انتقل إلى المحتوى

مسودة:اختيار الإنسان

من ويكي شيعة
مقالة اختيار الإنسان
معتقدات الشيعة
‌معرفة الله
التوحيدالتوحيد الذاتيالتوحيد الصفاتيالتوحيد الأفعاليالتوحيد العبادي
الفروعالتوسلالشفاعةالتبرك
العدل
الحسن والقبحالبداءالجبر والتفويض
النبوة
عصمة الأنبياءالخاتمية نبي الإسلامعلم الغيبالإعجازعدم تحريف القرآنالوحي
الإمامة
العصمةعصمة الأئمةالولاية التكوينيةعلم الغيبالغيبةالغيبة الصغرىالغيبة الكبرىإنتظار الفرجالظهورالرجعةالولايةالبراءةأفضلية أهل البيت
المعاد
البرزخالقبرالنفخ في الصورالمعاد الجسمانيالحشرالصراطتطاير الكتبالميزانيوم القيامةالثوابالعقابالجنةالنارالتناسخ
مسائل متعلقة بالإمامة
أهل البيت المعصومون الأربعة عشرالتقية المرجعية الدينية


اختيار الإنسان في أفعاله، هو أحد معتقدات الشيعة وبعض الفرق الإسلامية الأخرى، وفي مقابله تقع نظرية الجبر. يعتقد القائلون بالاختيار أنّ الإنسان مؤثر في سلوكياته الإرادية والواعية، وأنّ أفعاله تُنسب إليه نفسه، وأنّ العلم الإلهي والإرادة والمشيئة الإلهية لا تمنع الأفعال الإرادية للإنسان. يرتبط بحث اختيار الإنسان بمباحث مثل الإرادة الإلهية، والعلم الإلهي المسبق، والعدل الإلهي، وأحاديث الطينة، ويُبحث في كتب الكلام ضمن موضوع أفعال الله تحت عنوان الجبر والاختيار.

ويُصنف القائلون بالاختيار ضمن أربع مدارس على الأقل: تفويض المعتزلة، والوجوديون (الأكزستنشاليست)، والمؤمنون بالكسب، والمعتقدون بنظرية الأمر بين الأمرين. ويُعد الشيعة الإمامية، استناداً إلى أحاديث أئمة الشيعة، من المؤمنين بنظرية "الأمر بين الأمرين".

ويعتبر القائلون باختيار الإنسان أن هذا الاعتقاد بديهي ولا يحتاج إلى استدلال. ومن وجهة نظرهم، فإنّ التفات الإنسان إلى بعض الأمور مثل الحياء والمباهاة، وتحمل المسؤولية، والتوبيخ والتشجيع، والتردد والتفكير لاتخاذ القرار، كلها شواهد تدل على اختيار الإنسان. كما استندوا إلى آيات القرآن والأحاديث المتعددة لإثبات الاختيار.

تتمثل أهم التحديات التي تواجه الاعتقاد بالاختيار في أمرين: الأول هو دور العلم الذاتي والمسبق لله بسلوكيات البشر، والثاني هو أحادیث الطينة التي تربط سعادة البشر وشقاءهم بجبلّة (فطرة) قُدِّرت لهم قبل خلقهم. ويعتقد علماء الشيعة أن علم الله المسبق بسلوكيات الإنسان قد تعلق بها بوصفها أفعالاً "اختيارية" لا جبرية، كما ذكروا معاني تأويلية لأحاديث الطينة لتنسجم مع المعتقدات الأساسية للإمامية، وهي العدل الإلهي واختيار الإنسان.

ما هو الاختيار ولماذا هو مهم؟

لا توجد عبارة موحدة لتعريف الاختيار، فقد عرّفه المفكرون من وجهات نظر متنوعة. وقد جمع بعض الباحثين 12 تعريفاً لمؤلفين مسلمين وغير مسلمين.[١] أما المتكلم الشيعي جعفر السبحاني، فقد رأى أن مفهوم الاختيار غني عن التعريف، واكتفى بتوضيحه من خلال المقارنة بين حركة اليد المرتعشة (اللاإرادية) وحركة اليد السليمة (الإرادية).[٢]

كون الإنسان مختاراً يعني عدم كونه مجبراً في أفعاله الواعية. وتقع نظرية الاختيار في مقابل نظرية الجبر، وتُناقش في المباحث اللاهوتية عند قياس النسبة بين أفعال الإنسان والقدرة والإرادة الإلهية.[٣] ويعتقد القائلون بالاختيار أن البشر أحرار من قبل الله في اختيار وسلوكياتهم، وأن الإرادة والعلم والقضاء والقدر الإلهي لا يمنعون اختيار الإنسان، وأن للأفراد تأثيراً حقيقياً في إيجاد أفعالهم.

يرتبط اختيار الإنسان ارتباطاً مباشراً بآيات التقدير في القرآن، وأجل الإنسان، وتقدير الرزق، وعلم الله المسبق[٤]

أدلة اختيار الإنسان

تُعتبر نظرية اختيار الإنسان نظرية ملازمة للعقل البشري، بحيث لا يمكن تحديد نقطة بداية زمنية لها.[٥] وبين المسلمين، ذهبت العدلية وخاصة الشيعة -استناداً إلى أصلي العدل والحكمة الإلهية- إلى القول باختيار الإنسان في الأفعال التي تقع في دائرة التكليف الشرعي، والتي يُمدح الإنسان أو يُذم عليها؛ ذلك لأن تكليف الإنسان المُجبر ومدحه أو ذمه على فعل صدر منه قسراً هو أمر قبيح وغير جائز عقلاً.[٦]

العدل الإلهي
تعريف العدل الإلهي
الحسن والقبح
مسألة الشر
الجبر والاختيار
الأمر بين الأمرين
القضاء والقدر
النظام الأحسن
المستضعف الفكري
تكليف ما لا يطاق
الاستطاعة
قبح العقاب بلا بيان
العذاب الأبدي
الخلقة الإجبارية
العدالة التشريعية

بداهة اختيار الإنسان

يُعتبر الدليل الأول على اختيار الإنسان هو "البداهة"، حيث يمكن إدراك هذه النظرية بالرجوع إلى الفطرة الإنسانية.[٧] وقد صرح بذلك خواجه نصير الدين الطوسي في کشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد،[٨] والطباطبائي والمطهري في أصول الفلسفة ومنهج الواقعية،[٩] والسبحاني في كتابه "الجبر والاختيار".[١٠]

الاستناد إلى القرآن

تمسك القائلون بالاختيار بـ آيات من القرآن الكريم لإثبات مدعاهم القائل بنسبة فعل الإنسان إليه نفسه. وقد صنف الفيلسوف واللاهوتي الشيعي محمد تقي جعفري الآيات القرآنية في هذا الصدد إلى عدة مجموعات: طائفة من الآيات تعتبر العذاب والمصائب الدنيوية نتيجة لسلوك البشر، وطائفة أخرى تنسب أفعال الإنسان إليه كقوله تعالى: «كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ»، ونحو 80 آية تنسب الظلم إلى البشر أنفسهم مثل الآية 70 من سورة التوبة، وآيات صريحة في أن البشر أحرار في الاختيار مثل الآية 3 من سورة الإنسان التي تقول: «إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا».[١١]

وبناءً على بحث "جعفري"، فقد نُسبت كلمة الإرادة في القرآن إلى الله 43 مرة، وإلى الإنسان 94 مرة، ولا توجد آية واحدة استعملت إرادة الله كإرادة ناظرة (مهيمنة قسرية) على أفعال الإنسان الاختيارية.[١٢] كما أشار إلى آيات تجعل نتيجة إرادة الإنسان مورداً لإرادة الله (بمعنى الإمضاء والقدرة) مثل الآية 18 و19 من سورة الإسراء.[١٣]

الاستناد إلى الأحاديث

استند القائلون بالاختيار أيضاً إلى أحاديث مروية عن أهل البيت (ع) صرحت وأكدت على منافاة الجبر للعدل الإلهي وحكمته، وللتكليف والوعد والوعيد والثواب والعقاب الإلهي.

وفي رد الإمام عليعليه السلام من يظنون أنّ القضاء والقدر الإلهي يستلزمان إجبار الإنسان، قال: «لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ وَ لَسَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ وَ لَمْ يَكُنْ عَلَى مُسِي‏ءٍ لَائِمَةٌ وَ لَا لِمُحْسِنٍ مَحْمَدَةٌ.»[١٤] وسأل محمد بن عجلان الإمام الصادقعليه السلام: هل أجبر الله العباد على أفعالهم؟ فأجاب الإمام (ع): «اللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ عَبْداً عَلَى فِعْلٍ ثُمَّ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ.»[١٥] كما نُقل نفس هذا الجواب عن الإمام الرضاعليه السلام لـحسن بن علي الوشاء[١٦]

الاستدلالات العقلية والوجدانية

اعتبر متكلمو العدلية أن نظرية الجبر تتنافى مع العدل الإلهي، واستدلوا على اختيار الإنسان بالاستناد إلى عدل الله وحكمته،[١٧] وكما قال واصل بن عطاء: إن الله عادل وحكيم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر به، أو يجبرهم على فعل ثم يعاقبهم عليه.[١٨]

أشار المتكلم الشيعي ابن ميثم البحراني إلى أن كون الإنسان مختاراً هو أمر بديهي غني عن الاستدلال، وذكر نقطتين للتنبيه على هذا الأمر: الأولى أن كل عاقل يؤيد مدح المحسن وذم المسيء، ولو لم يكن البشر هم الفاعلين لأعمالهم لما كان لهذا المدح والذم معنى. والثانية تأكيده على أننا ندرك وجدانياً أن أفعالنا تابعة لدوافعنا، وليس الاختيار سوى هذا المعنى.[١٩]

وفي كتابه "الجبر والاختيار"، استعرض محمد تقي جعفري عدة ظواهر في حياة الإنسان كأدلة على الاختيار، وهي: الندم، الشعور بالمسؤولية، الخزي والعار، اختلاف دوافع أداء التكليف، وأخيراً الأخلاق.[٢٠] كما ذكرت مصادر أخرى أموراً مثل: التفكير واتخاذ القرار، التردد في القرار، تحمل المسؤولية والوعد، المباهاة والافتخار، والتشجيع والعقاب، كعلامات على الاختيار.[٢١]

أما من المنظور الديني، فإن إرسال الأنبياء وتكليف البشر لا يمكن تصورهما إلا بفرض كون الإنسان مختاراً؛ فبدون الاختيار ستكون دعوة البشر لبناء الذات وأداء الواجبات لغواً وعبثاً.[٢٢] كما أكدت مجموعة من الفيزيائيين، بالاعتماد على مبدأ "عدم اليقين" في ميكانيكا الكم، على إمكانية اختيار الإنسان في مقابل الحتمية النيوتنية.[٢٣]

آراء المتكلمين في تفسير الاختيار

طُرحت ثلاث وجهات نظر رئيسية في تفسير الاختيار، وهي:

1. وجهة نظر التفويض المعتزلي 2. وجهة نظر الأمر بين الأمرين، وهي نظرية الشيعة. 3. وجهة نظر الوجودية (الأكزستنشاليسم).[٢٤]

كما قُدمت نظرية الكسب من قبل الأشاعرة في مقابل نظرية الجبر ودفاعاً عن الاختيار؛[٢٥] ولكن نظراً لعجزها عن تبيين ظاهرة الاختيار، صنفها علماء الشيعة ضمن نظريات الجبر.[٢٦]

نظرية التفويض

تُعد نظرية التفويض من النظريات التي طرحها بعض متكلمي المعتزلة[٢٧] لتبيين اختيار الإنسان.[٢٨] وبناءً على هذه النظرية، فإن فعل الإنسان الاختياري لا يتحقق إلا بواسطته هو، وليس مخلوقاً لله. ونسبة فعل الإنسان إلى الله ليست نسبة حقيقية، بل هي من جهة أن الله خلق الإنسان ومنحه القدرة على أداء الفعل، لكنه لا يتدخل في إيجاد الفعل أو تركه؛ أي أن فعل الإنسان قد فُوِّض إليه من الناحية التكوينية.[٢٩]

استدل القاضي عبد الجبار بأن فعل الإنسان تابع لقصده وإرادته؛ فما يريده يفعله، وما لا يريده لا يفعله، لذا فإن الإنسان هو الموجد لفعله وليس الله.[٣٠] ومن جهة أخرى، فإن في أفعال البشر ظلماً وجوراً، والله منزه عن الظلم والجور.[٣١] كما استند إلى آيات قرآنية عديدة، منها الآية 29 من سورة الكهف، التي أوكلت الكفر والإيمان إلى الإنسان نفسه.[٣٢]

معارضو نظرية التفويض

بالإضافة إلى الجبريين والأشاعرة، يعارض الشيعة وكثير من علماء المعتزلة أنفسهم نظرية التفويض.[٣٣] وقد خصص الشيخ الصدوق، محدث الإمامية في القرن الرابع الهجري، باباً في كتاب التوحيد للأحاديث النافية للجبر والتفويض، ونقل فيه 12 حديثاً.[٣٤]

وبحسب قول المتكلم واللاهوتي الشيعي مرتضى المطهري، فإن هذه العقيدة تتنافى مع التوحيد الأفعالي ومع التوحيد الذاتي.[٣٥] كما يعتقد جعفر السبحاني، المتكلم الشيعي الآخر، أن فكرة التفويض فكرة ثنوية (تؤمن بوجود خالقين)، ولا يمكن لأي مسلم أن يؤمن بها.[٣٦] وكذلك اعتبر ملا صدرا، الفيلسوف الشيعي الشهير، أن التفويض يتنافى مع أصل التوحيد في الخالقية والتدبير.[٣٧]

نظرية الكسب

تُعد نظريّة الكسب التي يؤمن بها أغلبية المتكلمين الأشاعرة أحد التفسيرات التي قُدِّمت لتوضيح اختيار الإنسان وعلاقة أفعاله بالله سبحانه وتعالى.[٣٨] وبحسب قول سعد الدين التفتازاني، فإنه للتوفيق بين اختيار الإنسان وفاعلية الله، لا مفر من القول بأن الله هو "خالق" فعل الإنسان، وأن الإنسان هو "الكاسب" له.[٣٩]

لم تتعرض نظرية الكسب للنقد والإبطال من قِبل خصوم الأشاعرة (متكلمي العدلية) فحسب، بل إن بعض محققي الأشاعرة أنفسهم لم يجدوها كافية لحل مشكلة الجبر؛ حيث اعتبرها أحمد أمين المصري تعبيراً جديداً عن نظرية الجبر،[٤٠] كما يعتقد محمود شلتوت أن تفسير الكسب بالاقتران العادي بين الفعل وقدرة الإنسان دون أن يكون لقدرته تأثير في تحقق الفعل، لا يقوى على توجيه مسألة التكليف وأصل العدل الإلهي ومسؤولية الإنسان.[٤١]

نظرية الأمر بين الأمرين

يُعد تبيين الاختيار بناءً على نظرية «أمر بين الأمرين» هو المنهج الذي سار عليه الشيعة الإمامية. وقد طُرحت هذه النظرية من قِبل أئمة أهل البيت (ع) ولاقت قبولاً لدى متكلمي الإمامية والحكماء الإسلاميين.[٤٢]

بناءً على هذه النظرية، فإن الإنسان مالك لفعله وقادر عليه، وفي الوقت ذاته فعله مملوك لله ومقدور له، وهذان الأمران يقعان في "طول" بعضهما البعض لا في "عرض" بعضهما. وبتعبير آخر، فإن فعل الإنسان في عين استناده إلى الإنسان، مستند أيضاً إلى إرادة الله؛ إلا أن إرادة الإنسان واختياره ليسا في عرض الإرادة الإلهية حتى يكون شريكاً لله في إرادته، بل هما في طولها؛ أي أن إرادة الإنسان واختياره وقدرته هي جزء من "العلة التامة" لأفعاله الاختيارية. وبذلك، لا يكون الإنسان مجبراً لأن ملاك الاختيار (أي القدرة والإرادة) موجود فيه، وفي الوقت نفسه ليس مختاراً مطلقاً؛ وهذا هو معنى "الأمر بين الأمرين" الحاكم على جميع الأفعال الصادرة عن الإنسان.[٤٣]

كما فسر متكلمو الماتريدية الكسب بطريقة تعود إلى "الأمر بين الأمرين"، بل إن بعضهم صرّح بذلك.[٤٤]

تعارض الاختيار مع العلم الإلهي المسبق

يُعد التناقض بين «العلم الذاتي المسبق لله» و«اختيار الإنسان» أحد التحديات في مبحث الاختيار. فقد قيل إنه بناءً على الاعتقاد بالعلم الذاتي لله، فإن الله يعلم بما سيقع وما لن يقع قبل الخلق، ولازم هذا الاعتقاد أن تقع أحداث الوجود وأفعال البشر وفقاً للعلم الإلهي، مما يجعل اختيار الإنسان بلا معنى.[٤٥] وقد قدم الفلاسفة المسلمون والغربيون إجابتين على هذا التحدي:

إمكانية الملاءمة بين العلم الأزلي والإرادة الحرة

أجاب الفلاسفة الإسلاميون، ومنهم ميرداماد، والطباطبائي، والمطهري، بأن الله كما يعلم بأصل تحقق الفعل، فإنه يعلم أيضاً بآلية تحققه. بناءً على ذلك، إذا قام الإنسان بفعل ما باختياره، فإن الله يعلم بأن هذا الفاعل سيقوم بذلك الفعل "باختياره". ومن هنا، فإن العلم المسبق لا يتنافى مع الاختيار فحسب، بل يثبته؛ لأن الله يعلم منذ الأزل ما سيفعله كل إنسان "من تلقاء اختياره".[٤٦]

كما أشار الفيلسوف واللاهوتي الشيعي محمد تقي جعفري إلى نقطتين إضافيتين: الأولى أن العلم ليس له دور عِلّي (سببي) ولا يمكن أن يكون علة لوقوع الحوادث، بل إن ما يسبب إيجاد الشيء هو إرادة الله لا علمه.[٤٧] والثانية أنه إذا كان العلم يسبب الجبر، فإن الله نفسه سيكون مجبراً لأنه يعلم بأعماله علمًا مسبقاً.[٤٨]

إنكار علم الله بأفعال الإنسان المستقبيلة

ذهب بعض الفلاسفة الغربيين إلى أن علم الله المسبق يشمل فقط الموضوعات التي يمكن معرفتها ذاتياً ومنطقياً. ومن ناحية أخرى، فإن ما يتحقق في "المستقبل" ليس له وجود بعد ليكون معلوماً لله "الآن". بناءً على ذلك، فإن علم الله المسبق لا يتعلق بالمستقبل الذي لم يتحقق بعد، تماماً كما أن "قدرة" الله لا تتعلق بالمُحال، وهذا لا يستلزم نقصاً في الذات الإلهية.[٤٩]

أحاديث الطينة والاختيار

أحاديث الطينة ومضمونها هي مجموعة من الروايات التي تشير إلى أن المادة الأولية لخلق البشر ليست متساوية.[٥٠] ويرى مشاهير علماء الشيعة ومنهم الشيخ الحر العاملي، والمحدث الجزائري، وسيد عبد الله شبر، وآقا جمال الخوانساري بتواتر أحاديث الطينة.[٥١]

إن المعنى الظاهري لهذه الروايات يشير إلى مصير محدد مسبقاً للبشر،[٥٢] وقد اعتبرها علماء الشيعة في تضاد مع اختيار الإنسان والعدل الإلهي.[٥٣] حتى أن علماء مثل السيد المرتضى وأبو الحسن الشعراني ضعفوا سند هذه الروايات لكونها خبر واحد، واعتقدوا بوجوب ردها لمخالفتها المباحث العقلية المسلّمة وآيات القرآن.[٥٤]

آراء علماء الشيعة في توضيح أحاديث الطينة

اتخذ علماء الشيعة وجهات نظر متعددة للتوفيق بين هذه الروايات وسائر التعاليم الدينية؛ فقد نقل العلامة المجلسي في مرآة العقول[٥٥] خمسة آراء، ونقل سيد عبد الله شبر في مصابيح الأنوار[٥٦] تسعة أقوال في هذا الصدد.

قام الكثير من علماء الشيعة بـ تأويل هذه الروايات؛[٥٧] حيث قالوا مثلاً إن الله بـ علمه المسبق كان يعلم من سيؤمن باختياره ومن سيكفر، وبناءً على ذلك تعامل معهم في الخلق بهذه الصورة،[٥٨] أو اعتبروا اختلاف "الطينات" حاصلاً نتيجة الامتحان في عالم الذر وتحت تأثير الطاعة والعصيان في ذلك العالم.[٥٩] أو كما ذهب الطباطبائي إلى أن تأثير الطينة في مصير الإنسان هو تأثير إجمالي وبمثابة أرضية مهيئة فقط.[٦٠]

في المقابل، اعتقد فريق مثل أبو الحسن الشعراني أن أحاديث الطينة مخالفة لـ أصول المذهب الإمامي ويجب تنحيتها ولا تصلح للاستناد.[٦١] كما اعتبر البعض هذه الروايات من الموضوعات التي وضعها الغلاة، [٦٢] ورأى آخرون أنها صدرت من باب التقية.[٦٣]

أما السكوت عن هذه الأحاديث فهو الموقف الذي اختاره البعض مثل المجلسي، مؤمنين بأن عقولنا عاجزة عن الإحاطة بحقيقة هذه الأخبار؛ لذا نقبل مفادها تعبداً ونوكل تحليلها وتفسيرها إلى الأئمة (ع) أنفسهم.[٦٤]

الهوامش

  1. قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار (نگاه سوم به جبر و اختیار)، ص71-96.
  2. السبحاني، الجبر والاختيار، ص36.
  3. المطهري، هوامش أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، ج3، ص177؛ خسرو بناه، الكلام الإسلامي الحديث، ج1، ص178.
  4. ولفسون، فلسفة علم الكلام، ص707-713.
  5. السبحاني، الجبر والاختيار، ص36-37.
  6. السبحاني، الجبر والاختيار، ص37.
  7. قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار.
  8. الحلي، كشف المراد، ص308.
  9. الطباطبائي، أصول الفلسفة ومنهج الواقع، ج3، ص179.
  10. السبحاني، الجبر والاختيار، ص37.
  11. جعفري، الجبر والاختيار، ص231-232.
  12. جعفري، الجبر والاختيار، ص234.
  13. جعفري، الجبر والاختيار، ص234.
  14. الصدوق، التوحيد، ص380.
  15. الصدوق، التوحيد، ص361.
  16. الصدوق، التوحيد، ص362.
  17. ولفسون، فلسفة علم الكلام، ص663.
  18. الشهرستاني، الملل والنحل، ج1، ص61.
  19. البحراني، قواعد المرام، ص108.
  20. جعفري، الجبر والاختيار، ص171-185.
  21. قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، ص78-83.
  22. السبحاني، الجبر والاختيار، ص37؛ قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، ص187.
  23. باربور، الدين والعلم، ص423؛ قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، ص186.
  24. السبحاني، الجبر والاختيار، ص45؛ قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، ص97.
  25. ولفسون، فلسفة علم الكلام، ص727-728.
  26. جعفري، الجبر والاختيار، ص229؛ قدردان قراملکي، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، ص240-241.
  27. السبحاني، الجبر والاختيار، ص366.
  28. السبحاني، الجبر والاختيار، ص357.
  29. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج3، ص301-302.
  30. القاضي، شرح الأصول الخمسة، ص226.
  31. القاضي، شرح الأصول الخمسة، ص231.
  32. القاضي، شرح الأصول الخمسة، ص239-243.
  33. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج3، ص306.
  34. الصدوق، التوحيد، ص359-364.
  35. المطهري، الرؤية الكونية التوحيدية، ص40.
  36. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج3، ص305.
  37. ملا صدرا، الأسفار، ج6، ص370.
  38. ولفسون، فلسفة علم الكلام، ص727-728.
  39. خيالي، شرح العقائد النسفية، ص115-117
  40. أمين، ضحى الإسلام، ج3، ص57
  41. السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج2، ص198.
  42. المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص12.
  43. المطهري، هوامش أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، ج3، ص163-174.
  44. جلالي، تاريخ وعقائد الماتريدية، ص269.
  45. انظر: ملا صدرا، الحكمة المتعالية، ج6، ص270–271 وص281–283؛ بلانتينجا وآخرون، الكلام الفلسفي، ص 255–282.
  46. انظر: المطهري، مجموعة الآثار، ج1، ص423–425؛ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ص144؛ ميرداماد، قبسات، ص471–472؛ المطهري، الإنسان والقضاء والقدر، ص125–130.
  47. جعفري، الجبر والاختيار، ص249.
  48. جعفري، الجبر والاختيار، ص250.
  49. انظر: بيترسون، العقل والاعتقاد الديني، ص 130.
  50. رضواني وذاكري، «روایات طینت و اختیار انسان»، ص47-48.
  51. فدائي وموسوي، «تحلیل احادیث طینت و رابطه آن با اختیار انسان»، ص94-95؛ الحر العاملي، الفصول المهمة، ج1، ص420؛ الجزائري، الأنوار النعمانية، ج1، ص212.
  52. محمودي وحسيني، «دیدگاه علامه طباطبایی پیرامون احادیث طینت در تبیین سعادت و شقاوت انسان»، ص78.
  53. شبر، مصابيح الأنوار، ج1، ص35.
  54. المازندراني، شرح أصول الكافي، ج4، ص8؛ شبر، مصابيح الأنوار، ج1، ص11.
  55. المجلسي، مرآة العقول، ج7، ص15.
  56. شبر، مصابيح الأنوار، ص35-39.
  57. غلامي وذاكري، «طینت و عدل الهی»، ص116.
  58. المازندراني، شرح أصول الكافي، ج8، ص5؛ شبر، مصابيح الأنوار، ص38؛ الحلي، مختصر البصائر، ص384.
  59. شبر، مصابيح الأنوار، ص38.
  60. الطباطبائي، الميزان، ج8، ص98-99.
  61. المازندراني، شرح أصول الكافي، ج8، ص4-5.
  62. مدرسي طباطبائي، مكتب در فرآیند تكامل، ص70.
  63. شبر، مصابيح الأنوار، ج1، ص36.
  64. المجلسي، بحار الأنوار، ج5، ص260؛ مسعودي، آسیب‌شناسی حدیث، ص281.

المصادر والمراجع

  • باربور، إيان، الدين والعلم، ترجمة: بيروز فطورجي، طهران، معهد ثقافة وفكر الإسلام، 1392ش.
  • البحراني، ابن ميثم، قواعد المرام في علم الكلام، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1406هـ.
  • بيترسون، مايكل وآخرون، العقل والاعتقاد الديني، ترجمة: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، طهران، نشر طرح نو، 1390ش.
  • بلانتينجا، ألفين وآخرون، الكلام الفلسفي (مجموعة مقالات)، ترجمة: أحمد نراقي وإبراهيم سلطاني، طهران، نشر صراط، 1384ش.
  • الجلالي، سيد لطف الله، تاريخ وعقائد الماتريدية، قم، جامعة الأديان، 1390ش.
  • خسرو بناه، عبد الحسين، الكلام الإسلامي الحديث، قم، تعليم وتربيت إسلامي، 1394ش.
  • الخيالي، أحمد بن موسى، شرح العقائد النسفية، بيشاور، مكتبة علوم إسلامية، 1297هـ.
  • الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، تحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، بلا تاريخ.
  • السبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1428هـ.
  • الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، قم، الشريف الرضي، 1364ش.
  • الطباطبائي، السيد محمد حسين، نهاية الحكمة، قم، مركز الطباعة والنشر، فرع دار التبليغ الإسلامي، بلا تاريخ.
  • الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413هـ.
  • القاضي، عبد الجبار بن أحمد، شرح الأصول الخمسة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1422هـ.
  • قدردان قراملكي، محمد حسن، نظرة ثالثة إلى الجبر والاختيار، طهران، معهد ثقافة وفكر الإسلام، 1384ش.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1403هـ.
  • المطهري، مرتضى، أصول الفلسفة ومنهج الواقعية، طهران، صدرا، بلا تاريخ.
  • المطهري، مرتضى، الإنسان والقضاء والقدر، طهران، منشورات صدرا، الطبعة الرابعة عشرة، 1374ش.
  • المطهري، مرتضى، مجموعة الآثار، طهران، صدرا، 1389ش.
  • ملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1981م.
  • ميرداماد، مير محمد باقر بن محمد، قبسات، باهتمام: محمد مهدي محقق، طهران، منشورات جامعة طهران، 1356ش.
  • ولفسون، هاري أوسترين، فلسفة علم الكلام، ترجمة: أحمد آرام، طهران، الهدى، 1368ش.