خطبة الإمام السجاد عليه السلام في الشام

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

خطبة الإمام السجاد عليه السلام في الشام تعتبر من الأحداث المهمة بعد واقعة الطف، والتي ألقاها الإمام (عليه السلام) في الشام بمحضر يزيد الذي أمر في بادئ الأمر خطيبه أن يرقى المنبر ويمجّد في آل أبي سفيان ويذم أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلما تمكن الإمام (عليه السلام) من ارتقاء تلك الأعواد _بحسب تعبيره_ استطاع أن يعكس الموقف، ويكشف الحقيقة بما ذكر من أوصاف ونعوت لجده وأهل البيت (عليهم السلام).

هذه الخطبة تُعدّ من أعظم الخطب بلاغة وفصاحة في بيان مقام أهل البيت (عليهم السلام) وما حل بهم من ظُلامة بسبب حادثة عاشوراء، وهي خطبة عالية المضامين، وقف عندها كثير من الأعلام وناشدي الفصاحة والبلاغة.

الإمام (عليه السلام) والمواجهة

إن مرحلة الأسر كانت فصلاً استثنائياً حيث كان على الإمام السجاد (عليه السلام)، وبمعزل عن كونه إماماً أن يهيء أرضية التحرك لإقامة الحكومة الإلهية والإسلامية، وكان اللسان الناطق للدماء المسفوكة في عاشوراء، فكان الإمام (عليه السلام) لسان أبي الحسين (عليه السلام) الصامت الذي تجلّى في الشام و الكوفة. فلو لم يكن الإمام (عليه السلام) وصريحاً في بيان القضايا فلن يبقى ـ في الحقيقة ـ مجال لعمله المستقبلي، لأن مجال عمله المستقبلي ينطلق من دم أبيه الحسين (عليه السلام).

فكان لابد له أن يبدأ العمل أولاً بتحذير الناس، ثم في ظل هذا التحذير تبدأ المعارضة الأصولية والعميقة والبعيدة المدى، ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا من خلال الاسلوب الذي اتبعه في بيان مقامات أهل البيت (عليه السلام) من خلال الخطابة والتزام الدعاء والتربية الروحية والأخلاقية.

وأهم خطاب له (عليه السلام) هو خطبته في الشام في مجلس يزيد بن معاوية.

موقف الإمام من الخطيب الأموي

قال الأوزاعي : لما اتي بعلي بن الحسين ورأس أبيه إلى يزيد بالشام قال لخطيب بليغ : خذ بيد هذا الغلام فائتِ به إلى المنبر وأخبر الناس بسوء رأي أبيه وجده وفراقهم الحق وبغيهم علينا !! قال : فلم يدع شيئاً من المساوئ إلا ذكره فيهم[١]، فأكثر الوقيعة في أمير المؤمنين و الحسين (عليهما السلام) وأطنب في تقريظ معاوية و يزيد، فذكرهما بكل جميل.

فقال له الإمام السجاد (عليه السلام) : «ويلك! أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوء مقعدك من النار».[٢].

الإمام يطلب ارتقاء المنبر

قال الخوارزمي : قال علي بن الحسين (عليه السلام): «يا يزيد، ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضى ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب».

فأبى يزيد عليه ذلك.

فقال الناس: يا أمير المؤمنين، أئذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئاً.

فقال: إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان.

فقيل له: يا أمير المؤمنين، وما قدر ما يحسن هذا؟

فقال: إن هذا من أهل بيت قد زُقّوا العلم زقاً.

فلم يزالوا به حتى أذن له.[٣].


تعريف عام بالخطبة

أخذ الإمام (عليه السلام) في فقرات الخطبة بالتعريف عن شخصه؛ من هو، وابن من، ومن هم آباؤه، ومن سلالة من هو، ولم يترك ذكر عمومته أيضاً الحمزة و جعفر (عليهما السلام)، وذكر هذا بأوصاف جده أمير المؤمنين (عليه السلام) وما مجّه به الوحي والنبي (صلى الله عليه وآله).

تفاصيل الخطبة

ابن مكة ومنى

  1. أراد الإمام (عليه السلام) من هذا إثبات أنهم أهل التوحيد وأبناء العبادة لا كما أشاعه بنو أمية ومنهم ذلك الخطيب اليزيدي.
  2. أن الحج ميراثٌ إبراهيمي، والمسلمون عرفوا هذه المناسك متّحدة ممزوجة باسم النبي إبراهيم (عليه السلام)، والإمام بهذا يريد أن يبين أنهم (عليهم السلام) ذرية إبراهيم الخليل.
  3. أراد بهذا أن يقول إننا ذرية من أحيا هذه الشعيرة الإبراهيمية وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله).

ابناء النبي

تعريف الإمام (عليه السلام) بالنبي (صلى الله عليه وآله) والإشارة إلى فضائله ليس إلاّ ليعلم أهل الشام المغرر بهم أنّ هؤلاء الأسرى هم أبناؤه، وإلاّ فأهل الشام يعرفون من هو النبي (صلى الله عليه وآله)،

التعريف بأمير المؤمنين

بسبب ما أشاعه معاوية من الطعن في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام)، اضطر الإمام (عليه السلام) للتعريف بجده والإكثار من ذكر فضائله وما نعته به الوحي والنبي (صلى الله عليه وآله)، فكانت هذه الفرصة القصيرة كافية للتعريف بأمير المؤمنين (عليه السلام).

الضارب بالسيفين

قد يكون إشارة إلى السيفين اللذين أهداهما الحارث بن أبي شمر الغساني ـ ملك الغساسنة ـ لصنم قريش "منات" اسم أحدهما مخذم والآخر رسوب، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قد وهبهما لأمير المؤمنين (عليه السلام).

ويرى العلامة المجلسي (رحمه الله) أن هذه التسمية بسيف التنزيل في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) وبسيف التأويل بعده. أو أنه أخذ بسيفين في بعض الغزوات معاً، أو سيفاً بعد سيف كما كان في غزوة أحد، أعطاه النبي (صلى الله عليه وآله) ذي الفقار بعد تكسر سيفه. أو إشارة إلى ما هو المشهور من أن ذا الفقار كان ذا شعبتين[٤].

هاجر الهجرتين

إشارة إلى مهاجرة أمير المؤمنين (عليه السلام) التي ذكرهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما سأله الأعرابي قال: «يا أعرابي والذي فلق الحبة وبرأ النسمة وسطح الأرض على وجه الماء لقد سألتني عن سيد كل أبيض وأسود، وأول من صام وزكى وتصدق، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، وهاجر الهجرتين، وحمل الرايتين، وفتح بدرا وحنين، ثم لم يعص الله طرفة عين»[٥]، و الأولى من مكة إلى المدينة، وأما الثانية فقد تكون خروجه من المدينة إلى الكوفة.

وكذلك إشارة إلى قول اميرا لمؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة : «أنا المتختّم باليمين، والمعفّر للجبين، أنا الذي هاجرت الهجرتين، وبايعت البيعتين، أنا صاحب بدر وحنين»[٦].

وذكر العلامة المجلسي (رحمه الله) عن أبي بكر الشيرازي، عن ابن عباس أنّ الهجرتين مع جعفر من مكة إلى الحبشة ومن الحبشة إلى المدينة[٧].وهذا بعيد إذ لم يذكره أحد من المؤرخين.

بايع البيعتين

إشارة إلى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب بعثه إلى معاوية : «أنشدكم بالله هل تعلمون أن الرجل الذي شتمتموه صلى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعاً وأنت في ضلالة تعبد اللات والعزى، وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرضوان وبيعة الفتح، وأنت يا معاوية بالأولى كافر، وبالأخرى ناكث » [٨].

وكذلك إشارة إلى قول اميرا لمؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة : «أنا المتختّم باليمين، والمعفّر للجبين، أنا الذي هاجرت الهجرتين، وبايعت البيعتين، أنا صاحب بدر وحنين»[٩].

مؤيد بجبرئيل وميكائيل

إشارة إلى يوم بدر، قال ابن عبد البر : وقد روي أن جبرئيل وميكائيل عليهما السلام مع علي (رضي الله عنه)[١٠].

مظلومية الحسين

بعد ذكر نسبه والتعريف بآبائه الطاهرين، أخذ الإمام السجاد (عليه السلام) في بيان مظلومية أبيه الحسين (عليه السلام) وكيف استشهد ظلماً وجوراً، والتي بدورها فتحت أفق النظر عند الشاميين وتغيير المعلومات المغلوطة التي رسمها معاوية طوال 40 سنة تسلّط فيها على بلاد الشام، وهذا ما دعا بيزيد (لعنه الله) ليدفع بالمؤذن ليقطع على الإمام (عليه السلام خطبته) وكان يعلم بذك حيث قال : "لا ينزل إلا بفضيحتي وفضيحت آل أبي سفيان"[١١].

الهوامش

  1. المازندراني، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 305
  2. الخوارزمي، مقتل الحسين ص 69
  3. الخوارزمي، مقتل الحسين ص 69
  4. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار ج 39 ص 341 ـ 342
  5. البرقي، أحمد بن محمد بن خال، المحاسن ج 2 ص 331
  6. الصدوق القمي، محمد بن علي، الأمالي، المجلس 7 حديث 2 ص 77
  7. المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار ج 38 ص 229
  8. الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج ج 1 ص 405
  9. الصدوق القمي، محمد بن علي، الأمالي، المجلس 7 حديث 2 ص 77
  10. الأندلسي، ابن عبد البر، الاستيعاب ج 3 ص 1101
  11. الخوارزمي، أحمد، مقتل الحسين ص 69

المصادر