مسودة:الرهبانية
الرَّهبانيّة هي ترك الدنيا ولذّاتها، بما في ذلك الزواج وأكل اللحم، والانقطاع عن الناس والمجتمع، والتفرّغ للعبادة في الأديرة والصوامع، وهو سلوكٌ نُهي عنه في الإسلام، بخلاف الزهد. وقد نهى النبي محمد
عن الرهبانية، ودعا المسلمين إلى الجهاد، واعتبره رهبانية أمّته.
وفي روايةٍ عن النبي، عُدّت الهزائم المتكرّرة التي مُني بها المؤمنون المسيحيون أمام الظالمين سببًا في نشوء الرهبانية. ووفقًا للمصادر التاريخية، ظهرت الرهبانية في أوساط المسيحيين في القرن الثالث الميلادي. ويرى بعض الباحثين أنّ الرهبانية المسيحية كانت أحد مصادر التصوف في الإسلام.
مفهوم الرهبانية
تُطلق الرَّهبانية على ترك اللذّات الدنيوية، كالزواج وأكل اللحم، والاعتزال عن الناس والمجتمع، والتعبّد في الأديرة والصوامع، وهي من الأمور المنهيّ عنها في الإسلام.[١]
وقد عُدّت الرهبانية، بمعنى الانفصال عن المجتمع، في مقابل الزهد الذي يعني التحرّر من التعلّق بالمادّيات.[٢] ويرى الباحثون أنّ ثمرة الزهد في الإسلام هي تحسين الحياة الاجتماعية، لا هجر المجتمع.[٣] كما عُدّ نهيُ النبي محمد
لعثمان بن مظعون عن العزلة بعد وفاة ولده دليلًا واضحًا على عدم مشروعية الانزواء الاجتماعي.[٤]
ويرى بعض المحقّقين، استنادًا إلى رواية عن النبي الأكرم،[٥] أنّ الفرق بين الرهبانية في المسيحية -التي نُهي عنها في الإسلام- وبين الزهد الذي دعا إليه الإسلام، هو أنّ الزهد يعني الإعراض عن اللذّات الضارّة وعدم التعلّق بها، في حين أنّ الرهبانية تعني الإعراض عن جميع لذّات الدنيا، حتى المباح منها.[٦]
وفي بيان الفرق بين «الخوف» و«الرَّهْب» ذُكر أنّ «الرَّهْب» يدلّ على دوام الخوف واستمراره، وليس كل خوفٍ يُسمّى رهبًا، ومن هنا سُمّي الراهب راهبًا؛ لاستمراره في حالة الخوف.[٧] وذكر العلامة الطباطبائي في الميزان أنّ الرهبانية بمعنى الخشية، وتُطلق عرفًا على انقطاع الإنسان عن الناس للتفرّغ لعبادة الله بدافع الخشية منه».[٨]
منشأ الرهبانية
جاء في بعض الروايات أنّ نبي الإسلام
عدّ منشأ الرهبانية هزيمة المؤمنين المسيحيين مرارًا أمام الظالمين، فلجؤوا إلى الصحارى وتفرّغوا للعبادة في الجبال.[٩]
ورأى بعض المفسّرين، استنادًا إلى الآية 87 من سورة المائدة، أنّ الرهبانية مصداق لتحريم النِّعم الإلهية، ومن ثمّ فهي مخالفة لأحكام الإسلام وتشريعاته.[١٠]
كما صرّح القرآن الكريم بأنّ الرهبانية المسيحية بدعة لم يُشرّعها الله تعالى.[١١]
ويرى بعض الباحثين أنّ ظهور الرهبانية يعود إلى القرن الثالث الميلادي.[١٢]
وقد برّر المسيحيون الأوائل الذين اعتنقوا الرهبانية، مسلكَهم باقتداء النبي عيسى
الذي لم يتزوّج قطّ.[١٣] كما استندوا إلى نصّ من الكتاب المقدس يفيد بأنّ عيسى أخبر أتباعه بأنّ بعض الناس سيبقون عُزّابًا من أجل «ملكوت الله».[١٤]
النهي عن الرهبانية في الإسلام
ورد في روايةٍ عن النبي محمد
النهي الصريح عن الرهبانية، والتأكيد على أنّه لا رهبانية في الإسلام.[١٥]
كما دعا النبي المسلمين، بدل الرهبانية، إلى الجهاد، وسمّاه رهبانية أمّته.[١٦]
ووصف الإمام علي
، في كلامٍ مرويّ عنه في نهج البلاغة، عاصم بن زياد وقد لبس العباءة وانقطع عن الدنيا- بأنّه عادى نفسَه، وأنّ الشيطان قد أضلّه.[١٧]
ونقل العلامة المجلسي في بحار الأنوار أكثر من عشر روايات عن أمالي الصدوق والخصال، وتفسير القمي، وغيرها من المصادر الشيعية، تتضمّن النهي عن الرهبانية.[١٨] ومع ذلك، رأى محمد جواد مغنية أنّ الآية 82 من سورة المائدة[١٩] تتضمّن ثناءً على الرهبان المسيحيين.[٢٠]
تأثير الرهبانية في التصوف
ذهب بعض المستشرقين، وكذلك عدد من الباحثين المسلمين، إلى أنّ الرهبانية المسيحية كانت أحد مصادر التصوف في الإسلام.[٢١]
ويرى باحثون مثل زكي مبارك في مصر أنّ المسلمين كانوا يعدّون تعاليم النبي عيسى
مرجعًا لهم في الشؤون الروحية، وكانوا على معرفة بـالإنجيل، كما أنّ هناك شواهد من الكتاب المقدّس المسيحي وردت في مؤلفات إسلامية مثل عيون الأخبار لابن قتيبة، وكذلك في إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي.[٢٢]
وقد شبّه الزكي مبارك هؤلاء المسيحيين -الذين يدخلون الكنائس حاملين كتبًا تتضمّن الأدعية- بـالصوفية الذين يدخلون المسجد وبأيديهم كتب الأذكار والأوراد.[٢٣]
الهوامش
- ↑ المجلسي، عين الحياة، 1382ش، ج1، ص376–377؛ مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، فرهنگ فقه، 1382ش، ج4، ص199.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1421هـ، ج18، ص85.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1421هـ، ج18، ص85.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، 1421هـ، ج18، ص85.
- ↑ «لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِإضَاعَةِ الْمَالِ وَلَا بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ…» (الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، دار المعرفة، ص251–252).
- ↑ محمدي الريشهري، الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة، 1426هـ، ص269.
- ↑ أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة، 1400هـ، ص236.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، إسماعيليان، ج19، ص173.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1406هـ، ج9، ص366.
- ↑ هاشمي رفسنجاني وآخرون، فرهنگ قرآن، 1386ش، ج15، ص208.
- ↑ الطبرسي، مجمع البيان، 1406هـ، ج9، ص366؛ وانظر أيضًا: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَ فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (سورة الحديد، الآية 27).
- ↑ هاشمي رفسنجاني وآخرون، فرهنگ قرآن، 1386ش، ج15، ص208.
- ↑ ميشيل، كلام مسيحي، 1381ش، ص142.
- ↑ ميشيل، كلام مسيحي، 1381ش، ص142؛ الكتاب المقدس، إنجيل متّى، الإصحاح 12، الآية 19.
- ↑ وَعَنْ رَسُولِ اللهِ(ص) أَنَّهُ نَهَي عَنِ التَّرَهُّبِ قَالَ لَا رَهْبَانِيةَ فِي الْإِسْلَامِ تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكاثِرٌ بِكمُ الْأُمَمَ وَنَهَي عَنِ التَّبَتُّلِ وَنَهَي النِّسَاءَ أَنْ يتَبَتَّلْنَ وَيقْطَعْنَ أَنْفُسَهُنَّ مِنَ الْأَزْوَاجِ» (القاضي نعمان المغربي، دعائم الإسلام، 1385هـ، ج2، ص193).
- ↑ ابن الأثير، النهاية، 1367ش، ج2، ص281.
- ↑ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 1387هـ، ج11، ص32.
- ↑ انظر: المجلسي، بحار الأنوار، 1403هـ، ج67، ص113–130.
- ↑ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَٰلِك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يسْتَكبِرُونَ﴾ (سورة المائدة، الآية 82).
- ↑ مغنية، معالم الفلسفة الإسلامية، 1406هـ، ص184.
- ↑ مغنية، معالم الفلسفة الإسلامية، 1406هـ، ص184.
- ↑ مغنية، معالم الفلسفة الإسلامية، 1406هـ، ص184.
- ↑ مغنية، معالم الفلسفة الإسلامية، 1406هـ، ص184.
المصادر والمراجع
- ابن أبي الحديد، عبد الحميد بن هبة الله، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، ج 11، قم، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1387هـ / 1967م.
- ابن الأثير، المبارك بن محمد، النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: محمود محمد الطباخي وطاهر أحمد الزاوي، قم، مؤسسة الإسماعيليين، 1367ش.
- القاضي نعمان المغربي، النعمان بن محمد، دعائم الإسلام، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1385هـ.
- الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن، دفتر نشر الكتاب، ط 2، 1404هـ.
- الشيخ الصدوق، محمد بن علي، معاني الأخبار، دار المعرفة للطباعة والنشر، د.م، د.ت.
- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، منشورات الإسماعيليين، د.م، د.ت.
- الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق: السيد هاشم رسولي المحلاتي والسيد فضل الله اليزدي الطباطبائي، ج 9، بيروت، دار المعرفة، 1406هـ / 1986م.
- العسكري، الحسن بن عبد الله، الفروق في اللغة، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط 1، 1400هـ.
- مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، فرهنگ فقه: مطابق مذهب أهل البيت عليهم السلام، بإشراف: السيد محمود هاشمي الشاهرودي، ج 4، قم، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي على مذهب أهل البيت عليهم السلام، 1389ش.
- محمدي الريشهري، محمد، الدنيا والآخرة في الكتاب والسنة، قم، المؤسسة العلمية الثقافية دار الحديث، 1426هـ / 1384ش.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، تحقيق: عبد الزهراء العلوي، تصحيح: محمد باقر المحمودي وآخرون، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ / 1983م.
- المجلسي، محمد باقر، عين الحياة، تحقيق: السيد مهدي الرجائي، قم، أنوار الهدى، 1382ش.
- مغنية، محمد جواد، معالم الفلسفة الإسلامية: نظرات في التصوف والكرامات، بيروت، دار ومكتبة الهلال، ودار الجواد، 1406هـ / 1986م.
- مكارم الشيرازي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، 1421هـ / 1379ش.
- ميشيل، توماس، كلام مسيحي، ترجمة: حسين توفيقي، قم، مركز الدراسات والبحوث للأديان والمذاهب، 1381ش.
- هاشمي رفسنجاني، أكبر، وباحثو مركز ثقافة ومعارف القرآن، فرهنگ قرآن: مفتاح الوصول إلى موضوعات ومفاهيم القرآن الكريم، ج 15، قم، مؤسسة بوستان كتاب، 1386ش.