الحجاج بن يوسف الثقفي

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الحجاج بن يوسف الثقفي
الولادة 42
الطائف (قرية بني صخر)
الوفاة 95
المدفن واسط
أعمال بارزة حاكم الحجاز وحاكم العراق في العصر الأموي


الحجاج بن يوسف الثقفي (المتوفى 95 هـ)، أشهر قائد أموي في العراق والحجاز، ومن ألد أعداء شيعة أهل البيت عليهم السلام. وكان له دور مهم في استقرار وتحكيم الدولة الأموية.

الوفاء والولاء لآل أمية واللذان كان يتمتع بهما الحجاج، إضافة إلى خدماته الكثيرة ومساعيه الجبارة لحفظ الكيان الأموي سببّ له مكانة رفيعة عندهم، حيث أوصى عبد الملك بن مروان ابنه الوليد أن يهتم بالحجاج، كما وسمّى أحد أبنائه باسم الحجاج.

وقد اشتهر الحجاج بالظلم وسفك الدماء، وقد أسرف في قتل أعدائه ومعارضيه حتى أن عبد الملك بن مروان قد نهاه من هذا الإسراف. فيقول المؤرخون أن عدد اللذين قد قتلوا على يد الحجاج أكثر من 120.000 شخصاً، وورد أيضا أنّ العدد تجاوز الـ 130.000 قتيلاً، فكان سفاكاً وسفاحاً.

قد أسس الحجاج مدينة واسط، ومات فيها.

نسبه ونشأته

أبوه يوسف بن حكم الثقفي أحد سادات ثقيف وأشرافهم،[١] وكانت له صلة وثيقة بآل مروان بن الحَكَم الأموي، وشارك في حروبه وحروب عبد الملك بن مروان، كما وكان أميراً على بعض المناطق إبان حكم عبد الملك، وأخيراً توفي في أيام حكم الحجاج على المدينة.[٢]

أمه "فارعة" وقيل "فريعة"، بنت همّام بن عروة الثقفي.[٣]

ولد الحجاج المكنّى بأبي محمد في قرية بني صخر.[٤] هناك أقوال عديدة حول تاريخ ولادته، فيقال بأنه ولد سنة 39، ويقال سنة 40، أو41[٥] أو 42 [٦] وأيضا ذكرو ولادته في سنة 45 أو بعدها بقليل.[٧]

كلمة الحجاج من الناحية اللغوية هو كثير الحج، وهناك معان كثيرة يذكرها ابن منظور حول معنى الحج، فالحج هو قصد شخص أو شيء معين، ومنها يأتي مصطلح حج البيت، فالحج هو الزيارة والإتيان، وأيضا قيل أنّ الحج أن تُفلق الهامة، ويختلط الدم بالدماغ.[٨] على أي فذكر بعض المؤرخين أن اسمه الحقيقي هو كُليب، ومن ثم سمي بالحجاج، وقال البعض أن كليب لقبٌ لُقِّب به الحجاج في صغره.[٩]

حياته

لا توجد معلومات كاملة ودقيقة عن بدايات حياته ولكن عند مراجعة بعض الأشعار والأخبار، يمكن القول بأنه كأجداده كان يعمل في الطائف حفارا للآبار[١٠] وراع للمواشي ودباغاً لجلودها.[١١] وبحسب الظاهر أنّه تعلم القرآن والعلوم الدينية على يد والده في الصغر،[١٢] ثمّ قد تتلمذ على يد علماء مثل عبد الله بن عباس وأنس بن مالك وسمرة بن جندب وأبي بردة بن أبي موسى الأشعري.[١٣]

كان الحجاج في قرية الكوثر بالقرب من الطائف يمتهن تعليم الصبيان،[١٤] وبحسب بعض الأخبار كان يعلم أولاد سليمان بن نعيم الحميري وسليمان بن عبد الملك أيضا.[١٥]

وبقى الحجاج في الطائف إلى عامه العشرين أو أكثر بعدة سنوات، ومن ثمّ انتقل مع أبيه إلى الشام،[١٦] وترعرع فيها.[١٧]

سماته

ذُكر أن الحجاج كان قبيح الوجه وصغير الجسد،[١٨] ولكن كان فصيحاً وبليغاً وخطيبا جباراً[١٩] وبمراجعة سريعة على تاريخه وأفعاله يتضح للباحث بأنه كان سياسيا محنّكاً وقائداً مدبراً، وكثيراً ما استخدم المكر والخداع لكي ينتصر في حروبه.

وقد ورد للحجاج سمات عدة، فذكر أنه كان جباراً وظالماً وكافراً وفاسقاً[٢٠] وكذاباً وخبيثاً.[٢١]

وفي رسالة أرسلها الحجاج إلى عبد الملك وصف نفسه بالحقد والحسد والعناد.[٢٢]

إبان حكم مروان بن الحكم

في مصر والشام

كان الحجاج وأبوه في جيش مروان بن الحكم، وقد توّجه هذا الجيش إلى مصر سنة 64 هـ، كما تم تحرير مصر التي كانت تحت سلطة عبد الرحمن بن جحدم الفهري أحد قادة عبد الله بن الزبير، وهكذا أصحبت مصر تحت الرعاية الأموية[٢٣] وبعد إقامة دامت شهرين في مدينة فسطاط، عاد الحجاج مع أبيه إلى الشام بمعية مروان.[٢٤]

في الحجاز

أرسل مروان بن الحكم في شعبان أو رمضان سنة 65 هـ، جيشاً بقيادة حبيش بن دلجة القيني إلى الحجاز لقمع عبد الله بن الزبير، حيث اشترك في هذا الجيش الحجاج وأبيه وكانا على رأس إحدى ألويته، وانهزم الجيش بالقرب من قرية الربذة ـ شرقي المدينة المنورة ـ من جيش ابن زبير، وهرب من لم يُقتل، ويذكر الحجاج هذا الهروب كنقطة سوداء وعار في تاريخه.[٢٥]

إبان حكم عبد الملك بن مروان

في فترة حكم عبد الملك بن مروان، كان الحجاج رئيس شرطة أبان بن مروان، شقيق عبد الملك ووالي فلسطين،[٢٦] ومن ثمّ صار أحد رجال شرطة روح بن زنباع الجذامي، ـ وزير الخليفة والأقرب إليه ـ. وكانت الشرطة آنذاك في حالة سيئة؛ فقرر عبد الملك أن يصحح مجراها، وأشار عليه روح بن زنباغ بتعيين الحجاج عليهم، فقبل عبد الملك الاقتراح، فجدّ واجتهد الحجاج في عمله حتى قربه عبد الملك من نفسه.[٢٧]

عندما أثار زفر بن حارث الكلابي الشغب في قرقيسيا بالقرب من جزيرة ابن عمر ضد عبد الملك وطالت محاصرة زفر، أرسل عبد الملك وفدا بقيادة رجاء بن حيوه الكندي للمفاوضات والصلح، وكان الحجاج أحد أعضاء هذا الوفد.

صلّى جميع أعضاء الوفد خلف زفر بن حارث إلاّ الحجاج حيث قال بأنه لا يصلي خلف منافق رفض طاعة الخليفة الأموي. وهذا الأمر علّى من شأنه ومكانته عند عبد الملك، فقرر أن يعيّنه والياّ على مدينة صغيرة تسمى "تبالة" ولكن عندما ذهب الحجاج إليها ورأى صغر حجمها وقلة شأنها، عاد إلى عبد الملك واعتذر من تولي هذه الأمارة.[٢٨]

حربه مع مصعب بن الزبير

كان للحجاج دور مهم في تعبئة الشاميين عام 72 للذهاب إلى العراق والحرب مع مصعب بن زبير، وكان وقتها أحد قادة جيش عبد الملك بن مروان. وقُتل مصعب في هذه الحرب وأصبحت العراق تحت راية الخلافة الأموية.[٢٩]

بعد أن استولى عبد الملك على الكوفة أرسل الحجاج على رأس جيش كان أكثرهم من الشاميين لقمع عبد الله بن الزبير في الحجاز.[٣٠] وبالغ بعض المؤرخين في عدد جيش الحجاج وقالوا أنه تجاوز العشرين ألفا بل ذكر بعضهم أن العدد كان أربعين ألفا بين فارس وراجل،[٣١] ولكن هناك من تطرق لعدد أكثر مقبولية وذكروا عدد الجيش إضافة للقوات المساعدة التي لحقت بهم فيما بعد، بما يقارب سبعة آلاف شخص.[٣٢]

حربه مع عبد الله بن الزبير

في جمادى الأولى من سنة 72هـ، خرج الحجاج من الكوفة وفي شعبان من السنة نفسها وصل الطائف، وعسكر هناك.[٣٣] تنقل بعض الأخبار أن سبب استقراره في الطائف هو أنه لم يؤمر في بادئ الأمر بالتعرض لمكة والمسجد الحرام.[٣٤]

ولكن بعد مُضيّ شهرين من إقامته في الطائف وبعض الاشتباكات البسيطة بين جيشه وجيش ابن الزبير في عرفات وبعد وصول التعزيزات المطلوبة إضافة إلى أمر الخليفة الأموي، توجّه في الأول من ذي القعدة سنة 72 إلى مكة المكرمة وحاصرها لمدة سبعة أو تسعة أشهر ومن ثم رجم الكعبة بالمنجنيق وبعد معارك عديدة قتل عبد الله بن الزبير في 17 جمادى الأولى أو جمادى الآخر سنة 73 واحتل مكة وضم الحجاز إلى الحكم الأموي.[٣٥]

حاكم الحجاز

تقديرا لخدمات الحجاج وإخلاصه وجهده لتقوية الدولة الأموية ولّى عبد الملك بن مروان الحجاج على مكة، فترة قصيرة ثمّ ولّاه على المدينة والطائف، ثمّ اليمن واليمامة.[٣٦]

وفي أول خطواته طهّر الحجاج المسجد الحرام من آثار الحرب، وفي أوائل سنة 74هـ ذهب إلى المدينة المنورة وأقام فيها شهرين، ومن ثم عاد إلى مكة ليعيد بناء الكعبة بأمر من الخليفة الأموي،[٣٧] وفي أثناء مكوثه في المدينة عامل أهلها وخاصة صحابة الرسول الأكرم، بأبشع وأسوء معاملة.[٣٨]

ومن ثم سافر الحجاج برفقة عدد من أشراف الحجاز إلى الشام للقاء الخليفة الأموي.[٣٩]

حاكم العراق

بعد حكم الحجاج على الحجاز لمدة سنتين (أو ثلاث سنوات بحسب بعض الروايات) أقاله عبد الملك بن مروان من منصبه، وفي شهر رجب المرجب ـ ويقال في شهر رمضان المبارك ـ من سنة 75 عيّنه واليا على العراق وبخيارات واسعة وشاملة وكاملة، ويذكر المؤرخون عدة أسباب لهذه الإقالة والتعيين، منها: أن عدداً من أشراف الحجاز طلبوا من عبد الملك أن يقيل الحجاج من إمارة الحجاز، وفضلاً عن ذلك يُقال السبب هو موت حاكم العراق بشير بن مروان بن الحكم، مما سبب اضطرابات في العراق إضافة لخطر إثارة الشغب من قبل الخوارج.[٤٠]

وهكذا تحققت نبوءة الإمام علي (ع) عندما قال لأهل الكوفة: "أما والله، ليسلطن عليكم غلام ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتكم ويذيب شحمتكم، إيه أبا وذحة".[٤١]

بعد أن وصل للحجاج أمر الإمارة الجديدة، أسرع نحو العراق ودخل الكوفة يوم الجمعة ملثّماً وبرفقة اثني عشر فارساً، فدخل مسجد الكوفة وألقى خطابه الشهير الذي أمهل فيه مَن هرب من جيش المهلب بن أبي صفرة قائد جيوش بشر بن مروان ـ الذي كان يريد الحرب مع خوارج الحرورية ـ أن يلتحق للجيش خلال ثلاثة أيام أو يلاقي مصير الموت.[٤٢]

وبعد خطبته هذه وسيطرته على الكوفة ذهب الحجاج إلى البصرة وألقى فيها خطبة مثل التي قام بها في أهل الكوفة، وتوعدهم مثل وعيده إياهم، ومن ثم ذهب إلى رستقباذ لتعزيز معنويات المهلب في حربه ضد الخوارج.[٤٣]

ثورة ابن الجارود

عندما كان الحجاج في رستقباذ ثار الناس عليه بقيادة عبد الله بن الجارود، ويقال أن سبب هذه الثورة هو تهديدات الحجاج بشأن البقاء في ساحات القتال وصولاً إلى النصر الكامل، وأيضا تخفيض مائة درهم من رواتب المقاتلين. كانت هذه الثورة أو الاحتجاج في ربيع الآخر من سنة 76، ونهب أهل العراق فيها الأموال ومخازن الأسلحة. فحاربهم الحجاج بعد استشارة أصحابه ووصول التعزيزات، وقَتَل ابن الجارود، وفرّق أنصاره.[٤٤]

ثورة الزنوج

تزامنا مع أمر ابن الجارود اجتمع خلق كثير من الزنج بالقرب من نهر الفرات وجعلوا عليهم رجلاً منهم اسمه رباح ويلقب شير زنجي ـ يعني أسد الزنج ـ واحتلوا بعض القرى والمناطق المحاذية للبصرة، فأرسل إليهم الحجاج جيشاً، فهزم الزنج وقتلهم في سهل دورق ـ الواقعة في خوزستان ـ.[٤٥]

حروب الخوارج

في أواخر رمضان 75، أرسل الحجاج جيشاً بقيادة المهلب وعبد الرحمن بن مخنف لقمع خوارج الأزارقة بقيادة قطري بن فجاترة، ودارت بينهما حروب، واستمرت إلى بدايات سنة 78، وتم قمعهم بعد خلاف ظهر بين الخوارج مما أدى إلى تشتتهم وقمعهم في نهاية المطاف.[٤٦]

وفي عامي 76و77 ثار الخوارج ضد الحجاج بقيادة شبيب بن يزيد الشيباني، ووقعت عدة معارك بين الجيشين في العراق وكان النصر يحالف جيش شبيب دائما، حتى استطاع الحجاج أخيراً أن يهزم الشيباني، ويُلحق الخسارة بجيشه.[٤٧]

ثورة مطرف بن المغيرة بن شعبة

كان مطرف بن المغيرة بن شعبة والياً للحجاج على المدائن، وقام ضد الحجاج والحكم الأموي، فخلع عبد الملك وأحلّ دم الحجاج، ومن جهة أخرى سجن الحجاج "حمزة" ـ شقيق مطرف وأحد مواليه ـ في همدان وأرسل جيشاً لقتال ابن المغيرة وفي معركة حاسمة قمع ثورتهم وقتل مطرف بالقرب من مدينة اصفهان.[٤٨]

الحرب مع ابن الأشعث

أعنف وأشد تمرد واجهه الحجاج كان ثورة عبد الرحمن بن الأشعث الكندي والتي طالت من سنة 81 ولغاية 84 للهجرة.[٤٩]

بعد هزيمة الجيش الأموي سنة 79 في مطاف جيش رتبيل (حاكم سجستان) وآلاف الضحايا من المسلمين،[٥٠] أعد الحجاج في نهايات سنة 79 وبدايات سنة 80، جيش الطواويس لقتال رتبيل، وجعل فيه من أهل الكوفة عشرين ألفا ومن أهل البصرة عشرين ألفا، وبعث عليهم عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، وكان الجيش يسمى الطواويس لحسنه.

وبعد نجاحات عدة حققها عبد الرحمن، قرر أن يكتفي من التوغل إلى بلاد السند؛ وذلك بسبب بداية الشتاء فلذا كتب إلى الحجاج يعرّفه بذلك، مطالباً إياه توقف الحرب حتى قدوم الربيع وتحسن الطقس، ولكن الحجاج لم يقبل بذلك وأرسل له كتاباً يعيب فيه رأي الكندي، وأمَره بالوغول في أرض العدو، هذا الأمر إضافة لخلاف سابق كان بين الحجاج وابن الأشعث سبب عصيان وثورة عبد الرحمن بن الأشعث، فثار بعد أن بايعه أكثر من سبعين ألفا، فخلع الحجاج وتصالح مع رتبيل وسار نحو العراق.[٥١]

بعد وصول التعزيزات العسكرية المرسلة من قبل عبد الملك بن مروان، اتجه الحجاج نحو البصرة وواجه ابن الأشعث، وفي أول حرب بين الجيشين في منطقة الدجيل انتصر الحجاج، ولكن في معركتهم الثانية التي كانت في تستر قد انهزم الحجاج هزيمة عظمى وقتل من قتل من جيشه وكانت معركة تستر في عيد الأضحى من سنة 81 ه، فلما أتى خبر الهزيمة إلى الحجاج رجع إلى البصرة. وجمع جيوشه، وأعاد تنظيمها، وقرّر الهجوم على جيوش ابن الأشعث في البصرة، وبالفعل في محرم الحرام سنة 82 اصطدم الجيشان في الزاوية (بالقرب من البصرة) وتمكن الحجاج من هزيمة جيش عبد الرحمن، واستعاد البصرة وعفى عن أهلها.

بعد هزيمة عبد الرحمن في معركة الزاوية نزل دير الجماجم (التي تقع على بعد سبعة فراسخ من شمال الكوفة) واجتمع إليه مئتي ألف مقاتل ممن يبغضون الحجاج، وحين وصل خبرهم إلى الحجاج اتجه لقتالهم وبعد مئة يوم وأكثر من ثمانين معركة بين الطرفين والتي بدأت منذ الأول من ربيع الثاني واستمرت لغاية 14 جمادي الآخرة، انهزم جيش ابن الأشعث هزيمة نكراء. ويُذكر أن الحجاج قد قطع رأس أغلب الأسرى في هذه المعارك.[٥٢]

وفي شعبان سنة 83 التقى جيش ابن الأشعث مع جيش الحجاج، وهُزم جيش ابن الأشعث في معركة مسكن، وهرب الكندي إلى سيستان ولجأ عند رتبيل، فتصالح الحجاج مع رتبيل وطلب منه أن يسلمه ابن الأشعث، فقبل رتبيل وأرسل له عبد الرحمن ولكن انتحر الكندي في الطريق.[٥٣]

فتوحات في شبه القارة الهندية

بعد ما تمكن الحجاج من قمع جميع معارضي الحكومة الأموية، أمر قتيبة بن مسلم الباهلي (والي خراسان) أن يستمر في فتوحاته، ولبّى قتيبة الأمر، وفتح كثير من مدن وبلدان ما وارء النهر وآسيا الوسطى[٥٤] ومن جهة أخرى فتح محمد بن قاسم الثقفي مناطق من السند وشبه القارة الهندية.[٥٥]

وفاؤه لآل أمية

وفاء الحجاج لآل أمية وخضوعه المطلق لهم، إضافة إلى جهوده لحفظ الخلافة الأموية أعطته مكانة مرموقة في دار الخلافة، مما دعى عبد الملك بن مروان أن يوصي ابنه الوليد ـ وهو على فراش الموت ـ أن يهتم بالحجاج،[٥٦] وفضلاً عنه فقد سمّى أحد أبنائه حجاجاً.[٥٧] وبالغ الوليد بن عبد الملك في تكريم الحجاج حيث يعلّق على مقولة أبيه الذي كان يعتبره جلدة ما بين عينيه قائلا: "ألا وإن الحجاج جلدة وجهي كلّه".[٥٨] وعندما بلغه خبر موت الحجاج لقد حزن كثيراً.[٥٩]

نظرة إلى نشاطاته

بنظرة عامة إلى نشاطاته يمكن تقسيم نشاطاته إلى قسمين، القسم الأول هو العامة والذي يحوي النشاطات الايجابية أحياناً، والقسم الثاني هو النشاطات السلبية.

النشاطات العامة

أهم النشاطات العامة هي: الإعمار والإصلاح، والاهتمام بالشعر والشعراء.

الإعمار والإصلاح

قام الحجاج بأعمال إصلاحية وعمرانية عدة، منها حفر بئر ياقوتة في مكة، وبناء سدود لتخزين المياه في الحجاز[٦٠] وإصلاح الأراضي الزراعية على نهر الفرات،[٦١] كما وبنى الحجاج مدينة "النيل" شمالي الحلة، ولكن لم يبقى من هذه المدينة الآن سوى بعض الآثار.[٦٢] وبنى الحجاج ما بين سنة 83 وسنة 86 مدينة واسط، وفرض عليها قوانين خاصة لنظافتها وجمالها، وأقام فيها حتى أدركه الموت.[٦٣]

كما وسكّ الحجاج الدرهم والدينار في سنة 75و76 بالكتابة العربية.[٦٤]

وتذكر بعض الأخبار أن الحجاج أمر نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر ـ من تلامذة أبي الأسود الدؤلي الذي تعلم النحو من الإمام علي (ع) ـ أن ينقّطوا القرآن منعاً لتحريف الكلمات والآيات،[٦٥] كما وطلب من حفاظ القرآن أن يقسّموا القرآن إلى مجموعات خماسية وعشارية.[٦٦]

ومن المعروف أن الحجاج هو أول من كسى الكعبة بالديباج،[٦٧] وهو أول من دهن السفن بمادة القير، واستخدم في صناعتها المسامير.[٦٨]

وبسبب ملاحقة الأشاعرة من قبل الحجاج، لقد هاجر بعض كبار هذه العائلة إلى مدينة قم، حيث كان لهم الدور الأساس في تطويرها وتحولها ونشر التشيع فيها.[٦٩]

الاهتمام بالشعر والشعراء

اشتهر الحجاج بالفصاحة والأدب والشعر؛ ولذا اهتم بالشعراء والأدباء أيضاً، فنجد كثيراً من الشعراء في بلاطه، وقد مدحه بعض كبار الشعراء كجرير،[٧٠] وهذا لا يمنع من أن قد هجاه البعض الآخر.[٧١]

النشاطات السلبية

أهم نشاطات الحجاج السلبية هي ما تتعلق بالمجازر والمذابح من جهة وعلاقته بالشيعة من جهة أخرى.

المجازر والمذابح

كان الحجاج سفاكا بطبعه، يقتل الناس حتى الشيوخ والصبيان، لا لشيء إلا حبا بالقتل وإراقة الدماء،[٧٢] وكان يخبر عن نفسه أن أكثر لذاته سفك الدماء، وارتكاب أمور لا يقدم عليها غيره، ولا سبق إليها سواه،[٧٣] فلقد قتل الحجاج الآلاف من الأسرى في دير الجماجم والزاوية وبحسب المؤرخين وصلت إحصائية القتلى إلى أكثر من 130 ألف شخص.[٧٤] حتى أن عبد الملك بن مروان لقد اعترض على هذا الإسراف في إراقة الدماء، وكتب للحجاج أن لا يستمر بمثل هذه المجازر.[٧٥]

الحجاج والشيعة

كان الحجاج قد اتخذ منهج أسلافه في التحفيز على سب آل علي(ع) وقتل من لا يتبرأ منهم.[٧٦] وكانت تهمة التشيع مبررا لضرب الأعناق من قبل الحجاج، فينقل إبن أبي الحديد عن الإمام الباقر (ع): "... جاء الحجاج فقتلهم [الشيعة] كل قتلة، وأخذهم بكل ظنة وتهمة، حتى أن الرجل ليقال له: زنديق أو كافر، أحب إليه من أن يقال: شيعة علي".[٧٧] فكان الحجاج يقرّب من يبغض علي (ع) ويوالي أعداءه، فكثُر الطعن فيه والشنآن له عليه السلام.[٧٨]

فيذكر المسعودي أن عبد الله بن هانئ ـ أحد المقربين من الحجاج وكان وحش المنظر ـ بدأ بذكر مناقب قومه عند الحجاج بعدما اعتبره الحجاج من قوم ليس لهم منقبة، وكان الحجاج يؤيده بعد كل أمر يذكره عبد الله ويقول له: "نعم! هذه منقبة"، حتى قال ابن هانئ: "ما منّا رجل عرض عليه شتم أبي تراب ولعنه إلا فعل، وقال وأزيدكم ابنيه الحسن والحسين وأمهما فاطمة" فقال له الحجاج: "وهذه والله منقبة".[٧٩]

بعض ما يتعلق به

بعض ما ذكره المؤرخون من أخبار الحجاج تستحق التأمل، منها إهانة مرقد ومنبر الرسول الأكرم والمدينة المنورة وتأخير الصلاة عمدا،[٨٠] كما ووصف الحجاج نبي الله سليمان حسودا[٨١] واعتبر الخليفة الأموي أعلى مكانة من الملائكة والأنبياء والرسول الأكرم (ص)،[٨٢] وكان يرى بأن طاعته أولى من طاعة الله.[٨٣]

وفاته

لعنة سعيد بن الجبير

كان سعيد بن جبير ممن استشهدوا على يد الحجاج، وقبل شهادته دعى الله قائلا: "اللهم لا تسلطه على أحد".[٨٤]

وقيل أن الحجاج لم يلبث بعد مقتل سعيد أكثر من أربعين يوما[٨٥] وكان إذا نام يراه في المنام فيأخذ بمجامع ثوبه« ويقول: "يا عدو الله فيم قتلتني؟" فيقول الحجاج: "مالي ولسعيد بن جبير، مالي ولسعيد بن جبير؟" ويقال أن الحجاج لم يسلط بعده على أحد حتى مات.[٨٦]

وفاته

مات الحجاج في رمضان أو شوال سنة 95.[٨٧] وقد أوصى يزيد بن أبي مسلم أن يُدفن سرا وأن يخفي موضع قبره، كي لا يتعرض للنبش.[٨٨]

آل الحجاج

تعرضت عائلة الحجاج إبان حكم سليمان بن عبد الملك للمضايقة والمطاردة والاعتقال والتعذيب، كما وصودرت كل ممتلكاتها، وأمر الخليفة الأموي أن يُلعن الحجاج على المنابر.[٨٩] وتم تبعيد كل آل الحجاج إلى اليمن في فترة حكم عمر بن عبد العزيز.[٩٠]

الهوامش

  1. بن خلدون (2001م) ص40
  2. الدينوري (1960) ص395و396
  3. البلاذري (2000) ص330
  4. العمد (1972) ص83
  5. الدمشقي (د.ت) ص700
  6. الطبري (1971) ص172
  7. العسقلاني (1995) ص186
  8. ابن منظور (1414هـ) باب حجج
  9. الجاحظ (1948) ج1، ص324
  10. ابن عبد ربه (1990) ج5، ص31
  11. ابن نباتة (1964) ص170
  12. العمد (1972) ص91
  13. ابن عساكر (2001) ج12، ص113
  14. الدينوري (1960) ص475
  15. العمد (1972) ص107
  16. العمد (1972) ص93ـ97
  17. الجهشياري (1938) ص24
  18. الجاحظ (1948) ج1، ص386
  19. الجاحظ (1948) ج1، ص346
  20. ابن عبد ربه (1990) ج5، ص 42و43
  21. الجهشياري (1938) ص26
  22. ابن عساكر (2001) ج12، ص167
  23. الطبري (1971) ج5، ص530ـ540
  24. العمد (1972) ص102
  25. الطبري (1971) ج5، ص611و612
  26. الدينوري (1960) ص354ـ396
  27. ابن عبد ربه (1990) ج5، ص14
  28. ابن نباتة، (1964) ص173
  29. المسعودي (2005) ج3، ص90-94
  30. البلاذري (2000) ج6، ص204،212،242
  31. اليعقوبي (2010) ج2، ص185
  32. البلاذري (2000) ج6، ص220
  33. الطبري (1971) ج6، ص174و175
  34. البلاذري (2000) ج6، ص220
  35. البلاذري (2000) ج6، ص220ـ224
  36. المسعودي (2005) ج3، ص98
  37. البلاذري (2000) ج6، ص240
  38. البلاذري (2000) ج6، ص240
  39. البلاذري (2000) ج6، ص241
  40. الطبري (1971) ج6، ص202ـ209
  41. الإمام علي (1419هـ) الخطبة 116، المطابقة للخطبة 115 من نسخة إبن أبي الحديد.
  42. الجاحظ (1948) ج2، ص307-310
  43. الطبري (1971) ج6، ص210
  44. البلاذري (2000) ج6، ص397-405
  45. البلاذري (2000) ج6، ص414و415
  46. الدينوري (1960) ص411
  47. الدينوري (1960) ص411
  48. الطبري (1971) ج6، ص 284 - 298
  49. العمد (1972) ص259
  50. الطبري (1971) ج6، ص322-324
  51. البلاذري (2000) ج6، ص431-436
  52. البلاذري (2000) ج6، ص452و460و480
  53. البلاذري (2000) ج12، ص425و472و480
  54. الطبري (1971) ج6، ص424-445
  55. اليعقوبي (2010) ج2، ص212و213
  56. البلاذري (2000) ج6، ص322
  57. البلاذري (2000) ج6، ص303
  58. الدينوري (1925) ج2، ص49
  59. المبرد (د.ت.) ج2، ص111
  60. الأزرقي (1983) ج2، ص224و281و282
  61. البلاذري (1992) ص290
  62. البلاذري (1992) ص290
  63. البلاذري (2000) ج6، ص481و507و613
  64. الدينوري (1960) ص357
  65. ابن كثير (1988) ج9، ص124
  66. ابن عساكر (2001) ج12، ص116
  67. ابن كثير (1988) ج2، ص282
  68. الجاحظ (1948) ج2، ص303
  69. البلاذري (1992) ص383
  70. ابن كثير (1988) ج9، ص292
  71. ابن كثير(1988) ج9، ص34
  72. مغنية (2000) ص94
  73. المسعودي (2005) ج3، ص106
  74. الطبري (1971) ج6، ص381-382
  75. المسعودي (2005) ج3، ص112
  76. مغنية (2000) ص 94ـ96
  77. ابن أبي الحديد (2007) ج11، ص29
  78. ابن أبي الحديد (2007) ج11، ص31
  79. المسعودي (2005) ج3، ص120
  80. الجاحظ (1948) ج2، ص298
  81. ابن عساكر (2001) ج12، ص161
  82. البلاذري (2000) ج6، ص481و507و613
  83. الجاحظ (1969) ج3، ص15و16
  84. ابن كثير (1988) ج9، ص116
  85. ابن كثير (1988) ج9، ص116
  86. ابن كثير (1988) ج9، ص115
  87. الدينوري (1960) ص395
  88. البلاذري (2000) ج12، ص353
  89. الجاحظ (1948) ج1، ص397
  90. ابن عساكر (2001) ج12، ص187

المصادر والمراجع

  • الإمام علي (1419هـ) نهج البلاغة، قم: دار الثقلين.
  • ابن أبي الحديد (2007) شرح نهج البلاغة، ج11، بيروت: الأميرة.
  • ابن خلدون، عبد الرحمن (2001م) مقدمة ابن خلدون، بيروت: دار الفكر.
  • ابن عبد ربه (1990) العقد الفريد، ج5، بيروت: مطبعة علي شيري.
  • ابن عساكر (2001) تاريخ مدينة دمشق، ج12، بيروت: مطبعة علي شيري.
  • ابن كثير، اسماعيل بن عمر (1988) البداية والنهاية، ج9، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
  • ابن منظور، محمد بن مكرم (1414هـ) لسان العرب، ج2، بيروت: دار صادر.
  • ابن نباتة، (1964) سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون، القاهرة: مطبعة محمد أبو الفضل.
  • الأزرقي، محمد بن عبد الله (1983) أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، ج2، بيروت: رشدي صالح.
  • البلاذري، أحمد بن يحيى (1992) فتوح البلدان، فرانكفورت: دخويه.
  • البلاذري، أحمد بن يحيى (2000) أنساب الشرف، ج6، دمشق: محمود فردوس العظم.
  • الجاحظ، عمرو بن عمر (1948) البيان والتبيين، ج2، بيروت: مطبعة عبد السلام.
  • الجاحظ، عمرو بن عمر (1969) الحيوان، ج3، القاهرة: مطبعة عبد السلام.
  • الجهشياري، محمد بن عبدوس (1938) الوزراء والكتاب، القاهرة: مطبعة عبد الله اسماعيل الصاوي.
  • الدمشقي، أبو زرعة (د.ت) تاريخ أبي زرعة الدمشقي، ج2، دمشق: مطبعة شكر الله قوجاني.
  • الدينوري، إبن قتيبة (1925) عيون الأخبار، ج2، القاهرة: دار الكتب المصرية.
  • الدينوري، ابن قتيبة (1960) المعارف، القاهرة: ثروت عكاشة.
  • الطبري، محمد بن جرير (1971) تاريخ الطبري، ج5، مصر: دار المعارف.
  • العسقلاني، ابن حجر (1995) تهذيب التهذيب، بيروت: صدقي جميل العطار.
  • العمد، إحسان صدقي (1972) الحجاج بن يوسف الثقفي، بيروت: د.ن.
  • المبرد، محمد بن يزيد (د.ت.) الكامل، ج2، القاهرة: مطبعة محمد أبو فاضل إبراهيم.
  • المسعودي، ابي الحسن (2005) مروج الذهب، ج3، بيروت: المكتبة العصرية.
  • مغنية، محمد جواد (2000) الشيعة والحاكمون، بيروت: دار الجواد.
  • اليعقوبي، أحمد (2010) تاريخ اليعقوبي، ج2، بيروت: شركة الأعلمي للمطبوعات.