السلف الصالح

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

السلف الصالح؛ مصطلح إسلامي شائع عند علماء الحديث من أهل السنة يشير في الغالب إلى المسلمين الأوائل الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام، من الصحابة والتابعين وتابعيهم على اعتبار أنهم القدوة الصالحة، وروي الثناء عليهم في حديث الخيرة. وعلى الرغم من الاتفاق على المفهوم العام للمصطلح، إلا أنه مصطلح يثير الخلافات عند أغلب الفرق الإسلامية في جانب تحديد مدى أهميته ومن هم الذين يشملهم، وما يستبطنه هذا المصطلح من أبعاد فكرية نظرية وعملية مترتبة على القول به من وجوب المتابعة والتقليد في العمل والاعتقاد .

وقد أدى هذا التفصيل في معنى المصطلح إلى نشوء مدارس كلامية وفقهية تدعو إلى اتباع نهج (السلف الصالح) في كل شؤون الحياة الدينية الاعتقادية أو العملية، وتدعو من جهة أخرى إلى رفض ومحاربة كل جديد باعتباره بدعة مستحدثة في الدين.

التعريف بالسلف

  • السلف لغة

قال ابن منظور: "السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسَّلَفُ...: الجماعَةُ المتقدمون. وقوله عزَّ وجل: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِّلْآخِرِينَ﴾".[1]. وقال أيضا: "وقيل: سلف الإنسان مَن تقدَّمه بالموت من آبائه وذوي قرابته"[2] وقال الراغب: السَّلَف المتقدم، ولفلان سلف كريم أي آباء متقدمون.[3] ومنه قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأبنته فاطمة الزهراء عليها السلام: "ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وأنك أول أهلي لحوقا بي، ونعم السلف أنا لكِ". [4]

  • السلف والسلف الصالح في الاصطلاح

السلف مصطلح مثير للجدل بين الفرق الإسلامية، فعلى الرغم من اتفاق أغلب الفرق الإسلامية على معناه العام، إلا أنهم اختلفوا في تحديد السلف زمنياً، ومن تلك التفصيلات:

1- السلف هم الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى[5][6]

2- هم الحنابلة الذين ظهروا في القرن الرابع الهجري، وتجدد ظهورهم في القرن السابع الهجري على يد ابن تيمية الحراني، ثم ظهروا في القرن الثاني عشر على يد محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية.[7].

3- السلف هم من عاشوا قبل القرن الخامس الهجري.[8]

وأما مصطلح السلف الصالح عند علماء الحديث ، فقد تعددت أقوال علماء أهل السنة في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني[9]:

1- فمنهم من قصر ذلك على، الصحابة فقط.[10]

2- ومنهم من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.[11]

3- ومنهم من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.[12]

وهذا هو القول المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة، فمصطلح السلف الصالح يشير في الغالب لديهم إلى المسلمين الأوائل الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى من الإسلام، من الصحابة والتابعين وتابعيهم على اعتبار أنهم القدوة الصالحة. [13]

الجذور التاريخية للمصطلح

مر مصطلح السلف الصالح في تاريخه بعدة مراحل حيث كان يقصد به في بداية ظهوره الصحابة والتابعين حتى عصر أحمد بن حنبل، إلا أن معنى السلف الصالح أخذ منحى آخر بعد أحمد بن حنبل، فأخذ يشمل تابعي التابعين من أئمة الحديث، وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل. [14].ثم جاء ابن تيمية (ت ۷۲۸ هـ)، فقام بتاصیل الإتجاه السلفي من خلال استدلاله بحديث القرون الثلاثة على وجوب الالتزام بأقوال وأفعال وتصرفات وعادات الصحابة والتابعين وتابعيهم.[15]

فبرأيه، السلف الصالح هم أهل القرون الثلاثة الإسلامية المفضلة ويتمتّعون بجميع الفضائل وهم الأولى في حل كافة المشكلات، ثم يعرب مؤكداً: (عليكم بآثار السلف، فإنهم جاؤا بما فيه الكفاية والشفاء، ولم يأتي غيرهم بما لم يطلّعوا عليه أبداً). [16]

إنّ تحول الاقتداء والاتباع للسلف الصالح وتطوره من مفهوم المتابعة السلوكية عند أهل السنة إلى المتابعة في الاعتقادات أيضاً عند ابن تيمية، قد فجّر عدة مشاكل نظرية وعملية. خصوصاً مع ظهور تيار خاص، اتخذ من هذه المتابعة مذهباً مميزاً عن باقي التيارات والفرق الإسلامية. [17] والمتمثل بالسلفيين أو السلفية وهم من يدعون أنهم: "يعتقدون معتقد السلف الصالح وينتهجون منهجهم في فهم الكتاب والسنة وتطبيقهما".

مرجعية السلف الصالح

والدليل الأهم عند السلفية في إقرار مشروعية مرجعية فهم السلف الصالح للنصوص الدينية وأولويته هو حديث القرون الثلاثة الأولى أو حديث الخيرة فيما رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).[18] وأورد على استفادة هذه الشرعية، بل العصمة على جيل الصحابة أو التابعين وتابعي التابعين بعدة ردود من أهمها:

أولا- أن هذا الحديث لا ينسجم مع روح الإسلام وتعاليم القرآن، قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم). [19]

ثانيا- إن إقرار مشروعية مرجعية فهم السلف للنصوص الدينية وأولويته هو أمر متأخر عن عصر السلف الصالح أنفسهم.

يقول البوطي: (ولكن السلف أنفسهم لم يكونوا ينظرون إلى ما يصدر عنهم من أقوال أو أفعال أو تصرفات هذه النظرة القدسية الجامدة التي تقتضيهم أن يسمّروها بمسامير الخلود والثبات). [20]

ثالثا- إن حديث الخيرة لا يمكن الإحتجاج به في إثبات مسألة عقيدية، فضلا عن مرجعية السلف الصالح في أمور العقيدة؛ لأنه خبر آحاد. والاعتقاد يتطلب إذعاناً وتصديقاً قلبياً، وخبر الواحد يفيد الظن، والظن لا يورث إذعاناً للقلب ولا قناعة للعقل، كما أن القدر المتيقن من النهي عن اتباع الظن في الآيات القرآنية كقوله تعالى:{إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون}.[21] أنها في شأن اعتماد الظن في المسائل العقدية. وقد قام الإجماع الإسلامي حول عدم حجية الظن في أصول العقيدة.[22]

رابعا- إن حصر مسألة الأخذ بمنهج الماضين في دلالاته ببعض المسلمين أصحاب المنهجية الخاصة هو أمر مجافي للواقع على صعيد الفكر الإسلامي باعتبار أن الأخذ بمنهج الماضين والذين يمثلون المرجعية الأصيلة للإسلام أو الإستضاءة بسلوكهم كالقرآن والنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو صبغة عامة لجميع المسلمين لا صفة خاصة بجماعة دون جماعة أخرى.[23]

الهوامش

  1. سورة الزخرف: 56.
  2. ابن منطور، لسان العرب، ج 7، ص 233.
  3. الراغب الأصفهاني، المفردات، ص 239.
  4. مسلم، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي عليها الصلاة والسلام ،ح 2450، ص 1905.
  5. البوطي، السلفية مرحلة زمنية، ص 9.
  6. السيلي، العقيدة السلفية، ص 24.
  7. أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب، ص 178.
  8. السيلي، العقيدة السلفية، ص 24.
  9. التميمي، محمد بن خليفة، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، ص 47.
  10. التميمي، محمد بن خليفة، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، ص 47.
  11. التميمي، محمد بن خليفة، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، ص 47.
  12. البوطي، السلفية مرحلة زمنية، ص 9.
  13. البوطي، السلفية مرحلة زمنية، ص 9؛ السيلي، العقيدة السلفية، ص 24.
  14. السراجي، الأسس الدينية للاتجاهات السلفية، ص 46.
  15. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 4، ص 96.
  16. ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 4، ص 96.
  17. كثيري، محمد، السلفية بين أهل‌السنة والإمامية، ص 28.
  18. البخاري، صحيح البخاري، كتاب الشهادات، ج 3، ص 151.
  19. سورة الحجرات: 13.
  20. البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص 14- 15.
  21. سورة الأنعام: 116.
  22. الخشن، حسين، حول حجية خبر الواحد في العقائد، http://www.al-khechin.com
  23. أبو رمان، محمد ، أنا سَلَفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين، ص

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • ابن منطور، لسان العرب، محمد بن مكرم الأفريقي، بيروت، دار صادر، ط 1، 2000 م.
  • السيلي، سيد عبد العزيز، العقيدة السلفية بين الإمام ابن حنبل والإمام ابن تيمية، القاهرة، دار المنار، ط 2، 1995 م.
  • أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية، بيروت، دار الفكر العربي.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، بيروت، دار الفكر، 1401-1981 م.
  • البوطي، السلفية مرحلة إسلامية مباركة لا مذهب إسلامي، دمشق، دار الفكر، ط 9، 2009 م.
  • ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2، 2005 م.
  • السراجي، كريم شاتي، الأسس الدينية للاتجاهات السلفية، بيروت، دار السلام، ط 1، 2010 م.
  • مسلم، الحجاج القشيري النيسابوري، صحيح مسلم، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، 2001 م.
  • الراغب الاصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، المطبعة الميمنية، ط 1، 1324 هـ.
  • كثيري، محمد، السلفية بين أهل‌ السنة والإمامية، قم، مؤسسة دائره‌ معارف‌ الفقه‌ الإسلامي طبقا لمذهب أهل‌البيتعليه السلام‏، ط 2، ۱۴۲۹ هـ/ ۲۰۰۸م.
  • التميمي، محمد بن خليفة بن علي، معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، الرياض، الناشر: أضواء السلف، ط 1، 1419هـ/1999م.
  • أبو رمان، محمد ، أنا سَلَفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين، مراجعة: شفيق شقير، مؤسسة فريدريش أيبرت، 2014م.