انتقل إلى المحتوى

المناشدة بالغدير

من ويكي شيعة

المُناشَدَة بالغَدير تشير إلى استحلاف الصحابة للإقرار بـواقعة الغدير من خلال تحليفهم بالله. ومن منظور الشيعة تُعدّ المناشدات من جملة الأدلّة على إمامة الإمام عليعليه السلام وأحقّيته وخلافته المباشرة.

وبحسب الروايات الواردة، فإنّ الإمام عليعليه السلام قد ناشد بـواقعة الغدير في أحداثٍ عدّة، منها الشورى السداسية، وأيّام خلافة عثمان، وقضية الرحبة، وحروب الجمل وصفّين. كما استند إلى حديث الغدير أو قام بالمناشدة كلٌّ من السيدة فاطمةعليها السلام، والإمام الحسنعليه السلام، والإمام الحسينعليه السلام، وعمر بن عبد العزيز الأموي، والمأمون العباسي.

وقد وردت هذه الروايات في مصادر الشيعة وأهل السنة والجماعة، وخُصِّص لها في كتاب الغدير قسمٌ مستقل. وفي قبال ذلك، فإنّ أهل السنة يقبلون أصلَ واقعة غدير، لكنّهم لا يقرّون بدلالتها على الإمامة، ويعدّون من أسباب هذا الرأي ما زعموه من عدم استناد الإمام علي إلى الغدير.

المكانة والأهمية

المناشدة بالغدير هي استحلافُ الأشخاص بالله في الأوساط العامّة للإقرار بـواقعة الغدير والتصديق بـحديث الغدير.[١] في هذا الأسلوب، بخلاف الاحتجاج القائم على عرض الدليل مباشرةً، يُلجأ إلى اليمين لتأكيد صحّة واقعةٍ أو حديث.[٢] ومن منظور الشيعة، فإنّ المناشدات لا تقتصر على إثبات وقوع الغدير، بل تُعَدّ مستنداً لإثبات أحقّية الإمام علي وخلافته المباشرة.[٣]

ويرى بعض الباحثين أنّ الشيعة قد استندوا في مناظراتهم إلى المناشدات المتعلّقة بالغدير.[٤] ووفقاً للعلامة الأميني، فإنّ الاستناد إلى حديث الغدير والمناشدة به كان شائعاً بين الصحابة والتابعين.[٥] ويُرجِع الأميني سبب هذا الشيوع إلى إقرار المؤيّدين والمخالفين بأصل واقعة الغدير.[٦] كما خصّص في كتاب الغدير قسماً لهذه المناشدات والاحتجاجات،[٧] واستفاد منها في إثبات تواتر حديث الغدير.[٨] وقد وردت المناشدات أيضاً بصورة متفرّقة في المصادر الحديثية.[٩]

مناشدات الإمام علي

وبحسب ما ذكره العلامة الأميني، فإنّ الإمام عليعليه السلام استند في مواضع متعدّدة إلى حديث الغدير، وكان يستحلف الصحابة الذين حضروا حجّة الوداع في الأوساط العامّة؛ ليشهدوا بـواقعة الغدير،[١٠] ومن تلك المواضع ما يأتي:

في الشورى السداسية

أنشدكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه مقالته يوم غدير خم «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه» غيري؟ قالوا: اللهم لا.

الحر عاملي، إثبات الهداة، 1425هـ، ج3، ص91؛ الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص147.

أشار الإمام عليّعليه السلام في مجلس الشورى المؤلَّف من ستة أشخاص إلى فضائله ومناقبه،[١١] فاستحلف أعضاء الشورى بالله على واقعة الغدير وتعيينه إماماً من قِبَل الرسولصلی الله عليه وآله وسلم، فشهد جميعُ أعضاء الشورى بصدق قوله وإقراره.[١٢]

في زمن خلافة عثمان

في عهد عثمان بن عفان جرت مناظرةٌ بين الأنصار والمهاجرين حول فضائل كلٍّ منهما.[١٣] وبعد انتهاء الحوار، طلب الحاضرون من الإمام عليّعليه السلام أن يتكلّم، فبدأ مبيّناً أنّ جميع الفضائل من عند الله تعالى، ثمّ ذكّر ببعض مناقبه الخاصة، واستحلف الحاضرين بالله؛ ليقرّوا بشأن نزول الآيات التي نزلت فيه. وبعد أن صدّق الحاضرون على قوله، أشار الإمام إلى تنصيبه للإمامة من قِبَل الله يوم غدير خمّ.[١٤] وقد روى سليم بن قيس الهلالي هذه الحادثة، وذكر أسماء ثلاثين شخصاً ممّن حضروا ذلك الاجتماع.[١٥]

في حادثة الرحبة

عندما دخل الإمام عليّعليه السلام مدينة الكوفة سنة 35هـ، وظهرت شبهات حول خلافته، اجتمع بالناس في ساحة الرحبة، واستحلفهم بالله أن يشهدوا بصحّة حديث الغدير. فشهد كثيرٌ من الحاضرين بصدق ما قاله الإمام.[١٦] وتُعرف هذه الحادثة أيضاً باسم الاستشهاد في الرحبة[١٧] أو مناشدة الرحبة،[١٨] وقد رُويت كذلك في مصادر أهل السنة والجماعة.[١٩]

في حرب الجمل وصفّين

في حرب الجمل استحلف الإمام عليّعليه السلام طلحة بن عبيد الله، فسأله: ألم تسمع من رسول اللهصلی الله عليه وآله وسلم أنّ قال «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه»؟ فصدّق طلحةُ كلامَ الإمام عليّ، وانصرف دون أن يُبدي تعليقاً،[٢٠] وذُكر أنّه رجع كذلك عن الإقدام على القتال ضدّه.[٢١]

وكذلك، وبناءً على رواية سليم بن قيس الهلالي، فإنّ الإمام عليّعليه السلام في حرب صفين استحلف جنده ،مستنداً إلى حديث الغدير، على ولايته،[٢٢] فشهد له اثنا عشر رجلاً من الصحابة، منهم أبو الهيثم بن التيهان، وأبو أيوب الأنصاري، وعمّار بن ياسر، وخزيمة بن ثابت، وأقرّوا بأنّ كلامه هذا هو عين ما صدر عن النبيّصلی الله عليه وآله وسلم، ثمّ شهد بعدهم سبعون رجلاً آخرون على صحّة حديثه.[٢٣] وقد وردت روايةٌ قريبة المضمون في كتاب الغيبة للنعماني، جاء فيها أنّ الإمام عليّ استند إلى واقعة الغدير في لقائه مع وفد معاوية بن أبي سفيان، لكن دون صيغة مناشدة أو استحلاف.[٢٤]

مناشدات الآخرين بحديث الغدير

أشار العلامة الأميني في كتاب الغدير إلى اثنتين وعشرين حالة، استُند فيها إلى حديث الغدير أو وقعت فيها مناشدةٌ به، ولم تقتصر هذه الحالات على الإمام عليّعليه السلام، بل شملت أشخاصاً آخرين، مثل السيدة فاطمةعليها السلام، والإمام الحسنعليه السلام، والإمام الحسينعليه السلام، وبعض الخلفاء مثل عمر بن عبد العزيز والمأمون العباسي.[٢٥] ومن أمثلة ذلك أنّ الإمام الحسين، في سنة 58هـ، وفي أرض منى، ناشد جمعاً يضمّ نحو سبعمائة رجل من بني هاشم والأنصار، إضافةً إلى مئتي رجل من أصحاب النبي، فاستحلفهم على الإقرار بصحّة حديث الغدير، فشهدوا جميعاً بذلك.[٢٦]

كما رُويت مناشدةٌ أخرى للإمام عليّ حول آية الولاية في لقائه مع أبي بكر بعد اغتصاب الخلافة.[٢٧]

موقف أهل السنّة

يرى بعضُ أهل السنّة أنّ الإمام عليّعليه السلام لم يستدلّ بـحديث الغدير لإثبات إمامته، فيما أنكرَ فريق قليل منهم وقوع حادثة الغدير نفسها.[٢٨] ونتيجةً لذلك، رفضوا بعض روايات المناشدة،[٢٩] أو حذفوا أجزاءً منها في بعض الروايات.[٣٠] وترتبط هذه النظرة في الغالب بموقفهم من الصحابة والخلفاء الثلاثة الأوائل.[٣١] وفي عددٍ من روايات المناشدة، وُجِّه النقد من قِبل الإمام عليّعليه السلام إلى ممارسات بعض الخلفاء.[٣٢]

الهوامش

  1. دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص163.
  2. دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص136.
  3. دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص133.
  4. زينلي، بر كرانه‌هاي كتاب الغدير، تهران، طهران، ص6؛ دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص135.
  5. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص327.
  6. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص327.
  7. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص328–422.
  8. دياري بيگدلي، دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص138.
  9. على سبيل المثال انظر: الحموِي الشافعي، فرائد السمطين، 1400هـ، ج1، ص31؛ الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج6، ص233–258؛ الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص115–130.
  10. دياري بيكدلي، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير»، ص163.
  11. الشيخ الصدوق، الخصال، 1362ش، ج2، ص554‑564؛ الشيخ الطوسي، الأمالي، 1414هـ، ص545‑554؛ الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج5، ص27‑30؛ الخوارزمي، المناقب، 1400هـ، ص313‑315.
  12. القاضي النعمان، شرح الأخبار، 1409هـ، ج2، ص191؛ الشيخ الطوسي، الأمالي، 1414هـ، ص546.
  13. الحموي الشافعي، فرائد السمطين، 1400هـ، ج1، ص314‑315؛ الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص145.
  14. الحموي الشافعي، فرائد السمطين، 1400هـ، ج1، ص314‑315؛ القندوزي، ينابيع المودة، 1422هـ، ج1، ص343؛ الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص145؛ الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج5، ص33؛ البحراني، عوالم العلوم، 1382ش، ص232‑233.
  15. الحموي الشافعي، فرائد السمطين، 1400هـ، ج1، ص314‑315؛ القندوزي، ينابيع المودة، 1422هـ، ج1، ص343؛ الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص145؛ الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج5، ص33؛ البحراني، عوالم العلوم، 1382ش، ص232‑233.
  16. الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج6، ص323؛ ابن الأثير، أسد الغابة، 1409ش، ج3، ص366؛ ابن حجر العسقلاني، الإصابة، 1415هـ، ج4، ص276‑277؛ ابن كثير، البداية والنهاية، ج5، ص210؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، 1415هـ، ج42، ص209.
  17. المظفّر، دلائل الصدق، 1422هـ، ج6، ص390.
  18. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص106.
  19. انظر: العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص339‑378.
  20. الشوشتري، إحقاق الحق، 1409هـ، ج21، ص106؛ الخوارزمي، المناقب، 1400هـ، ص182.
  21. المسعودي، مروج الذهب، 1409هـ، ج2، ص364.
  22. سليم بن قيس الهلالي، كتاب سليم بن قيس الهلالي، 1405هـ، ص757‑758؛ البحراني، عوالم العلوم، 1382ش، ص261.
  23. سليم بن قيس الهلالي، كتاب سليم بن قيس الهلالي، 1405هـ، ص757‑758.
  24. النعماني، الغيبة، 1397هـ، ص69‑73.
  25. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص327‑422.
  26. العلامة الأميني، الغدير، 1416هـ، ج1، ص399؛ القرشي، حياة الإمام الحسين(ع)، 1413هـ، ج1، ص201‑202.
  27. الطبرسي، الاحتجاج، 1403هـ، ج1، ص161.
  28. جمالي ونصيري، «استشهاد أمير المؤمنين به حديث غدير در مسند أحمد بن حنبل»، ص206.
  29. على سبيل المثال انظر: الذهبي، ميزان الاعتدال، 1382هـ، ج1، ص422.
  30. ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، 1390هـ، ج2، ص157؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق، 1415هـ، ج42، ص431.
  31. «حديث مناشدة يوم الشورى»، المجمع العالمي للدراسات الشيعية.
  32. على سبيل المثال انظر: الخوارزمي، المناقب، 1400هـ، ص313؛ الذهبي، ميزان الاعتدال، 1382هـ، ج1، ص422؛ ابن حجر العسقلاني، لسان الميزان، 1390هـ، ج2، ص157؛ الشيخ الصدوق، الخصال، 1362ش، ج2، ص554.

المصادر والمراجع

  • ابن الأثير، علي بن محمد، أسد الغابة في معرفة الصحابة، بيروت، دار الفكر، 1409هـ.
  • ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، 1415هـ.
  • ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، لسان الميزان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1390هـ.
  • ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية من حلّ بها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها، بيروت، دار الفكر، 1415هـ.
  • ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 1407هـ.
  • البحراني، الشيخ عبدالله، عوالم العلوم (الإمام عليّ عليه السلام)، قم، مؤسسة الإمام المهدي(عج)، الطبعة الثانية، 1382ش.
  • جمالي، حسين ومحمد حسين نصيري، استشهاد أمير المؤمنين به حديث غدير در مسند أحمد بن حنبل، المجلد 11، العدد 2 (العدد المتسلسل 30)، تشرين الثاني 1400ش.
  • «حديث مناشده يوم الشورى»، المجمع العالمي للدراسات الشيعية، تاريخ النشر: 14 أكتوبر 2021م، تاريخ الزيارة: 10 مايو 2025م.
  • الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، بيروت، دار الأعلمي، 1425هـ.
  • الحموى الشافعي، إبراهيم بن سعد الدين، فرائد السمطين، بيروت، مؤسسة المحمود، 1400هـ.
  • الخوارزمي، موفق بن أحمد، المناقب، قم، جماعة المدرسين، 1400هـ.
  • دياري بيگدلي، محمد تقي وآخرون، «تحليل رويكردهاي حديثي علامه اميني پيرامون احاديث مناشَدَه در كتاب الغدير» (تحليل الاتجاهات الحديثية للعلامة الأميني حول أحاديث المناشدة في كتاب الغدير)، مجلة سفينة، السنة الثامنة عشرة، العدد 70، ربيع 1400ش.
  • الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر، 1382ش.
  • الزينلي، غلام حسين، على ضفاف كتاب "الغدير في الكتاب والسنة والأدب"، طهران، المؤلف، د.ت.
  • سليم بن قيس الهلالي، كتاب سليم بن قيس الهلالي، قم، دار هادي، 1405هـ.
  • الشوشتري، القاضي نورالله، إحقاق الحق وإزهاق الباطل، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1409هـ.
  • الشيخ الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جماعة المدرسين، 1362ش.
  • الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414هـ.
  • الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج على أهل اللجاج، مشهد، دار مرتضى، 1403هـ.
  • العلامة الأميني، عبد الحسين، الغدير في الكتاب والسنة والأدب، قم، مركز الغدير للدراسات الإسلامية، 1416هـ.
  • القاضي النعمان، النعمان بن محمد، شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار(ع)، قم، جماعة المدرسين، 1409هـ.
  • القرشي، باقر شريف، حياة الإمام الحسين(ع)، قم، المدرسة العلمية الإيروانية، 1413هـ.
  • القندوزي، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودة، قم، دار الأسوة، الطبعة الثانية، 1422هـ.
  • المسعودي، علي بن الحسين، مروج الذهب ومعادن الجوهر، قم، دار الهجرة، 1409هـ.
  • النعماني، محمد بن إبراهيم، الغيبة، طهران، دار صدوق، 1397هـ.