البدعة

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

البدعة، هي إدخال ما ليس من الدين في الدين، كإباحة محرّم ، أو تحريم مباح، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها، وتخصيصها بالقرون الثلاثة الأولى لا وجه له، فحتى لو كان الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (خير القرون قرني) صحيح فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق، وتقسيم بعضهم البدعة إلى حسنة وقبيحة، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح، بل لا تكون إلاّ قبيحة، ولا بدعة فيما فُهِم من إطلاق أدلّة الشرع، أو عمومها، أو فحواها، أو نحو ذلك وإن لم يكن موجوداً في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فِي خُطْبَتِهِ: «إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ.».
—الطوسي، الأمالي، ص337

تعريف البدعة

  • البدعة لغة
  1. قال الخليل: البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق، ولا ذكر، ولا معرفة ... البدع: الشيء الذي يكون أوّلاً في كل أمر كما قال اللّه عز وجل.png: ﴿ما كُنْتُ بِدعاً مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي لست بأوّل مرسل. والبدعة: اسم ما ابتدع من الدين وغيره، والبدعة ما استُحدِثَ بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من الأهواء والأعمال.[1]
  2. وقال ابن فارس: البدع له أصلان: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكَلال.[2] والمقصود في المقام هو المعنى الأوّل.
  3. وقال الراغب: الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء والبدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأُصولها المتقنة.[3]
  4. وقال الفيروزآبادي: البدعة - بالكسر - الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استُحدِثَ بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأهواء والأعمال.[4]

البدعة اصطلاحاً

لا ريبَ أنّ البدعة حرام ولا يشك في حرمتها مسلم واعٍ، لكنَّ المهم تحديدها وتعيين مفهومها بشكل دقيق، حتى تكون قاعدة كلّية يُرجعُ إليها عند الشك في المصاديق، فإنّ واجب الفقيه رسم القاعدة وواجب غيره تطبيقها على مواردها، وهذا الموضوع من أهمّ المواضيع فيها.

  1. البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة.[5]
  2. البدعة: أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق، وتُطلقُ في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة.[6]
  • تعريف البدعة عند بعض علماء الشيعة

1 - البدعة: الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة وإنّما سُميت بدعة لأنّ قائلها ابتدع هو نفسه، والبِدَع - بالكسر والفتح - : جمع بدعة ومنه الحديث «من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع» أي فعل خلاف السنّة لأنّ ما لم يكن في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم فهو بدعة.[7]

2 - البدعة في الشـرع: ما حدث بعـد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً، فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء المؤمنين وإسكانهم وإعانتهم، وكإنشاء بعض الكتب العلميّة، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعيّة، وكالألبسة التي لم تكن في عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأطعمة المحدثة فإنّها داخلة في عمومات الحلّيّة، ولم يرد فيها نهي.

وما يُفعلُ منها على وجه العموم إذا قُصِدَ كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة كما أنّ الصلاة خير موضوع ويُستحب فعلها في كل وقت. ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معيّن صارت بدعة، وكما إذا عيّن أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها كانت بدعة، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيها نص بدعة سواء كانت أصلها مبتدعة، أو خصوصيتها مبتدعة[8]

3 - البدعة: إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرّم، أو تحريم مباح، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة الأولى أو بعدها، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة الأولى لا وجه له، ولو سلّمنا حديث (خير القرون قرني) فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح، بل لا تكون إلاّ قبيحة، ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلّة الشرع، أو عمومها، أو فحواها، أو نحو ذلك وإن لم يكن موجوداً في عصر النبيّصلى الله عليه وآله وسلم.[9]

البدعة في القرآن الكريم

لقد ذَكَرَ القرآن الكريم الكثير من موارد البدعة منها ماصَرَّحَ بإنها بدعة، ومنها ما ذَكَرَ فيها بعض الأعمال التي تُعد بدعا في الشرع، ومنها:

  • قوله تعالى: ﴿وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [10] لقد اعتبرت الآية الكريمة الرهبانية بدعة لانها ليست من الشريعة في شئ.
  • قوله تعالى:﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾[11]وقدفُسّـرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الاَُمّة، فقد وَرَدَ عن الإمام الباقرعليه السلام أنه قال :«فجعلوا دين اللّه أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقا ويُخاطب سبحانه نبيّه بقوله: «لست منهم في شيء»وانّه على المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض لأنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة، وإن افترقوا في شيء فليسَ منهم في شيء لأنّه بريء من جميعهم».[12]
  • قوله تعالى: ﴿اتَّخذُوا أحْبارَهُمْ ورُهبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ والمَسيحَ ابْنَ مَريمَ وما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلهاً واحِداً لا إله إلاّ هُوَ سُبحانَهُ عَمّـا يُشْـرِكُوَن﴾[13] إنَّ الآية تحدّثت عن نوع من أنواع البدع التي كانت عند الأمم السابقة الذين اتخذوا علمائهم أربابا من دون الله عز وجل.png .

البدعة في السُنّة الشريفة

هناك الكثير من الروايات الشريفة الواردة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام.png التي تتحدث عن البدعة، ومنها:

  • ما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال:«إذا ظهرت البدع في أُمتي فليُظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه»[14]
  • ما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم انه قال:«من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الإسلام»[15]
  • ما روي عن محمـد بـن مسلم عـن أبي جعفر عليه السلام قال: خطب أمير المؤمنينعليه السلام الناس فقال: «أيُّها الناس إنّما بَدْءُ وقوع الفتن، أهواءٌ تُتَّبَع، وأحكام تُبتدع، يُخالَف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ولكن يؤخذُ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى».[16]
  • روى عمر بن يزيد عن الإمام الصادقعليه السلام أنّه قال: «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم قال رسول اللّهصلى الله عليه وآله وسلم : المرء على دين خليله وقرينه»[17]
  • قال الإمام الصادقعليه السلام: «من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه»[18]

مفهوم البدعة وشروطها

إنَّ الأمر المهم بعد الوقوف على النصوص، هو تحديد مفهوم البدعة التي وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسيين (الكتاب والسنّة)، فما لم تُحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في صميمها عند الشرع، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها. فإنَّ البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع، تتمتّع بقيود ثلاثة وهي:

الأوّل: التدخّل في الدين عقيدة وحكماً، بزيادة أو نقيصة.

الثاني: أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

الثالث: أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدع جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.[19]

تقسيم البدعة

  • تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة

لقد جاءَ هذا التقسيم في كلمات الشافعي، وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن الأثير إلى غير ذلك، والأصل في ذلك قول عمر بن الخطاب، وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة عندما جَمَعَ الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان، ووصف الجماعة بقوله «نعمت البدعة هذه» والأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره.

قال عبد الرحمن بن عبد القاري: «خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّـي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجال فيصلّـي بصلاته الرهط فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ،ثمّ عَزَمَ فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله»[20]

إنّ البدعة التي تَحَدَّثَ عنها الكتاب والسنّة هي التدخل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة والتصرف في التشريع الإسلامي، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً ولا يصحّ تقسيمه إلى حسنة وقبيحة، وهذا شيء واضح ولا يحتاج إلى استدلال.

أسباب نشوء البدعة

  • المبالغة في التعبّد للّه تعالى

إنّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا اللّه عز وجل.png أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة، فلإجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ويُذيع ذلك بين الناس باسم الشرع، ومن الشواهد التأريخية عليه:

  1. روى جابر بن عبد اللّه: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ليس من البرّ الصيام في السفر».[21]
  2. ما ورد عن الإمام الصادقعليه السلام قال: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر، ثم أفطر الناس معه، وثمَّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول اللّه العُصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه.[22]
  • اتباع الهوى

إنَّ استعراض تأريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل، يثبت بأنّ الأهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة، والمبتدع وإن لم يكن متنبئاً إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبؤ، وفي الروايات الشريفة إشارات وتصريحات على ذلك، ومنها:

خطب الإمام أمير المؤمنينعليه السلام الناس فقال: «أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً ...»[23]

  • حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه

إنَّ حبّ الاستطلاع من نعم اللّه عز وجل.png، إذ في ظلّه يقف الإنسان على مجاهيله ويكتشف معلومات تهمّه في حياته، ولولا ذلك الحبّ لكان الإنسان اليوم في أوليات حياته في العلم والمعرفة قال عز وجل.png: ﴿اللّه أخرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبصارَ والأفئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[24] ومع اشتراك الكلّ في تلك النعمة المعنوية إلاّ أنّ الطاقات الكامنة لدى الإنسان تختلف من واحد إلى آخر، فليس لكلّ إنسان قابلية التطلّع إلى كل شيء واستعراض جميع المجاهيل، ولأجل ذلك ربّما أدّى ذلك العمل إلى الزلّة في الفكر والمعتقد، ولذلك ترى عليّاً عليه السلام ينهى عن الغور في القدر فيقول: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه»[25]ولكن الإمام نفسه تكلّم في مواضيع أُخر عن زيارة القبور ولكن حينما يجد إنساناً مقتدراً على درك المفاهيم الغامضة.

إنَّ القرون الثلاثة الأول، كانت قرون ظهور المذاهب الكلامية والفقهيّة وكانت الأمصار وحواضرها الكبرى ميداناً لمطارحات الفرق المختلفة، وقد ظهرت في تلك القرون أكثر المذاهب والفرق، مع أنّ الحقّ كان في طرف واحد، فلو أنّهم توحّدوا في العقائد؛ لما أدّى بهم الأمر إلى شقّ العصا وإيجاد الفرقة، وبالتالي ذهاب الوحدة الإسلامية في مهبّ الريح ضحية البحوث الكلاميّة والفقهيّة وغير ذلك.

لقد كان للخوض في الآيات المتشابهات دور كبير في ظهور البدع في الصفات الخبريّة، وفي تفسير اليد والرجل والوجه للّه سبحانه الواردة في الكتاب والسنّة، فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أُمّ الكتاب وما هذا إلاّ لأجل قصور أفهامهم وقلّة بضاعتهم العلميّة، فكان واجبهم السكوت وسؤال الراسخين في العلم، دون الخوض فيها.[26]

  • التعصّب الممقوت

وهو تقليد الآباء والأجداد وصيانة كيانهم وسننهم فإنَّ اتّباع الأهواء القَبليّة والقوميّة وما شاكل فإنّها من أعظم سدود المعرفة وموانعها، وهي التي منعت الاَُمم عبر التاريخ من الخضوع أمام براهين الأنبياء كما يقول عز وجل.png: ﴿وكذلِكَ ما أرسَلْنا مِنْ قَبلِكَ في قَريَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارِهِمْ مُقْتَدُون﴾.[27]

  • التسليم لغير المعصوم

إنّ من أسباب نشوء البدع التسليم لغير المعصوم ، فلا شك أنّه يخطأ وربّما يكذب فالتسليم لقوله سبب للفرية على اللّه عز وجل.png والتدخّل في دينه عقيدة وشريعة.

إذا كان النبيّ الاَكرم خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتم الشرائع فلا حُكم إلاّ ما حَكم به، ولا سنّة إلاّ ما سنّه، والخروج عن هذا الإطار تمهيد لطريق المبتدعين، وعلى ضوء ذلك فلا معنى معقول لتقسيم السنّة إلى سنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسنّة الصحابة، وتلقّي الأخيرة حجّة شرعيّة وإن لم يسندها إلى الكتاب و السُنّة.

و أما العمل بما وَرَدَ عن أهل البيت عليهم السلام.png فإنه ليس من البدعة في شئ كما عند القوم ،وذلك لانَّ ما وَرَدَ عنهم عليهم السلام.png هو من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمفقد قال الإمام الباقر عليه السلام: «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ولكن نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم».[28]

الطرق الشرعية لتحصين الدين من البدعة

  • التحذير من البدع والمبتدعين

إنّ الخط الدفاعي الأوّل الذي وضعه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لحصانة دينه تمثّل في ذم البدع والمبتدعين وتحذير المجتمع الإسلامي منهما في هتافاته الكثيرة وبياناته البليغة، ومن هذه البيانات:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».[29]
  2. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ مُبْتَدِعٍ فَقَدْ أَعَانَ‏ عَلَى‏ هَدْمِ‏ الإسلام».[30]
  • محاولة كتابة الصحيفة

لقد حاولَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضع صحيفة لمكافحة دبيب البدعة، فقد قال الشاطبي: «لقد كان صلى الله عليه وآله وسلم حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا، حتى ثَبَتَ من حديث ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ أنّه قال: لمّا حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ـ فقـال: «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده» فقال عمر: إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللّه، واختلف أهل البيت عليهم السلام.png واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً لن تضلّوا بعده، وفيهم من يقول كما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «قوموا عنّي» فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب اختلافهم ولغطهم».[31]

  • التعريف بالثقلين

لقد حدّد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم المرجعية الشرعية للمسلمين الذين ان تمسكوا بها نجوا من الوقوع في البدعة والضلالة ،وهي الثقلين وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من الأحاديث لهذه المرجعيّة التي أجمع عليها المسلمون وهي من الأحاديث المتواترة، ومنها:

  1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي».[32]
  2. قولهصلى الله عليه وآله وسلم: «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».[33]
  3. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».[34]
  4. قوله صلى الله عليه وآله وسلم في منصرفه من حج الوداع ونزوله غدير خم: «كأنّي دُعيت فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض».[35]
  • التعريف بأهل البيت عليهم السلام.png الذين هم ثقل القران

لقد عرّف النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن أهل بيته في كثير من الروايات الشريفة، وقد عَبَّرَ عنهم لتعريفهم بتعابير كثيرة، ومنها:

1 - شبّه النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته بسفينة نوح عليه السلام فقال: «ألا إنّ مَثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق».[36]

والمراد من تشبيههم عليهم السلام.png بسفينة نوح، من أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب اللّه عز وجل.png، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه عز وجل.png فما أفاده شيئاً فغرق وهلك.

2 - شبّه النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته عليهم السلام.png بالنجوم التي هي أمان لأهل الأرض فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لاَُمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».[37]

الهوامش

  1. الفراهيدي، كتاب العين، ج 2، ص 54.
  2. ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، ج 1، ص 203.
  3. الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 38.
  4. االفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج 3، ص 3.
  5. الحنبلي، جامع العلوم والحكم، ص 781.
  6. العسقلاني، فتح الباري، ج 4، ص 253.
  7. الطريحي، مجمع البحرين، ج 4، ص 298-299.
  8. المجلسي، بحار الأنوار، ج 71، ص 202.
  9. السبحاني، البدعة مفهومها وحدودها، ص 43.
  10. الحديد : 27.
  11. الاَنعام : 159.
  12. المجلسي، بحار الأنوار، ج 9، ص 93.
  13. التوبة: 31.
  14. البرقي، المحاسن، ج 1، ص 231.
  15. الفيض الكاشاني، الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام، ج‌ 1، ص 110.
  16. المجلسي، روضة المتقين، ج‌ 12، ص 192.
  17. الكليني، الكافي، ج 2، ص 375.
  18. النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج‌ 12، ص 322.
  19. السبحاني، البدعة مفهومها وحدودها، ص 31.
  20. البخاري، صحيح البخاري، ج 2، ص 707.
  21. المرتضى، الانتصار في انفرادات الإمامية، ص 192.
  22. الكليني، الكافي، ج‌ 4، ص 127.
  23. البرقي، المحاسن، ج‌ 1، ص 208.
  24. النحل : 78.
  25. نهج البلاغة، ص 466.
  26. السبحاني، البدعة مفهومها وحدودها، ص 60-61.
  27. الزخرف: 23.
  28. البحراني، المحاسن النفسانية، ص 89.
  29. الطبسي، دراسات فقهية في مسائل خلافيّة، ص 172.
  30. النوري، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج ‏12، ص 322.
  31. الشاطبي، الاعتصام، ج 3، ص 97.
  32. المتقي الهندي، كنز العمال، ج 1، ص 305.
  33. المتقي الهندي، كنز العمال، ج 1، ص 306.
  34. ابن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 5، ص 181.
  35. النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 118.
  36. النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 373.
  37. النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 162.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • نهج البلاغة.
  • ابن فارس، أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، الناشر : اتحاد الكتاب العرب، 1423 هـ - 2002 م.
  • البحراني، الحسين بن محمد، المحاسن النفسانية، د.م، د.ن، د.ت.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت - لبنان، دار ابن كثير، ط 3، 1407 هـ - 1987م.
  • البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن‌، قم - إيران‌،‌ الناشر: دار الكتب الإسلامية، ط 2، 1371 ه‍.
  • الحنبلي، أحمد بن رجب، جامع العلوم والحكم، القاهرة - مصر، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، ط 2، 1424 هـ - 2004 م.
  • السبحاني، جعفر، البدعة مفهومها وحدودها، قم - إيران، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1418هـ.
  • السيد الرضي، محمد، نهج البلاغة، قم - إيران، مؤسسة نهج البلاغة، ط 1، 1414 ه‍.
  • الشاطبي، إبراهيم بن موسى، الاعْتِصَام، السعودية، الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، ط 1، 1429 هـ - 2008 م.
  • الشريف المرتضى، علي بن حسين، الانتصار في انفرادات الإمامية، قم - إيران، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي، ط 1، 1415 ه‍.
  • الشيباني، أحمد بن حنبل، مسند الإمام أحمد بن حنبل، القاهرة - مصر، مؤسسة قرطبة، د.ت.
  • الطبسي، نجم الدين، دراسات فقهية في مسائل خلافية، قم - إيران، انتشارات دفتر تبليغات اسلامى حوزه علميه قم، ط 1، 1429 ه‍.
  • الطريحي، فخر الدين‌، مجمع البحرين، طهران - إيران، الناشر: كتابفروشى مرتضوى‌، ط 3، 1416 هـ.
  • العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، بيروت - لبنان، الناشر : دار المعرفة، 1379 هـ.
  • الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، تحقيق الدكتور: مهدي المخزومي والدكتور :إبراهيم السامرائي، د.م، د.ن، د.ت.
  • الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، د.م، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 3 ،1399 هـ - 1979 م.
  • الفيض الكاشاني، محمد محسن، الشافي في العقائد والأخلاق والأحكام، طهران - إيران، دار نشر اللوح المحفوظ، ط 1، 1425 ه‍.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران - إيران، دار الكتب الإسلامية، ط 4، 1407 ه‍.
  • المتقي الهندي، علي بن حسام الدين، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، بيروت - لبنان، مؤسسة الرسالة، 1989 م.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار، بيروت-لبنان، دار احياء التراث العربي، ط 2، 1403 هـ.
  • المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه، قم - إيران، مؤسسة فرهنگى اسلامى كوشانبور، ط 2، 1406 ه‍.
  • النوري، حسين، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، بيروت - لبنان، مؤسسة آل البيتعليه السلام ، ط 1، 1408 ه‍.
  • النيسابوري، محمد بن عبدالله، المستدرك على الصحيحين، بيروت - لبنان، الناشر :دار الكتب العلمية، ط 1، 1411 هـ - 1990 م.