مسودة:عروج النبي عيسى
عروج النبي عيسى
هو صعودُه إلى السماء، وقد أُشير إلى ذلك في القرآن. والرأي المشهور بين المسلمين أنّ النبي عيسى
لم يُقتل ولم يُصلب، بل رُفع مباشرةً إلى السماء، وإن كان بعضهم يرى احتمالَ أنّه بعد نجاته من الصلب قد مات موتًا طبيعيًّا. أمّا وفق التعاليم المسيحيّة، فقد صُلب عيسى، ثم بعد قيامته صعد إلى السماء.
وفي شأن طبيعة العروج، ذهب البعض إلى كونه روحانيًّا، وذهب آخرون إلى كونه روحانيًّا وجسديًّا معًا. وقد استُدلّ على جسديّة العروج بجملةٍ من الروايات، ومنها الروايات المتعلّقة بعودته في زمن الظهور، ورؤيته من قبل النبيّ
في المعراج. وتُعدّ عودةُ عيسى في زمن الظهور من الوقائع القطعيّة، وقد وردت بشأنها أخبارٌ كثيرة في المصادر الشيعيّة والسنّيّة.
اختلاف الرؤيتين الإسلاميّة والمسيحيّة
عروجُ عيسى بمعنى صعوده إلى السماء وبقائه حيًّا.[١] وقد أشار القرآن إلى هذه الواقعة في آيتي 158 من سورة النساء و55 من سورة آل عمران.[٢] ووفق بعض المصادر وقع ذلك سنة 585 قبل الهجرة،[٣] وفي ليلة 21 من رمضان،[٤] وكان عمر عيسى
حينئذٍ 32[٥] أو 33 سنة.[٦] وروي عن الإمام الباقر
أنّ ليلةَ شهادة الإمام علي
كانت هي نفسها ليلةَ عروج عيسى
.[٧]
أمّا في التعاليم المسيحيّة، فقد صُلِب عيسى
،[٨] ثم مات،[٩] ودُفن،[١٠] وفي اليوم الثالث لاحظ تلاميذه أنّ جسده لم يكن في القبر.[١١] وبعد قيامته التقى بتلاميذه[١٢] ثم صعد إلى السماء.[١٣] وقد وردت تفاصيل هذه الواقعة في الأناجيل الأربعة.[١٤]
في المقابل، يصرّح القرآن[١٥] بأنّ عيسى
لم يُقتل ولم يُصلَب،[١٦] بل تشير الروايات إلى أنّ شخصًا آخر شُبّه به فقُتل بدله،[١٧] فظنّ الناس أنّ عيسى قد استُشهد.[١٨]
حالة حياة عيسى عند العروج
اختلف العلماء المسلمون في أنّ عيسى
هل تُوفّي موتًا طبيعيًّا قبل العروج أم رُفع إلى السماء من غير وفاة.[١٩] ووفق القرآن والرأي المشهور بين المسلمين،[٢٠] لم يُقتل ولم يُصلَب،[٢١] بل عُرج به إلى السماء[٢٢] وسيعود قبل القيامة.[٢٣] وذهب آخرون إلى احتمال أنّه بعد نجاته من الصلب مات موتًا طبيعيًّا ثم رُفع إلى السماء.[٢٤]
دلالات لفظ «مُتَوَفِّيكَ»
ورد في الآية 55 من سورة آل عمران لفظ «مُتَوَفِّيكَ»، وقد فُسّر بعدّة وجوه:
- الموت الطبيعي: أي وفاة عيسى قبل العروج، وعلى هذا يكون العروج قد وقع بعد الموت.[٢٥]
- الأخذ وقبض الروح: وهو لا يدلّ بالضرورة على الموت التام، بل على انتقاله من الأرض إلى السماء.[٢٦]
- التعبير التشبيهي عن العروج: حيث استُخدم اللفظ مجازًا للدلالة على مفارقته للأرض وعدم بقائه فيها.[٢٧]
جسديّة العروج أم روحانيّته
اختلف المفسّرون في طبيعة عروج عيسى
.[٢٨] فذهب بعضهم -استنادًا إلى ظاهر الآية 158 من سورة النساء- إلى أنّه عروجٌ روحانيّ،[٢٩] بينما رأى آخرون أنّه روحانيّ وجسديّ معًا.[٣٠] واعتبر بعض الباحثين أنّ العروج جاء في سياق المدح، والمدحُ يقتضي اجتماعَ الروح والجسد، إذ إنّ العروج الروحي وحده ليس خاصًّا بعيسى
.[٣١]
كما استُدلّ على الجسديّة بالروايات المتعلّقة بعودته في زمن ظهور الإمام المهدي
،[٣٢] وكذلك برؤيته من قِبل النبيّ
في المعراج.[٣٣] ووفق بعض الروايات وقع العروج بالروح والجسد معًا.[٣٤] ونُقل عن الإمام الرضا
أنّ عيسى بعد عروجه قُبضت روحه بين السماء والأرض، ثم رُفع إلى السماوات وأُعيدت روحه إلى جسده هناك.[٣٥]
وتُعدّ عودةُ عيسى
في زمن الظهور من الوقائع المقطوع بها،[٣٦] والمتّفق عليها بين المسلمين.[٣٧] وقد ربط بعض المفسّرين آيتي 46 من سورة آل عمران[٣٨] و159 من سورة النساء[٣٩] بهذه القضية.
وقد وردت في مصادر أهل السنّة 28 رواية،[٤٠] وفي مصادر الشيعة 30 رواية مستفيضة[٤١] حول عودة عيسى
.
الهوامش
- ↑ فخر رازي، التفسير الكبير، 1420هـ، ج11، ص262؛ قرائتي، تفسير نور، 1388ش، ج2، ص207.
- ↑ رضائي، «بررسي تطبيقي معراج پيامبر(ص) وعروج عيسي(ع)»، ص157.
- ↑ الطبري، تاريخ الطبري، 1387هـ، ج1، ص585.
- ↑ القمي، وقائع الأيام، نور مطاف، ص79.
- ↑ الطبري، تاريخ الطبري، 1387هـ، ج1، ص585.
- ↑ ابن كثير، البداية والنهاية، 1407هـ، ج2، ص95.
- ↑ الكليني، الكافي، 1407هـ، ج1، ص457.
- ↑ إنجيل لوقا، الإصحاح 23، الآيات 32–34.
- ↑ إنجيل متّى، الإصحاح 27، الآية 50.
- ↑ إنجيل لوقا، الإصحاح 23، الآيات 50–54.
- ↑ إنجيل لوقا، الإصحاح 24، الآيات 1–3.
- ↑ إنجيل متّى، الإصحاح 28، الآيات 16–20.
- ↑ إنجيل مرقس، الإصحاح 16، الآية 19.
- ↑ بيكدلي، «مقايسه ديدگاه عروج ورجعت حضرت عيسي(ع) در إسلام ومسيحيت»، ص34.
- ↑ معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم، 1423هـ، ص102.
- ↑ سورة النساء، الآية 157.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج5، ص132.
- ↑ المدرسي، من هدى القرآن، 1419هـ، ج2، ص248.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص759.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1379ش، ج2، ص515-516.
- ↑ معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم، 1423هـ، ص106.
- ↑ بيكدلي، «مقايسه ديدگاه عروج ورجعت حضرت عيسي(ع) در إسلام ومسيحيت»، ص37.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1372ش، ج2، ص759.
- ↑ مغنية، التفسير الكاشف، 1424هـ، ج2، ص72.
- ↑ مغنية، التفسير الكاشف، 1424هـ، ج2، ص71؛ الزمخشري، الكشاف، ج1، ص366.
- ↑ بيكدلي، «مقايسه ديدگاه عروج ورجعت حضرت عيسي(ع) در إسلام ومسيحيت»، ص37.
- ↑ مغنية، التفسير الكاشف، 1424هـ، ج2، ص71.
- ↑ السيد قطب، في ظلال القرآن، 1412هـ، ج2، ص802.
- ↑ المراغي، تفسير المراغي، بيروت، ج6، ص15.
- ↑ معرفت، شبهات وردود حول القرآن الكريم، 1423هـ، ص106؛ المراغي، تفسير المراغي، بيروت، ج6، ص15.
- ↑ سعدي، شرح النسفية، 1380ش، ص322.
- ↑ سعدي، شرح النسفية، 1380ش، ص322.
- ↑ المراغي، تفسير المراغي، بيروت، ج6، ص15.
- ↑ رضائي، «بررسي تطبيقي معراج پيامبر(ص) وعروج عيسي(ع)»، ص159.
- ↑ الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا، 1378هـ، ج1، ص215.
- ↑ القزويني، الإمام المهدي(عج) من الولادة إلى الظهور، 1387ش، ص678.
- ↑ الكوراني، عصر الظهور، 1430هـ، ص245.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1379ش، ج2، ص500.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1417هـ، ج5، ص134–135؛ الصادقي الطهراني، الفرقان، 1365ش، ج7، ص439.
- ↑ الكوراني وآخرون، معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، 1428هـ، ج2، ص399–493.
- ↑ بخشي، «بررسي وتبيين نقش حضرت عيسي(ع) در دوران پس از ظهور امام زمان(ع)»، ص116.
المصادر والمراجع
- ابن كثير الدمشقي، إسماعيل بن عمر، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 1407هـ.
- بخشي، سعيد، «بررسي وتبيين نقش حضرت عيسي(ع) در دوران پس از ظهور امام زمان(ع)» (دراسة وتحليل دور السيّد المسيح(ع) في المرحلة اللاحقة لظهور الإمام المهدي)، مجلّة مشرق موعود، السنة الرابعة عشرة، العدد 53، ربيع 1399ش.
- بيكدلي، حسن، «مقايسه ديدگاه عروج ورجعت حضرت عيسي(ع) در إسلام ومسيحيت» (مقارنة رؤية الصعود والرجعة للسيد المسيح(ع) في الإسلام والمسيحية)، مجلّة معارف قرآن وعترت، السنة الثانية، العدد 5، خريف 1395ش.
- رضائي، آمنة، «بررسي تطبيقي معراج پيامبر(ص) وعروج عيسي(ع)» (دراسة مقارنة لمعراج النبيّ(ص) وصعود السيد المسيح)»، مجلّة حديث وأنديشه، العدد 13، ربيع وصيف 1391ش.
- السعدي، عبد الملك عبد الرحمن، شرح النسفية في العقيدة الإسلامية، سنندج، 1380ش.
- السيّد قطب، في ظلال القرآن، بيروت – القاهرة، دار الشروق، الطبعة السابعة عشرة، 1412هـ.
- الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا(ع)، تحقيق وتصحيح: مهدي لاجوردي، طهران، نشر جهان، الطبعة الأولى، 1378هـ.
- الصادقي الطهراني، محمد، الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن، قم، منشورات الثقافة الإسلامية، الطبعة الثانية، 1365ش.
- الطباطبائي، السيّد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مكتب النشر الإسلامي، الطبعة الخامسة، 1417هـ.
- الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، مقدّمة: محمد جواد البلاغي، طهران، ناصر خسرو، الطبعة الثالثة، 1372ش.
- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار التراث، الطبعة الثانية، 1387ش.
- فخر الدين الرازي، محمد بن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، 1420هـ.
- قرائتي، محسن، تفسير نور، طهران، المركز الثقافي لدروس القرآن، 1388ش.
- القزويني، محمد كاظم، الإمام المهدي(ع) من الولادة إلى الظهور، قم، نشر الهادي، 1387ش.
- القمي، عباس، وقائع الأيام، قم، منشورات نور مطاف، د.ت.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح: علي أكبر الغفاري، محمد آخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407هـ.
- الكوراني العاملي، علي، عصر الظهور، د.م، د.ن، 1408هـ.
- الكوراني، علي وآخرون، معجم أحاديث الإمام المهدي(ع)، قم، منشورات مسجد جمكران، 1428هـ.
- المدرّسي، السيّد محمد تقي، من هدى القرآن، طهران، دار محبّي الحسين، الطبعة الأولى، 1419هـ.
- المراغي، أحمد بن مصطفى، تفسير المراغي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
- مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب(ع)، 1379ش.
- معرفت، محمد هادي، شبهات وردود حول القرآن الكريم، قم، مؤسّسة التمهيد الثقافية للنشر، 1423هـ.
- مغنية، محمد جواد، تفسير الكاشف، طهران، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الأولى، 1424هـ.