البكاء

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

البكاء، هو سيلان الدموع من العين، وذلك لأسباب مختلفة كالحزن والفرح، وقد ذكر الله تعالى البكاء في القرآن الكريم بصيغ مختلفة، كما أنّ للبكاء مكانته في السنة النبوية ومدرسة أهل البيت عليهم السلام.

ومن أبرز الأخبار الواردة في هذا المقام هو مصيبة الإمام الحسين عليه السلام والحث على البكاء عليه، فضلاً عن بكاء الكون عليه عند الفريقين من السنة والشيعة.

تعريف البكاء وأنواعه

البكاء: هو سيلان الدمع عن حزن وعويل.[1] وقد ذكر العلماء أنواعاً للبكاء:

  • الأول: بكاء الرحمة والرّقّة.
  • الثاني: بكاء الخوف والخشية.
  • الثالث: بكاء المحبة والشوق.
  • الرابع: بكاء الفرح والسرور.
  • الخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
  • السادس: بكاء الحزن.[2]

حكم البكاء

البكاء في الشريعة الإسلامية

إنّ للبكاء شأن عظيم في الشريعية الأسلامية، وقد حثَّ عليها الإسلام في القرآن والسنة.

البكاء في القرآن

إنّ الله تبارك وتعالى في آيات متعددة ذكر البكاء بأشكال شتى ولأسباب مختلفة، فمن ذلك:

  • ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا.[5]
  • ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا.[6]
  • ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ.[7]
  • ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى.[8]
  • ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ.[9]

فهي كما تقدّم في بعض الآيات المذكورة صفة العارفين وشعار عباد الله الصالحين، أو الإفراط بالبكاء كبكاء يعقوب عليه السلام في فراق يوسف عليه السلام حيث أمسى أعمى:

  • ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ.[10]

البكاء في السنة

فقد اعتنت السنة النبوية على هذا الجانب وكذلك الروايات الواردة عن أهل البيت عليهم السلام والصحابة مما يبين مكانة البكاء في الشريعة الإسلامية، وقد اختص للبكاء بعض الأبواب في كتب الحديث، كما هناك تأليفات في هذا المجال منها: كتاب الرقة والبكاء لابن أبي الدنيا، والبكاء من خشية الله لأبي الفرج المصري، والبكاء عند قراءة القرآن لعبدالله اللحدان، .....ومنها:

البكاء من خشية الله

فمن الروايات الواردة في البكاء من خشية الله، هي:

  • قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله..)، وذكر منهم: (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).[11]
  • عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم".[12]
  • عن أنس بن مالك قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم عينان لا تمسهما النار أبداً عين باتت تكلا المسلمين في سبيل الله وعين بكت من خشية الله.[13]
  • عن أبي أمامة قال قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين قطرة دموع من خشية الله وقطرة دم تهرق في سبيل الله وأما الأثران فأثر في سبيل الله وأثر في فريضة من فرائض الله.[14]

البكاء في المصيبة

من سنن الله بين عباده هو نزول المصائب والبلايا، ولا يمكن لأحد أن يفر ويخرج من هذه الدائرة، وهي من مسببات البكاء، وقد أشير إلى هذا الأمر في الذكر الحكيم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.[15] فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالصبر والاسترجاع.
وللمسلمين في النبي صلی الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا[16]، وقد أمرهم الله بالامتثال لما أمر والإنتهاء عما نهى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[17]، فهذه بعض مواقفه صلی الله عليه وآله وسلم في المصائب:

  • محمد بن عقيل عن جابر قال لما سمع النبي صلی الله عليه وآله وسلم ما فعل بحمزة شهق، فلما رأى ما فعل به صعق، ولما عاد النبي صلی الله عليه وآله وسلم إلى المدينة سمع النوح على قتلى الأنصار قال: لكن حمزة لا بواكي له، فسمع الأنصار، فأمروا نساءهم أن يندبن حمزة قبل قتلاهم، ففعلن ذلك.[18]
  • لما مات إبراهيم ابن رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم قال النبي: حزنَّا عليك يا إبراهيم وإنا لصابرون. يحزن القلب، وتدمع العين، ولا نقول ما يسخط الرب.
  • عن الصادق عليه السلام: إن النبي صلی الله عليه وآله وسلم حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جداً، ويقول: كانا يحدثاني، ويؤانساني، فذهبا جميعاً.

فبناء على ما تقدّم لم تكن البكاء مما يلام أو يعاب عليه بالأخص إذا كان هنالك ما يبرر له: كالبكاء من خشية الله، أو عند نزول النوائب كفقد الأحبة وما شاكلها...

البكاء على الحسين عليه السلام

احتلّ الإمام الحسين عليه السلام مقاماً وشأناً عظيماً عند المسلمين، بناءاً على مكانته من الله، والنبي (ص)، والصحابة. وقد كان لشهادة الإمام الحسين عليه السلام في عاشوراء سنة 61 هـ الأثر الأكبر على القلوب، أخبرت بها الأحاديث، من ذلك:

أنا قتيل العبرة ما ذكرني مؤمن إلاّ استعبر.

الإمام الحسين عليه السلام

  • عن قرة بن خالد قال: ما بكت السماء على أحد إلا على يحيى بن زكريا والحسين بن علي، وحمرتها بكاؤها.[19]
  • عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن يبكين على الحسين عليه السلام.[20]
  • وهناك شعر منسوب إلى الجن في نوحها على الإمام الحسين عليه السلام روته أم سلمة:

أيها القاتلون ظلماً حسيناً أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم من نبي ومرسل وقتيل
قد لعنتم على لسان ابن داود وموسى وصاحب الإنجيل[21]
  • عن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين عليهم السلام يلعبان بين يدي النبي صلی الله عليه وآله وسلم في بيتي. فنزل جبريل عليه السلام، فقال: يا محمد! إنّ أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم، وضمه إلى صدره، ثم قال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: وديعة عندك هذه التربة، فشمها رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم وقال: ويح كرب وبلاء. قالت، وقال رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم: يا أم سلمة! إذا تحولت هذه التربة دماً، فاعلمي أن مشهور قد قتل. قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم، وتقول إن يوماً تحولين دماً ليوم ٍعظيم.[22]


مجلس بكاء على الإمام الحسين عليه السلام

ولمدرسة أهل البيت عليهم السلام وأتباعها نظرة خاصة للإمام الحسين عليه السلام ومصيبته، وذلك بناء على أحاديثهم والروايات الواردة في المقام، فلهم دلائل ومبررات للبكاء والنياحة عليه، وقد ناداه أبوه أمير المؤمنين عليه السلام: "يا عبرة‌ كل مؤمن!"، والإمام الحسين عليه السلام نفسه صرّح بهذا الأمر، وقال: "أنا قتيل العبرة ما ذكرني مؤمن إلاّ استعبر"، مما يبين أن البكاء عليه منغمساً في عمق المشاعر والضمير.

  • وأكثر ما يكشف عن قضية البكاء علی مصيبته عليه السلام هو مواقف أئمة أهل البيت عليهم السلام بعد شهادته والتي كانت بأشكال مختلفه، منها ما يرويه الصدوق عن الإمام زين العابدين عليه السلام الذي رأی‌ أحداث كربلاء بأم عينه: "ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له: يا ابن رسول الله! أما آن لحزنك أن ينقضي، فقال له: ويحك إن يعقوب كان له اثنا عشر ابناً، فغيّب الله عنه واحداً منهم فابيضت عيناه من كثرة بكائه عليه، وشاب رأسه من الحزن، واحدودب ظهره من الغم، وكان ابنه حياً في الدنيا وأنا نظرت إلى أبي وأخي وعمي وسبعة عشر من أهل بيتي مقتولين حولي، فكيف ينقضي حزني؟!".[23]
  • وكذلك ما حدّث الإمام الرضا عليه السلام به ابنَ شبيب حين جاء إليه في أيام محرم فقال له الإمام عليه السلام: "يا ابن شبيب! إن المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته فما عرفت هذه الأمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساؤه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً.
يا ابن شبيب! إنّ كنت باكياً لشئ فابكِ للحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، فإنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً ما لهم في الأرض شبيهون، ولقد بكت السماوات السبع والأرضون لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، فلم يؤذن لهم، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم