الدجال

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

الدجال شخصيّة أو مجموعة شخصيّات نُوِّه بخطورتها ودورها الممتدّ على مدى الأزمان، لاسيما الدجال الكبير المرتقَب في أحداث آخر الزمان، وأهم مهامّه التمويه والتضليل. ورد ذكره في كتابات اليهود والعهد الجديد والروايات الإسلامية على اختلاف كبير بين أخبار الفريقين من ناحية الإجمال والتفصيل حيث ركّزت كتب الشيعة على تفاصيل أخبار السفياني المحارب للمهدي.

اقترن ذكر الدجال في الروايات الإسلامية بذكر السيد المسيح والمهدي الموعود وعُدّ من ألدّ أعدائهما، ويُنقَل مقتله على يد أحدهما. ذُكِر أنه يخرج على مجاعة عامّة والناس في سنين قحط وجدب شديدين، يدّعي الصلاح والإصلاح وهو ليس منهما في شيئ، ويكذب على الله ورسوله، ويسحر أعين الناس؛ فيتبعه، ويفتتن به أكثرهم.

هذا وقد أشارت الأحاديث النبوية لدى الفريقين إلى ظهور مجموعة من الكذابين بعد خلفاء الأمة الاثني عشر, أما الدجال الكبير فقد اكتنف شخصيته الغموض وطغى على أخباره الطابع الأساطيريّ مما أدى إلى اختلاف في تفسير معالم هذه الظاهرة المُلغَزة المعدودة كمثيلاتها في عِداد علم الأخرويات (Eschatology).

المعنى اللغوي

الدجّال لغة من الدَجَل بمعنى التغطية والطلي والتمويه وَسُمِّي الدَّجَّال بذلك لسحره وكذبه. [1] ومنه اشتُقَ اسم نهر الدِجلَة حيث أنها غَطَّت الأرض بمائها حين فاضت. [2]

الدجال في اللغة العِبرية

تأتي المفردة في العِبرية وكتابات اليهود بمعنى "عدوّ الله" حيث أنها تتشكل من جزئين: "دَج" بمعنى الضدّ والعدوّ، و"إل أو إيل" بمعنى الله كإسرائيل لقب يعقوب.[3]

الدجّال في الكتاب المقدس

تظهر هذه المفردة في العهد الجديد ضمن رسائل يوحنا حصرا على هيئة antichristos] ἀντίχριστος] [4] وأُطلِقت وهي ملصوقةً بمفردة المسيح، على المنكِرين للسيد المسيح وتُرجِمت عن الأصل اليوناني في الإنجليزية بـ [Anti Christ] (= ضدّ المسيح). كما ترجمها بعضهم بـ "المسيح الدجال" أو "المُسَحاء الدجّالون" حسب صِيَغ الجمع والإفراد[5] حتى ذكر اللغويون بناءًا على بعض الروايات الإسلامية[6] أن سبب تسميته بالمسيح إنما هو لِمَسحٍ يكون في إحدى عينيه.[7] وقد ورد ما يعادل "ضدّ المسيح" أو "المسيح الدجال" في إنجيلي متى ومرقس[8] على هيئة [pseudochristoi] مبتدئةً ببادئة معناها زائف وكاذب وخادع مماثل للواقع، كما أن Anti هي الأخرى ذكروا لها إلى جنب معنى الضدّ والمضادّ، کلا من معنی الكاذب والزائف والبدل.

فی التراث المتقدّم

تَشارَك إنجيل متّى ومرقس حول هذا الموضوع بعبارة pseudochristoi في كلام لهما مماثلَين: "حينئذ إن قال لكم أحد: هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدّقوا لأنه سيقوم مُسَحاء كذبة (دجالون) وأنبياء كذبة ويُعطون آيات عظيمة وعجائب، حتى يُضلّوا لو أمكن المختارين أيضا".[9] ثمّ يُتبعان كلاهما بالإخبار عن مجيئ ابن الإنسان (Son of Man) مصحوبا بالملائكة واجتماع مختاريه من أقاصي بقاع الأرض.

صورة جدیدة

أما رسائل يوحنا المتعقّبة تاريخيّاً والمختلفة كإنجيل يوحنى عن باقي الأناجيل المتناغِمة الإزائية (the synoptics) الثلاث في عرض صورة مختلفة عن المسيح الألوهيّ / البشريّ، فهي تحكي عن الدجال بهذه الصيغة:

"أيها الأولاد! هي الساعة الأخيرة، وكما سمعتم أن ضد المسيح يأتي، وقد صار أضدادٌ للمسيح كثيرون. من هنا نعلم أنها الساعة الأخيرة." وفي الفقرات التالية: "من هو الكذاب، إلاَ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح؟ هذا هو ضد المسيح، الذي ينكر الآب والابن.كل من ينكر الابن، ليس له الآب أيضًا. ومن يعترف بالابن، فله الآب أيضًا" [10]

قصة الدجال في المصادر الإسلامية

عُدّ خروج الدجال من علائم القيامة في روايات كثيرة لدى أهل السنة. أما الشيعة فقد حوت كتبهم روايات ضئيلة حول خروجه وهي تذكره كإحدى علامات ظهور المهديّ وهي من ناحية السند لم تبلغ حدّ الاعتبار.[11]

وقد ورد الكلام في مصادر الفريقين عن ظهور مجموعة من الكذابين قبل قيام الساعة, من ذلك ما أخرجه مسلم عن النبي (ص) في حديث الخلفاء الاثني عشر:

"لا يزال الدين قائماً حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة."[12] (انظر الأبحاث القادمة تحت عنوان: تأملات)

الدجال في روايات أهل السنة

ورد ذكر الدجال في كثير من روايات أهل السنة كعلامة من علامات القيامة، كما وروى الكثير منها: أحمد بن حنبل في مسنده ومسلم والترمذي في صحيحيهما وابن ماجه في سُننه وابن الأثير في «النهايه» من طريق عبد الله بن عمر وأبي سعيد الخُدري وجابر بن عبدالله الأنصاري.[13]

الدجال في المصادر الشيعية

لم تُشِر مصادر الشيعة الروائية إلى خروج الدجال وفِتَن ما قبل الظهور، إلا أنها اقتصرت على ذكر مقتله على يد المهدي أو المسيح عليهما السلام على اختلاف بين الروايات، وهي لم تتعرض لشيئ جرى حديثه عن الدجال في روايات أهل السنة كفِتَنه وملامِح وَجهه وشأن اتباعه و...

جاء في إحدى الروايات أن النبي (ص) قال: الدجَّال اسمه في الأوَّلين، ويخرج في الآخِرين.[14] وذكر القطب الراوندي حديثا عن طرق أهل السنة عن النبي: "إنه لم يكن نبي إلا قد أنذر قومه الدجال".[15]

زمان خروجه

لقد ذُكر لقيام المهدي علامات كثيرة، من ذلك خروج الدجال.[16] كما جاء في الحديث الذي يذكر فتح الروم على يد المهدي: "بينما هم يقتسمون غنائم القسطنطينية، إذ يأتيهم خبر الدجال".[17]

مولده أو مكان خروجه

ذكرت بعض الروايات غير القطعية أن مخرج الدجال من إصفهان[18] أو بجستان[19] أو خراسان.[20]

أفكاره وعقائده وتفاصيل شأنه

جاء في الروايات (التي ترجع معظمها إلى أصول ومصادر سنية) أن الدجال يدعي الألوهية، ويعمّ به القتل وإراقة الدماء في العالم، كما وتبيّن بعض الروايات أن إحدى عينيه ممسوحة وأن عينه اليسرى في جبهته تزهر كالنجم وهي أو الأخرى كأنها عنبة طافية. ضخم الهامة، له هيئة غريبة عجيبة، وهو ماهر في السحر، وإلى جنبه جبل أسود يُخيل للناس أنّه جبل من خبز، وخلفه جبل أبيض يخيل للناس من سحره أنّه ماء جارٍ، ويصيح:"أوليائي أنا ربكم الأعلى".[21]

يمرّ الدجال بكلّ البلدان ماعدا مكة ومدينة وبيت المقدس.[22] أكثر أتباعه اليهود وأولاد الزنا من أعراب البادية، عليهم التيجان أو السيجان.[23] روَوا عن النبي أن من أَدركه فليقرأ عليه فواتِح سورة الكهف أو فليتفل في وجهه، ويقرأ عليه فواتح السورة دفعا لسحره.[24]

ذكروا خطبة طويلة لعليّ بن أبي طالب جاء فيها خبر المهدي ومسيره إلى بيت المقدس وحربه مع الدجال: "أنهم يقتلون عسكر الدجال من أوله إلى آخره وتبقى الدنيا عامرة، ويقوم المهدي بالقسط والعدل".[25]

وأخيراً تقول الروايات أن الدجال يُقتل على يد المهدي أو على يد عيسى بن مريم، فرواية تقول بصلبه على كناسة الكوفة ورواية بمقتله إلى جنب باب لُد على مقربة من بيت المقدس[26] ورواية أخرى في عقبة أفيق بالشام.[27]

تأملات

لقد اختلفت الرؤى في تفسير ظاهرة الدجال وهي لم تستند إلى دلالات قطعية، بل اعتمدت على أذواق أصحابها وتخميناتهم، وعلى تقدير ثبوت شخصية الدجال في الماضي أو المستقبل، فإنّ كثيراً من أوصافه تبدوا وكأنّها تتّسم بطابع أساطيريّ.

فنظراً لمعنى الدجال اللغوي، يبدو أن المراد به لم يكن ليعني شخصيّة محدّدة، بل وكأنّ المراد به كل من ادّعى الأباطيل واحتال على عامّة الناس، فبناءًا على ذلك يمكن القول بوجود دجالِين كُثُر يظهرون في أزمان مختلفة، يفتنون الناس ويُحيِّرون ضعفاء الإيمان، ويقوّي هذا الاحتمال ورود روايات مختلفة تكلّمت عن دجّالِين عدّة. من ذلك ما رُوي عن النبي: "يكون قبل خروج الدجال نيّف على سبعين دجالا." أو "إن بين يدي الساعة الدجّال، وبين يدي الدجال كذابون ثلاثون أو أكثر" أو "لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي"، أو "كلهم يكذب على الله ورسول الله".[28]

والغالب على الظن عند الكثيرين أنّ قصة الدجال تُنبئ عن ظهور شخصية (بما في الشخصيات) عظيم الاحتيال على مشارف قيام المهديّ ونزول عيسى بن مريم، تسعى لتضليل الناس في معرفة الموعود الحقيقي ليفُشي بين الناس الفكر الجاهلي الباطل ويعيده في ثوبه الجديد.

الهوامش

  1. ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 236.
  2. ابن منظور، لسان العرب، ج 11، ص 236.
  3. اعلام قرآن (بالفارسية)، ص 479; برتوي آملي، نقلا عن كتاب "ريشه‌هاي تاريخي امثال وحكم" (بالفارسية)، ج 1، ص 436.
  4. رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الثاني، فقرتي 18 و22؛ الإصحاح الرابع، فقرة 3 ورسالة يوحنا الثانية، فقرة 1.
  5. انظر فهرس الكتاب المقدس، ص 865
  6. انظر المتقي الهندي، ج 14، ص 199
  7. انظر ابن منظور، ج 2، ص 595
  8. إنجيل متى، الإصحاح 24، فقرة 24؛ إنجيل مرقس، الإصحاح 13، فقرة 22
  9. انجيل متّى، الإصحاح 24، فقرتي 24 -25 ومرقس، الإصحاح 13، فقرتي 21 - 22
  10. رسالة يوحنا الأولى، الإصحاح الثاني، فقرات: 18 - 22 - 23
  11. بحار الأنوار، ج 52، ص193
  12. انظر كذلك: الطبراني, المعجم الكبير, ج 2, ص 199, و 208.
  13. انظر سنن الترمذي، ج 4، ص507 – 519
  14. الخصال، ج 2،صص 457 – 458، ح 2
  15. المجلسي، ج 52، ص195 والخرائج، ج 3، ص 1138
  16. إثباة الهداة، ج 7، ص397
  17. معجم أحاديث الإمام مهدي(عج)،ج 2 ص50
  18. بحار الأنوار، ج 52، ص194
  19. منتخب الأثر»، ص425
  20. التشريف بالمنن في التعريف بالفتن المعروف بالملاحم والفتن، ص300
  21. انظر منتهى الآمال، باب 14، فصل 7
  22. إلزام الناصب، ج2، ص172
  23. عقد الدّرر، ص274
  24. منتهى الآمال، باب 14، فصل 7
  25. إثباة الهداة، ج 7، ص176
  26. إلزام الناصب، ج2، ص172
  27. النجم الثّاقب، ص189
  28. المتقي الهندي، ج 14، ص 199 - 200

المصادر والمراجع

  • ابن طاووس، علي بن موسى، الملاحم والفتن (التشريف بالمنن في التعريف بالفتن‏)، ابن طاووس، تحقيق موسسة صاحب الأمر، إصفهان، مطبعة نشاط، ط 1، 1416 ه.
  • ابن منظور، لسان العرب، بيروت،‌ دار صادر،
  • برتوي آملي، مهدي، أعلام قرآن،
  • الترمذي،محمد بن عسيي، السنن،
  • الحائري، علي، إلزام الناصب فی إثبات الحجة الغائب، بيروت، موسسة الأعلمي،‌ 1422 ق.
  • الحرّ العاملي، محمد بن حسين، إثباة الهداة بالنصوص والمعجزات.
  • الراوندي، قطب الدين، الخرائج والجرائح في معجزات الأئمه ومعجزات القرآن،
  • الصافي الكلبايكاني، لطف الله، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر،
  • الصدوق، محمد بن علي، الخصال، تصحيح: علي أكبر الغفاري، قم، جامعه مدرسين، 1362ش.
  • الطبراني, المعجم الكبير,
  • فهرس الكتاب المقدس، جمعية الكتاب المقدس، ط 1، 2004 م.
  • القمي، عباس، منتهى الآمال،
  • المتقي الهندي،كنزالعمال، تحقيق بكري حياني - صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، ط 5، 1401هـ/1981م
  • المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 2، 1403ق
  • الكوراني، علي، معجم أحاديث الإمام مهدي(عج)،
  • المقدسي الشافعي، يوسف بن يحيى،‌ عقد الدّرر في أخبار المنتظر،
  • النوري، حسين، النجم الثّاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب،