلى مشارف بيروت في منطقة خلدة حيث الإسلاميون على الطريق الساحلي بين الناعمة وخلدة كان التصدي للتقدّم الإسرائيلي. وقد كرّرت القوّات الإسرائيلية محاولات الإنزال في منطقة خلدة أكثر من مرّة طوال يوم التاسع من حزيران عام 1982م إلّا أنّ جميع هذه المحاولات باءت بالفشل نتيجة المقاومة الشديدة التي جُوبهت بها من قبل القوات المشتركة (اتّحاد الطلبة المسلمين وشباب حركة أمل وبعض الشباب المؤمن الملتزم).

وقد أنزلت إحدى البوارج الإسرائيلية ما بين 12 و 15 آلية ودبابة برمائية. ولدى وصول الآليات والدبابات إلى الطريق شنّت القوات المذكورة هجوماً شديداً، فاندفعت الآليات والدبّابات باتّجاه مدينة الزهراء وهناك كانت مجموعة من عناصر حركة أمل تنتظر الغزاة فواجهتهم بالقذائف والرصاص، واندلعت النيران في ثلاث دبابات واحترقت بمن كان في داخلها من الجنود الإسرائيليين وامتدّت المعركة إلى أحد المباني المجاورة التي هرب إليها جنود إسرائيليون كانوا قد تركوا آلياتهم ولاحقتهم عناصر القوات المشتركة "المؤمنة" إلى داخل المبنى وقضت عليهم.

وفي هذه الأثناء استولى المجاهدون على إحدى المدرّعات الصهيونية وأخرجوها من ميدان المعركة وجاؤوا بها إلى داخل بيروت (بئر العبد)، فيما راح الطيران الحربيّ الصهيونيّ يدكّ أرض المعركة بالصواريخ الثقيلة، فانهارت إحدى البنايات بكل طبقاتها بينما كان يتمترس بداخلها عدد من المجاهدين، فاستشهدوا بأجمعهم.

دبابة غنمها المقاومون من منطقة خلدة

وفي 11/11/1982 سجل التحول الكبير في عمليات رجال المقاومة ضد تجمعات العدو الاسرائيلي فكان بدء العمليات الاستشهادية. ففي صبيحة ذلك اليوم، قاد فتى من دير "قانون النهر" يدعى "أحمد قصير ولقبه "حيدر" سيارة مرسيدس مفخخة بأكثر من مئتي كيلوغرام من المواد المتفجرة واقتحم بها مقر الحاكم العسكري الاسرائيلي لمنطقة صور، ودمّر المبنى المؤلف من 8 طوابق على من فيه. المحصلة النهائية للعملية كانت 74 قتيلا و27 مفقودا وفق ما اعترف به الناطق العسكري الاسرائيلي، وظل اسم منفذ العملية مجهولا حتى 19 أيار 1985 عندما أعلنت المقاومة الاسلامية اسم أحمد قصير المنفذ للعملية الاستشهادية الأولى.

وبعد الغزو الإسرائيلي وصل الحرس الثوريّ الإيرانيّ إلى بعلبك، وباشر بالتدريب على فنون القتال والقيام بعمليات عسكرية جعلت مدن وقرى جبل عامل تتضامن مع هؤلاء المجاهدين، فنشطت العمليات والكمائن والهجمات ضد جيش الاحتلال الإسلائيلي.

وأدّى تصاعد المقاومة في المناطق التي يحتلّها الجيش الإسرائيلي في الجنوب إلى أن فشل الغزو، فقد اضطرت أميركا إلى الانسحاب هي وحلفاؤها من بيروت للنجاة من العمليات، بعد تدمير مركز "المارينز" ومركز المظليين الفرنسيين. ومع ارتفاع عدد القتلى والجرحى، ازداد الضغط الداخلي محذّراً من استمرار احتلال جنوب لبنان، فما كان من القادة الصهاينة إلا أن أنشؤوا (قوّات الشريط الحدودي) من العملاء ليكونوا سدّاً دفاعياً تتمترس من خلفه القوّات الإسرائيلية لتصبح في مأمن من عمليات المقاومة العسكرية، وبذلك سقطت نظرية أمن الجليل. وكان أن ردّ الكيان الإسرائيلي على تصاعد عمليات المقاومة الإسلامية في جبل عامل، بأن قام بواسطة عملائه الصهاينة باغتيال شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب سنة 1984.

وأمام صمود المقاومة وضراوة مقاومتهم وتصدّيهم، اتّخذت الحكومة الإسرائيلية في 14 كانون الثاني سنة 1985م قراراً بالانسحاب على مراحل، فكان ردّ المقاومين تصعيد العمليات العسكرية في كلّ مكان يوجد فيه الصهاينة.

مسار التحرير الثاني

بدأت في سنة 1985م مرحلة جديدة من المقاومة بعد انسحاب الجيش الصهيوني إلى منطقة الشريط المحتل التي كان قد احتلها منذ العام 1978م. وفي سنة2000م احتفل اللبنانيون بتحرير الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي بعد احتلال دام 22 عاماً.

ومن أهم محطات المقاومة في تلك المرحلة:

  • عملية الأسيريين: في 17/2/1986 أسرت إحدى مجموعات المقاومة الإسلامية جنديين صهيونيين في كمين نصبته لسيارة كانت تنقلهما قرب بيت ياحون داخل المنطقة المحتلة، وقتل في الهجوم أيضا جنديان من ميليشيا العميل لحد.
  • أسر الطيار رون آراد: في 16/10/1986 تم أسر الطيار الصهيوني رون أراد بعد إسقاط طائرته التي كانت تعتدي على جنوب لبنان.
  • عملية بدر الكبرى: في 30/5/1987 شنت المقاومة الإسلامية هجوماً واسعاً على قوات الاحتلال وميليشيا لحد، وتمكن مئات المقاومين من السيطرة على أربعة مواقع معادية في تلال جبل صافي ومنطقة جزين، وقصفوا بالصواريخ اثني عشر موقعاً آخر، وقد أسفرت العملية عن تدمير المواقع بما فيها من بطاريات مدفعية وآليات وسيارات، وغنم المقاومون آلية مدرعة نصف مجنزرة وأسلحة وذخائر نقلوها إلى المناطق المحررة، فيما سقط من القوى المعادية أحد عشر قتيلاً لحدياً وستة وعشرون جريحاً اعترفت "إسرائيل" بستة جنود إسرائيليين من بينهم.
  • عملية الاستشهادي هيثم دبوق: في19/8/1988 نفّذ الشهيد المجاهد هيثم دبوق عملية استشهادية على طريق تل النحاس استهدفت قافلة للعدو تضم ما لا يقل عن خمسين عسكرياً صهيونياً، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات منهم، واعترف العدو بثمانية قتلى وتسعة جرحى.
  • عملية الاستشهادي عبد الله عطوي: في 19/10/1988 فجر المجاهد البطل عبد الله عطوي (الحر العاملي) نفسه بقافلتين صهيونيتين عند التقائهما في بوابة العبور إلى فلسطين المحتلة (بوابة فاطمة)، فحوّل القافلتين بكل آلياتهما إلى حطام، وأباد جميع من كان فيهما، إضافة إلى ثمانية من رجال حرس الحدود الصهاينة.
  • عملية خطف الشيخ عبد الكريم عبيد: في28/7/1989 أقدمت قوات كوماندوس إسرائيلية على اختطاف إمام بلدة جبشيت الشيخ عبد الكريم عبيد من منزله في وسط البلدة، وذلك في عملية إنزال مجوقلة استخدمت لها مئة جندي أنزلتهم ثلاث مروحيات.
  • عملية الإستشهادي أسعد بِرُّو: في 9/8/1989 فجر الشهيد المجاهد أسعد برو نفسه في قافلة عسكرية صهيونية على مدخل بلدة القليعة في مرجعيون ما أدى إلى تدمير القافلة العسكرية الصهيونية، وأوقع في صفوف أفرادها نحو خمس وعشرين إصابة بين قتيل وجريح.
  • عملية التبادل الأولى: في 21/9/1991 تمت عملية تبادل للأسرى مع العدو الصهيوني أدت إلى إطلاق سراح 51 معتقلاً من معتقل الخيام مقابل جثة جندي صهيوني.
  • استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي: في 16/2/1992 استشهد الأمين العام لحزب الله السيد عباس الموسوي وزوجته وطفلهما في عملية اغتيال نفذتها طائرات العدو الصهيوني، وذلك بينما كان موكبه عائداً من جبشيت.
  • مواجهات كفرا وياطر: في 21/2/1992 أجبرت المقاومة الإسلامية في مواجهات واسعة قوةً من جيش الاحتلال على الانسحاب من منطقة كفرا -ياطر، واستخدمت كما لم تستخدم من قبل صواريخ "الكاتيوشا" فقصفت التجمعات الصهيونية، ومنذ ذلك الحين يمكن القول دخل صاروخ "الكاتيوشا" في معادلة المقاومة بشكل واسع.
  • عملية قتل العميل "حسين عبد النبي": في 5/10/1992 وجهت المقاومة الإسلامية ضربة قاسية إلى ميليشيا العملاء بقتلها المسؤول عن جهاز أمنها في منطقة بنت جبيل حسين عبد النبي.
  • عدوان تموز: في 25/7/1993 نفذت قوات الاحتلال الصهيونية اجتياحاً جوياً واعتداءات واسعة ضد المناطق اللبنانية في ما عرف بعدوان تموز الذي بدأ في 25/7/1993 واستمر أسبوعاً كاملاً، وكانت نتيجته تدميرا واسعا في أكثر من 70 قرية وبلدة، وتهجير نحو 300 ألف مواطن، وسقوط أكثر من 115 شهيدا من المدنيين. أما رد المقاومة الإسلامية على هذا العدوان فكان أن انهالت صواريخ "الكاتيوشا" على المستعمرات داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ومواقع الجيش الإسرائيلي والميليشيا المتعاملة معه في المنطقة المحتلة.
  • عملية موقع طَلُّوسَة: 16-11-1993 شنّت المقاومة الإسلامية هجوما على موقع طلوسة وتمكنت من أسر 12 عنصراً من الميليشيا العميلة.
  • اغتيال القائد أبو علي رضا: في 21-2-1995 نفّذت قوات الاحتلال عملية اغتيال للمجاهد القائد أبو علي رضا ياسين حين لاحقت المروحيات الإسرائيلية القائد ياسين بينما كان يمر بسيارته على طريق دردغيا الحميري في قضاء صور، ثم قصفتها بصاروخ ما أدى إلى استشهاده.
  • عملية الإستشهادي صلاح غندور: في 25-4- 1995 نفّذ المجاهد صلاح غندور (ملاك) عملية استشهادية بالقرب من بنت جبيل استهدفت دورية إسرائيلية. وفي بعض تفاصيل العملية أن الاستشهادي البطل الحاج "ملاك" اقتحم قافلتين صهيونيتين كانت إحداهما قد دخلت إلى المنطقة الحدودية من فلسطين المحتلة لتحل مكان القافلة الثانية التي كانت على وشك المغادرة، وذلك عند مدخل مقر ما كان يسمى مركز الـ17 في "صف الهوا" الذي يضم مبنى قيادة عمليات اللواء الغربي ومبنى الإدارة المدنية ومبنى قيادة المخابرات التابع لجيش العدو الاسرائيلي، وقد أدى ذلك إلى تدمير جزئي لمبنى الإدارة المدنية وإصابة مبنى اللواء الغربي بأضرار جسيمة وتدمير خمس آليات، ذابت اثنتان منها كليا بفعل قوة الانفجار الهائلة وتناثر عدد كبير من جثث جنود العدو في دائرة الانفجار.
  • عمليتي العيشيّة والمحموديّة: في 13/1/1996 قُتل 10 جنود صهاينة وجرح 11 في هجومين نفّذتهما المقاومة الإسلامية على قافلة إسرائيلية في العيشية وعلى قوة مدرّعة في مزرعة المحمودية.
  • عملية الاستشهادي علي أشمر: في 20/3/1996 نفذ المجاهد علي أشمر من المقاومة الإسلامية عملية استشهادية في قافلة عسكرية صهيونية في الجنوب ما أوقع قتيلاً إسرائيلياً برتبة نقيب و5 جرحى آخرين.
  • عدوان نيسان: في 11/4/1996 نفذ الصهاينة عدوان نيسان الذي استمر 16 يوماً ضد لبنان وطال جميع المناطق اللبنانية بالقصف الجوي والبحري ودمّر البنى التحتية بما فيها محطات الكهرباء والمياه، وأفظع ما ارتكبه العدو في عدوانه هذا هو المجزرة في قانا التي قتل فيها أكثر من 130 مدنياً وسقط 150 جريحاً. واستمرت المقاومة باستخدام الكاتيوشا الذي قلب أهداف العدوان ليعود الحراك الدبلوماسي بعدما أدرك الاميركيون حجم المأزق الذي دخلته اسرائيل لترضخ أخيراً لوقف إطلاق النار بشروط المقاومة. وحتى فجر السادس والعشرين من نيسان سجّلت المقاومة إطلاق آخر زخة من صواريخ الكاتيوشا قبل عشر دقائق من الرابعة فجراً؛ ساعة دخول وقف النار حيز التنفيذ، فيما عرف بتفاهم نيسان الذي حما المدنيين اللبنانيين، وجلب للمقاومة اعترافا دوليا بها كمقاومة شرعية.
  • اقتحام موقع الدبشة: في 10/6/1996 قتل خمسة جنود صهاينة بينهم ضابطان وجرح ثمانية آخرون عندما هاجم مجاهدو المقاومة الإسلامية موقع الدبشة.
  • عملية التبادل الثانية: في 21/7/1996 جرت عملية تبادل للأسرى بوساطة ألمانية أدّت إلى الإفراج عن 45 معتقلاً ورفات 132 شهيداً مقاوماً مقابل جثتي جنديين صهيونيين و17 عنصراً من العملاء.
  • عملية أنصارية: في 5/9/1997 نصبت المقاومة الإسلامية فخاً لوحدة كوماندوس صهيونية في بلدة أنصارية على ساحل الزهراني ما أدى إلى إفشال عملية أمنية ضخمة للعدو، وإبادة كاملة للوحدة التي كُلفت بالمهمة، والتي عادت أشلاء من العملية التي قتل فيها خمسة من ضباط العدو (مقدم ورائد وثلاثة نقباء) إضافة إلى ستة رتباء.
  • عملية استشهاد نجل الأمين العام لحزب الله: في 14/9/1997 أعلنت المقاومة عن سقوط ثلاثة شهداء لها في مواجهات جبل الرفيع بينهم نجل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله؛ هادي.
  • عملية التبادل الثالثة: في 26/6/1998 تمت عملية تبادل للأسرى مع الاحتلال بعد فشل عملية أنصارية الصهيونية، وفي تلك العملية تم تحرير ستين معتقلاً ورفات 40 مقاوماً بينهم رفات نجل الأمين العام لحزب الله الشهيد هادي نصر الله.
  • كمين الجبّور: في 23/2/1999 وقعت قوة كوماندوس إسرائيلية من نخبة المظليين في كمين للمقاومة الإسلامية بالقرب من منطقة الجبور في البقاع الغربي، وأدّت المواجهة حسب الاعتراف الإسرائيلي إلى سقوط ثلاثة ضباط قتلى وخمسة جرحى، بينهم قائد وحدة الكوماندوس المقدم ايتان بلحسن.
  • عملية قتل قائد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان: في 1/3/1999 نفّذ رجال المقاومة عملية مزدوجة على طريق الحاصباني كوكبا أدت إلى مصرع أربعة إسرائيليين بينهم قائد القوات الإسرائيلية في الشريط المحتل، وهو أرفع رتبة عسكرية في المنطقة، الجنرال "إيرز غيرشتاين" ومساعده وسائقه والمراسل العسكري للإذاعة الإسرائيلية، إضافة إلى جرح ثلاثة آخرين وإحراق عدد من الآليات والسيارات العسكرية.
  • عملية الإستشهادي عمار حمود: في 30/12/1999 قام الاستشهادي عمار حمود بتفجير نفسه على طريق رئيسي في قرية القليعة أثناء مرور دورية إسرائيلية وأوقع في صفوفها خمس عشرة إصابة.
  • عملية تصفية الرجل الثاني في جيش لحد "عقل هاشم": وهو الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية منذ العام 1996، وقد تمت تصفيته في عملية نوعية في عمق المنطقة المحتلة. وهو الرجل الأول فعلياً والثاني تنظيمياً في هرمية العملاء والخليفة المفترض للعميل أنطوان لحد، وكان يشغل منصب قائد اللواء الغربي في ميليشيا العملاء، ووصفت مصادر إعلامية مقتله بأنّه الضربة الأقسى التي تلقّاها الاحتلال بعد تصفية قائد قوات الاحتلال في الجنوب الجنرال إيرز غيرشتاين في 28/2/1999.
  • انتصار عام 2000م: في 25 أيار وبعد اثنين وعشرين عاماً من الكفاح والجهاد، تمكّنت المقاومة الإسلامية والوطنية من تحرير جنوب لبنان وبقاعه الغربي، وكان هذا التحرير هو الإنتصار الأول للعرب والمسلمين في تاريخ الصراع ضد الكيان الإسرائيلي، والذي تمكّن فيه المقاومون من تحرير أرضهم من دون أي قيد أو شرط.[54]
عدوان تموز سنة 2006

بعد نجاح المقاومة في عملية الوعد الصادق التي تم فيها أسر عدد من جنود الإحتلال، قرر الكيان الإسرائيلي القيام بعملية عسكرية كبيرة أطلق عليها اسم "حرب لبنان الثانية" وكانت إحدى أهم أهدافها استعادة جنوده. واستمرت الحرب مدة 33يوماً تخللها قصف عنيف شمل كثيراً من المناطق اللبنانية، ومحاولات للتوغل البرّي بائت بالفشل. أما حزب الله فكان يقصف بشكل يومي أهدافاً إسرائيلية في عمق الكيان الإسرائيلي، وقد سعى العدو جاهداً لإيقاف إطلاق الصليات الصاروخية عبر محاولته استهداف منصّات إطلاقها وأماكن تخزينها، من دون أن يتمكن من تحقيق هذا المسعى.

وفي الأيام الأخيرة للعدوان انخفض مستوى أهداف الحرب، لتتحول إلى السيطرة على مجرى نهر الليطاني، فكانت عملية التصدي الكبيرة التي قامت بها المقاومة في وادي الحجير والتي استهدفت فيها رتلاً كبيراً من الدبابات المتّجهة صوب منطقة النهر، فيما سُمي لاحقاً بمجزرة الميركافا. وقد اضطر الكيان الصهيوني إلى استصدار قرار من الأمم المتحدة لإنهاء الحرب وفق شروط شكلية بعد عدم تمكنه من إنجاز أي هدف من عدوانه، فانتهت الحرب في الرابع عشر من آب، لتبدأ عملية إعمار ما هدمه الجيش الإسرائيلي مباشرةً.[55]

المجتمع اللبناني

الأسرة اللبنانية

الأسرة اللبنانية بطبيعتها أسرة معيشية محدودة العدد، وكانت تتجه نحو حسم استقلاليتها عن العائلة الأكبر لتصبح خلية مستقلة بكيان مستقل له مصالحه واهتماماته وقناعاته، والمراد بالعائلة الأكبر هو الكيان الإنتربولوجي الواسع والقائم على صلات الدم والأصل المشترك وحمل الاسم نفسه. ونتيجة لانكشاف الأفراد والأسر الصغيرة خلال الحرب وحوادثها المتلاحقة، صارت الأسرة تختار لسكنها أن يكون قريباً من سكن الأقرباء. هذا ومن المُلاحَظ أنّ الأسرة تُكثر من الاجتماع مع هؤلاء الأقارب في عدد من المناسبات، مما جعل هذه الأسر تشترك في المواقف والأفكار ووجهات النظر.[56]

ونشرت "اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة اللبنانية" دراسة "الحوار والديمقراطية في الأسرة اللبنانية" وشملت الدراسة عيّنة من النساء والرجال المتزوجين تصل إلى 645 فرداً، تمّ انتقائهم وفقاً للمستويات التعليمية والمناطقية والطائفية بصورة متوازية. وتبيّن أنّ النساء المتعلمات يتناقشن وأزواجهن، ولكن القرار الأخير يعود إلى الزوج، حيث تشير الأرقام إلى أنّ الأخذ برأي الزوجة لم يحصل إلاّ في 1.2 في المئة من حالات الدراسة، على الرغم من أنّ نسبة الزوجات المتعلمات والعاملات في عينة الدراسة، فاقت النصف.

ويُظهر استقصاء الديمقراطية في الأسرة أنّ المرأة لا تشارك مشاركة فعالة في اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بأسرتها، والقرار الأخير بعد الحوار (إذا حصل) يعود إلى الزوج. فالزوجة تتولى إدارة شؤون المنزل وتربية الأطفال والزيارات والاستقبالات، بينما تبقى القرارات المهمة والحاسمة في يد الرجل، مثل اختيار مدرسة الأولاد وتأمين الحماية واختيار السكن وقرار السفر.

وأكّد المشاركون في الدراسة أنّ الأسباب المادية من الأسباب الأساسيّة للنزاع داخل الأسرة. وكشفت الإجابات عن تباين بين آراء الذكور والإناث، كاعتبار الذكور أنّ فرض سيطرة المرأة والصراع على السلطة هو سبب من أسباب النزاع، بينما أشارت النساء إلى أنّ أحد أسباب النزاع هو المجتمع الذكوري والعنف.

وعلى الرغم من أن المستطلَعين (ذكوراً وإناثاً بنسب متقاربة) أجمعوا على أنّ الحوار هو الوسيلة المثلى لحل النزاع (70.9 في المئة)، إلا أنّه تبين أن رأي الزوج هو الحاسم بنسبة 10.2 في المئة من الحالات، وتدخل طرف ثالث بنسبة 1.9 في المئة، فيما لم يقفز ترجيح رأي الزوجة عن 1.2 في المئة. وخلصت الدراسة الى ثلاثة تحديات تواجه الأسرة اللبنانية: "النقص في الوعي لحقوقها رجالاً ونساء، التمييز والإجحاف في قوانين الأحوال الشخصية، والحاجة الملحة الى تمكين المرأة من ذاتها ومحو أميتها القانونية".[57]

المجتمع اللبناني والتماسك الإجتماعي

تتميز تركيبة المجتمع اللبناني بتداخل عوامل عديدة مؤثرة تشكل مجتمعةً تحدياً على المستوى الإجتماعي. ومن هذه العوامل: استمرار العديد من الآثار النفسية السلبية الناتجة عن الحرب الأهلية اللبنانية. هذه الآثار تظهر في القيود التي يفرضها عدد كبير من اللبنانيين على أنفسهم في تنقلاتهم وخاصة في إعادة تغيير أماكن سكنهم. كما أنّ هذه الآثار تعبر عن نفسها أيضاً من خلال الوزن المهم الذي ما زال الانتماء الطائفي يتمتع به سواء في العلاقة بالآخرين أو بالمواقع والمواقف السياسية.

كما يمكن القول أنّ الآثار الناجمة عن الحرب في لبنان وعن الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة لا تقل عن تلك التي نجمت عن الحرب العالمية الثانية في أوروبا إذا ما قيست بشكل نسبي وفقاً لحجم الدولة وعدد السكان، فآثار الحرب أصابت معظم الأسر في لبنان. ولبنان الذي مرّ بعدّة تجارب عنيفة, إن كانت من الحروب الداخلية أو الاحتلال الإسرائيلي, يعتبر من بين أكثر ثماني دول اضطراباً حسب دراسة أجرتها اللجنة الدولية للصليب الحمر في 8 دول اختبرت أو تختبر حالياً نزاعات مسلحة , واستخلصت دراسة إنّ جميع اللبنانيين تقريباً ذاقوا هول النزاعات المسلحة أو العنف. وتبين أن 96% من اللبنانيين تأثروا فعلياً بشكل ما بالنزاعات المسلّحة، وكانت لـ 75 % منهم تجربة خاصة فيها؛ ومن انعكاساتها النفسية :

  • قلق كبير لدى 62 % .
  • حزن لدى 55 % .
  • رغبة في النتقام لدى 34 % .
  • وتزعزع الثقة لدى 20%.

وعندما سئلوا عن خوفهم الأول، تقدم "خوف واحد" على بقية المخاوف، وهو أن "يخسر المرء أحبّاءه".[58]

أما العامل الثاني فيتمثّل في الفقر الذي يطال شريحة واسعة من السكان والذي ينتج عن صعوبة وعن مستوى كلفة المعيشة المرتفع في إعادة إطلاق النشاط الاقتصادي للبلد منذ نهاية الحرب لبنان ما بعد الحرب، كما ينتج أيضاً عن الفوارق الكبيرة جداً في توزيع الدخل. إن الأرقام المتعلقة بالفقر قد تتغير تبعاً للمصادر الإحصائية، ولكن كل هذه المصادر تلتقي على تبيان مدى اتساع هذه الظاهرة.[59]

الثقافات اللبنانية

لكلٍ من جماعات لبنان تاريخها الخاص وصراعها على تاريخ لبنان، وغالبًا ما تنسب إلى نفسها صناعة هذا البلد. لذلك يمكن القول أنّ الأقوال التي تتحدث عن ثقافة واحدة في لبنان أمر يتنافى مع الواقع الديموغرافي والديني الطائفي والفكري والاقتصادي والسياسي. فالكلام عن السياسة الثقافية في لبنان ينبغي أن ينطلق من هذا الإطار الثقافي الطائفي، وفي الآن نفسه المنفتح على الخارج، لأن لكل طائفة من طوائف لبنان السبع عشرة تنتمي في جذورها إلى ثقافة خارجية خاصة بها.[60]

لكن يمكن وصف المظاهر الثقافية التي شهدها لبنان فقد شهدت بيروت والجبل في العشرينيات تحولّاً بأنماطها نحو ثقافة الترفيه التي تحاكي الغرب، تحت شعاراتها البرّاقة ودخلت السينما والمسرح "البرجوازي" إلى الحياة المدنية، حتّى أنّ بعض المثقفين المسلمين انجذب إلى فكرة ما يُسمى (النهضة والتقدم الإجتماعي)، فأطلقت عائلات بيروتيّة دعوات (لتحرير المرأة والتجدد االجتماعي في العالم الإسلامي) بما في ذلك نزع الحجاب الذي أسهمت في تسويقه السينما اللبنانية - المصرية من خلال تعميم صورة المرأة السافرة في الثالثينيات. [61]

وبعد تحرر لبنان من الاستعمار الفرنسي برزت عوامل تنامي تيّار الوحدة العربية والتحولات في البلدان المحيطة، وارتفاع مستوى التعليم الجامعي والوعي السياسي واالاجتماعي، والفورة النفطية، واحتلال فلسطين، هذه العوامل مجتمعة ساهمت في تأسيس حياة ثقافية وسياسية ناشطة جداً أسهمت في رفع مستوى الثقافة والفنون في لبنان ومحيطه، ولا سيما الثقافة الملتزمة سياسياً واجتماعياً. وقد أصبحت بيروت المركز الرئيسي لتبادل الأفكار ولإحداث نقلة سياسية واقتصادية.

وفي مرحلة السبعينيات، عرف لبنان الجمود والأزمة السياسية واالاقتصادية، ونشاطا ً ثقافياً ملتزماٌ بالقضايا الوطنية والعربية، مهد للحرب الأهلية. وعندما انشطرت العاصمة وانقسم لبنان إلى فريقين مناوئين، كان لكل منهما ثقافته الخاصة: ففي العام 1976 أسس أمين الجميل "بيت المستقبل" كمركز للبحوث والمحاضرات والتوثيق والدراسات، ولاحقاً دعا"بيت المستقبل" عدداً كبيراً من المثقفين والمفكرين والفنانين، لوضع سياسة وخطط مستقبلية ل"تطهير وجه لبنان الثقافي وتحديثه".

كما التزم قسم كبير من المثقفين بالقضايا الوطنية والعربية (الفلسطينية) والقضايا االاجتماعية، مما أسهم بنمو حركة ثقافية لعبت دوراً في تحويل المزاج الشعبي لصالح الثقافة المقاومة أو الوطنية الإجتماعية.[62]

الهوامش

  1. راجع: الدستور اللبناني ص 3.
  2. http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=160802&m=1
  3. http://www.ministryinfo.gov.lb/sub/Lebanon/GeneralInformation.aspx
  4. راجع: http://kadmous.org/wp/%D9%85%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9-12-%D8%A3%D9%84%D9%81-%D9%83%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%85%D8%AA%D8%B1-%D9%85%D8%B1%D8%A8%D8%B9/
  5. http://www.ministryinfo.gov.lb/sub/Lebanon/GeneralInformation.aspx
  6. راجع: http://www.destinationlebanon.gov.lb/ar/DiscoverLebanon/details/1/5
  7. http://www.lebarmy.gov.lb/ar/news/?24769#.VXs820YeKCk
  8. راجع: http://www.arab-ency.com/index.php?module=pnEncyclopedia&func=display_term&id=160802&m=1
  9. الموسوعة العربية العالمية، ط2، ج 21، ص 72.
  10. راجع: المرجع السابق.http://www.destinationlebanon.gov.lb/ar/DiscoverLebanon/details/1/5
  11. الموسوعة العربية العالمية، ج17، ص726.
  12. http://www.ministryinfo.gov.lb/sub/Lebanon/History.aspx?media=print
  13. فتوح الشام: ج 1، ص 8.
  14. راجع: فتوح البلدان: ص 112.
  15. تاريخ فتوح الشام: ص 11، فتوح الشام: ج 1، ص 10، تاريخ الطبري، ج 3، ص 224، تاريخ دمشق: ج 22، ص 473، أمراء دمشق: ص 98.
  16. راجع: فتوح الشام: ج 1، ص 104 و 125.
  17. راجع: فتوح الشام: ص 21، فتوح البلدان: ص 139، الكامل: ج 2، ص 83.
  18. الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل من الفتح الإسلامي حتى السيطرة العثمانية ج1 ، ص48.
  19. http://www.yasour.info/?page=70
  20. الغدير: ج 8 ص 456.نقلاً عن الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل، ص 57.
  21. أمل الآمل: ج 1ص 13. نقلاً عن الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل، ص 58.
  22. الاستيعاب: ج 1 ص 321. نقلاً عن الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل، ص 58
  23. الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل، ص 58.
  24. راجع:http://www.aqaed.com/shia/world/lebanon/
  25. راجع: http://www.mepanorama.net/439338/4
  26. http://www.shiaali.net/vb/showthread.php?t=92116
  27. المرجع نفسه
  28. http://ganjoor.net/naserkhosro/safarname/sh22/
  29. طرابلس الفيحاء: المعالم العمرانية والحضارية.
  30. الحلقة الضائعة من تاريخ جبل عامل من الفتح الإسلامي حتى السيطرة العثمانية، ص 149.
  31. http://www.bintjbeil.org/index.php?show=news&action=article&id=37532
  32. زين الدين، محمد، التشيّع، ص204.
  33. آل سيف، فوزي، صفحات من التاريخ السياسي للشيعة، ص 92.
  34. مجلة الفتح، العدد السادس والعشرون، الدور السياسي والثقافي لبنو عمار في إمارة طرابلس، جامعة ديالى/كلية التربية ص 258-260.
  35. المقريزي: اتعاظُ الحُنفاء بأخبار الفاطميين الخُلفاء، ط. القاهرة 4918 م / 255. نقلاً عن المهاجر، محمد جعفر، المرجع السابق.
  36. راجع: الأمين، حسن، مستدركات أعيان الشيعة، ج2، ص356، نقلاً عن منار الهدى، ص53، 54، 55.
  37. http://www.almaaref.org/books/contentsimages/books/almaaref_alislameya/manar_alhouda/page/lesson3.htm
  38. محمد علي مكي، لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني، ص205، عن http://www.al-najaf.org/resalah/17/17_08.htm#_edn32.
  39. المرجع نفسه، ص205 عن القلقشندي صبح الأعشى، ج5، ص455، عن http://www.al-najaf.org/resalah/17/17_08.htm#_edn32
  40. محمد علي مكي، المرجع نفسه، ص268، عن http://www.al-najaf.org/resalah/17/17_08.htm#_edn34.
  41. تاريخ غزوة السلطان سليم الإشبيلي ص129، نقلاً عن: تاريخ الشيعة في لبنان، ج 1، ص45.
  42. voyage en syrie et en egypte, volney,p:247 نقلاً عن: تاريخ الشيعة في لبنان، ج 1، ص43.
  43. تاريخ الشيعة في لبنان، ج 1، ص44.
  44. مخطوطة عثمانية غير موقعة وضعت في القرن السابع عشر و موضوعها النزاع العثماني الصفدي و خلفياته المذهبية بأسلوب ساخر شعرا و نثراً نقلاً عن نقلاً عن: تاريخ الشيعة في لبنان، ج 1، ص54.
  45. بيت بمنازل كثيرة، كمال الصليبي ص 165. نقلاً عن: تاريخ الشيعة في لبنان، ج1، ص85.
  46. لبنان من الفتح العربي إلى الفتح العثماني، محمد علي مكي، ص266، نقلاً عن: تاريخ الشيعة في لبنان، ج1، ص85.
  47. اتاريخ الشيعة في لبنان، ج1، ص: 86.
  48. المصدر نفسه، ج1، ص86.
  49. مركز نون للتأليف والترجمة، منار الهدى، ص88.
  50. مركز نون للتأليف والترجمة، منار الهدى، ص99،101.
  51. مركز نون للتأليف والترجمة، منار الهدى، 105، 106.
  52. مركز نون للتأليف والترجمة، منار الهدى، ص107.
  53. راجع: الدستور اللبناني ص20.
  54. http://moqawama.org/uploaded1/flashes/infograph/30years2013/index.html
  55. راجع: http://moqawama.org/catessays.php?cid=321&pid=200
  56. راجع: http://www.centre-catholique.com/newsdetails.asp?newid=23017.
  57. راجع: http://lkdg.org/ar/node/7278
  58. مهنا, كامل، النزاعات المسلحة وآثارها على الأسرة، معهد الدوحة الدولي للدراسات السرية والتنمية، الدوحة، 2010، ص9_10.
  59. الإئتلاف الإستشاري دار الهندسة- إيوريف، الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، تحديات المستقبل، 2005، لا.ن، ص11.
  60. حمادي، وطفى و:ريتا عاذر: السياسات الثقافية في لبنان، المورد الثقافي، ص17.
  61. راجع: تاريخ بيروت - سمير قصير - ص 298. نقلاً عن حمادي، وطفى و:ريتا عاذر: السياسات الثقافية في لبنان، المورد الثقافي، ص2.
  62. حمادي، وطفى و:ريتا عاذر، ص: 3-4.

المصادر والمراجع

الاستيعاب: ج 1 ص 321.

http://www.al-najaf.org/resalah/17/17_08.htm#_edn32

  • تاريخ غزوة السلطان سليم الإشبيلي
  • تاريخ الشيعة في لبنان،
  • voyage en syrie et en egypte, volney,p:247
  • بيت بمنازل كثيرة، كمال الصليبي
  • مركز نون للتأليف والترجمة، منار الهدى، ص88.
  • http://moqawama.org/
  • http://www.centre-catholique.com/newsdetails.asp?newid=23017.
  • http://lkdg.org/ar/node/7278
  • مهنا, كامل، النزاعات المسلحة وآثارها على الأسرة، معهد الدوحة الدولي للدراسات السرية والتنمية، الدوحة، 2010، ص9_10.
  • الإئتلاف الإستشاري دار الهندسة- إيوريف، الخطة الشاملة لترتيب الأراضي، تحديات المستقبل، 2005، لا.ن، ص11.
  • حمادي، وطفى و:ريتا عاذر: السياسات الثقافية في لبنان، المورد الثقافي، ص17.
  • تاريخ بيروت - سمير قصير - ص 298.
  • حمادي، وطفى و:ريتا عاذر: السياسات الثقافية في لبنان، المورد الثقافي، ص2.

معرض الصور