مسودة:شمولية القرآن
شمولية القرآن تعني أنّ القرآن يشتمل على جميع المعارف والتعاليم التي يحتاج إليها الإنسان. وتُعدّ هذه المسألة من القضايا الخلافية في علوم القرآن، وحظيت بالاهتمام منذ العصور الإسلامية الأولى. وطُرحت في المصادر التفسيرية والروائية، ولا سيما عند تفسير آيات مثل «تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»، آراءٌ متعدّدة حول معنى شمولية القرآن وحدودها.
وفي هذا المجال تبرز عدة اتجاهات رئيسة: فذهب فريق إلى أنّ القرآن يشتمل على جميع العلوم والمعارف التي يحتاج إليها البشر، ورأى فريق آخر أنّه كتاب هداية يركّز على إرشاد الإنسان في شؤونه الدينية والأخلاقية والاجتماعية، بينما اعتقد فريق ثالث أنّ القرآن يبيّن الأصول الكلّية في الإيمان والأخلاق، ويترك تفاصيل الحياة إلى عقل الإنسان وتجربته. ومنذ القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين، ارتبط هذا البحث بموضوعات مثل: نطاق الدين، والعلاقة بين العلم والدين، والانتظار من الدين، وأصبح يُبحث في إطار هذه القضايا.
أهمية البحث في شمولية القرآن
تنبع أهمية البحث في شمولية القرآن من أنّه يحدّد مدى شمول تعاليم القرآن ونوعها، وبذلك يبيّن نطاق الدين وحدود دوره في حياة الإنسان الفردية والاجتماعية.[١] ووفقاً لاختلاف الآراء في شمولية القرآن، تختلف النظرة إلى دور الدين في مجالات الأخلاق، والأحكام، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، وكذلك في بيان العلاقة بين الدين والعلم.[٢] ومن هنا فإنّ هذا البحث يؤدي دوراً أساسياً في تحديد الانتظار من الدين، ومنهج الرجوع إلى القرآن، وتعيين مكانة العقل والتجربة البشرية في فهم الدين.[٣]
وفي العصر الحاضر (القرن الخامس عشر الهجري)، ارتبطت مسألة شمولية القرآن بقضايا من قبيل: نطاق الدين، والانتظار من الدين، والعلاقة بين العلم والدين، وخلود الدين، وأصبحت تُدرس في إطار هذه الموضوعات.[٤]
المفهوم
يقصد بشمولية القرآن أنّه يضمّ منظومةً من المعارف والأصول والتعاليم اللازمة لهداية الإنسان وتنظيم حياته الفردية والاجتماعية.[٥] وبناءً على ذلك، فإنّ القرآن يبيّن الحاجات الأساسية للإنسان في طريق الهداية، ويقدّم الأطر والمبادئ الكلية اللازمة لمعرفة الحقيقة، وتنظيم العلاقات الإنسانية، وتحقيق السعادة.[٦]
النشأة والتطور
بحسب بعض الدراسات، يعود البحث في شمولية القرآن إلى عصر الصحابة.[٧] فقد رُوي عن ابن مسعود أنّ القرآن مصدر علم الأولين والآخرين، وأنّ الرجوع إليه سبيل لتحصيل المعرفة.[٨] كما تناول المفسرون عند تفسير آيات مثل «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»،[٩] معنى عبارة «كلّ شيء» وحدود شمولية القرآن.[١٠]
وفي المصادر الحديثية الشيعية وردت أيضاً أحاديث تناولت هذا الموضوع.[١١] ففي الخطبة 158 من نهج البلاغة وُصف القرآن بأنّه كتاب يشتمل على علم المستقبل، وأخبار الماضي، وعلاج المشكلات، وتنظيم شؤون حياة الإنسان.[١٢] كما أفرد الكافي باباً خاصاً لشمولية القرآن، وجمع فيه عدداً من الروايات المتعلقة بهذا الموضوع.[١٣]
الآراء في شمولية القرآن
هناك عدّة آراء في مجال شمولية القرآن:
الشمولية المطلقة للقرآن
بناءً على هذا الرأي، فإنّ القرآن -إضافةً إلى اشتماله على أمور الهداية والدين- محيط بجميع ما يحتاج إليه الإنسان في حياته الدنيا والآخرة، كما أنّه جامع لجميع العلوم والمعارف، ولا يخرج شيء عن دائرة بيانه.[١٤] ويُعدّ عبد الله جوادي الآملي، وهو من أبرز مفسّري الشيعة الذين تبنَّوا هذا الاتّجاه،[١٥] إذ يرى أنّ القرآن يشتمل على كل ما يؤثّر في سعادة الإنسان، غير أنّ حصر السعادة في المسائل العقدية والفقهية والأخلاقية والحقوقية، وإخراج العلوم التجريبية، وشبه التجريبية، والعلوم العقلية المحضة، والعلوم الشهودية من دائرة ما يتوقف عليه كمال الإنسان، أمرٌ غير صحيح؛ ولذلك يمكن عدّ جميع هذه العلوم داخلةً في شمول القرآن، سواء في ظاهره أم في باطنه.[١٦]
وقد عرّفت بعضُ المصادر أبا الفضل المرسي[١٧] وطنطاوي جوهري من مفسّري أهل السنة بأنّهما من أنصار هذا الاتجاه.[١٨]
ومن أبرز الأدلة التي استند إليها أنصار هذا الرأي ما يأتي:
- استدلوا بآياتٍ مثل «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ»،[١٩] و«وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»،[٢٠] وعدّوها من أهم الآيات الدالة على الشمولية المطلقة للقرآن.[٢١] ويرى هؤلاء العلماء أنّ المراد من عبارة «كلّ شيء» في هذه الآيات هو جميع ما يحتاج إليه الإنسان في شؤون الدين والدنيا، وجميع العلوم والمعارف.[٢٢]
- واستدلوا كذلك بآياتٍ من قبيل «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ»[٢٣] و«وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ»؛[٢٤] إذ تدلّ هذه الآيات على عالميّة رسالة القرآن وعمومها.[٢٥]
- كما استندوا إلى روايات مروية عن الأئمة
[٢٦] استُفيد منها أنّ القرآن يتمتع بشمولية مطلقة.[٢٧] - واستدلوا أيضاً بدليلٍ عقلي، خلاصتُه أنّ الإسلام هو الدين الخاتم الكامل، والدين الكامل لا بدّ أن يجيب عن جميع حاجات البشر إلى قيام الساعة، والقرآن هو المصدر الأساس والنصّ المحوري لهذا الدين؛ وعليه، فلا بدّ أن يكون القرآن مشتملاً على جميع المعارف والاحتياجات الإنسانية.[٢٨]
الشمولية في هداية الإنسان
ذهب عدد من العلماء والمفسرين المسلمين إلى أنّ شمولية القرآن تقتصر على الأمور المرتبطة بالهداية، ورأوا أنّ القرآن -بما أنّه كتاب هداية- ينبغي أن يكون جامعاً لكلّ ما يتصل بهداية الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.[٢٩] ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه العلامة الطباطبائي، إذ يقول في تفسير الميزان عند تفسير قوله تعالى: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ»:[٣٠] إنّ المراد من عبارة «كلّ شيء» هو كل ما يرتبط بالهداية، أي جميع ما يحتاج إليه الناس في سبيل اهتدائهم، من المعارف الحقّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد، والأخلاق الفاضلة، والشرائع الإلهية، فضلاً عن القصص والمواعظ، والقرآن مبيّن لجميع هذه الأمور.[٣١]
وجهة النظر الأدنى في شمولية القرآن
نُسبت وجهة النظر الأدنى في شمول تعاليم القرآن وأحكامه إلى عددٍ من المفكرين الدينيين الجُدد.[٣٢] ويشترك هذا الاتجاه مع نظرية «الشمولية في هداية الإنسان» في اعتبار القرآن كتابَ هداية، غير أنّه يختلف معها في تحديد مدى هذه الهداية وسعتها؛ إذ ترى تلك النظرية أنّ القرآن قد بيّن جميع احتياجات الإنسان في مجال الهداية، سواء في شؤون الدين أم الحياة، بينما يذهب هذا الاتجاه إلى أنّ القرآن يقتصر على بيان الأطر الكلية للإيمان والأخلاق، وأنّ جانباً كبيراً من تنظيم حياة الإنسان -بما في ذلك وضع البرامج العملية لهدايته- قد أُنيط بالعقل البشري والتجربة الإنسانية.[٣٣]
الهوامش
- ↑ على سبيل المثال انظر: ايازي، جامعيت قرآن، ص57.
- ↑ على سبيل المثال انظر: سروش، فربهتر از ايدئولوژي، ص48، 58، 122؛ ايازي، جامعيت قرآن، ص59-67.
- ↑ ايازي، جامعيت قرآن، ص57.
- ↑ ايازي، جامعيت قرآن، ص11.
- ↑ على سبيل المثال انظر: ايازي، جامعيت قرآن، ص19؛ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص224.
- ↑ على سبيل المثال انظر: ايازي، جامعيت قرآن، ص19؛ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص224.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص222.
- ↑ ابن سعيد، سنن ابن سعيد، ج1، ص7.
- ↑ سورة النحل، الآية 89.
- ↑ على سبيل المثال انظر: الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص324-325.
- ↑ كريمي، جامعيت قرآن، ص114-115؛ الكليني، الكافي، ج1، ص59-62.
- ↑ إيازي، جامعيت قرآن، ص33؛ نهج البلاغة، الخطبة 158، ص223.
- ↑ العلامة المجلسي، مرآة العقول، ج1، ص208-210؛ الكليني، الكافي، ج1، ص59-62؛ كريمي، جامعيت قرآن، ص114-115.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص225.
- ↑ حسينزاده وآخرون، «مطالعه تطبيقي خوانش جامعيت قرآن كريم از منظر آيت الله جوادي الآملي وآلوسي»، ص27.
- ↑ جوادي الآملي، تفسير تسنيم، ج26، ص186-187.
- ↑ الذهبي، التفسير والمفسرون، ج2، ص353-354؛ معرفة، التمهيد في علوم القرآن، ج6، ص15-16.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص226؛ طنطاوي، الجواهر في تفسير القرآن الكريم، ج1، ص5.
- ↑ سورة النحل، الآية 89.
- ↑ سورة يوسف، الآية 111.
- ↑ طنطاوي، الجواهر في تفسير القرآن الكريم، ج8، ص190؛ ايازي، جامعيت قرآن، ص20.
- ↑ طنطاوي، الجواهر في تفسير القرآن الكريم، ج8، ص190؛ حسينزاده وآخرون، «مطالعه تطبيقي خوانش جامعيت قرآن كريم از منظر آيت الله جوادي الآملي وآلوسي»، ص27.
- ↑ سورة الأنبياء، الآية 107.
- ↑ سورة القلم، الآية 52.
- ↑ إيازي، جامعيت قرآن، ص25-26؛ كريمي، جامعيت قرآن، ص105-106.
- ↑ الكليني، الكافي، ج1، ص59-62؛ نهج البلاغة، الخطبة 158، ص223.
- ↑ إيازي، جامعيت قرآن، ص25-26.
- ↑ إيازي، جامعيت قرآن، ص36-37؛ كريمي، جامعيت قرآن، ص124-125.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص227-228.
- ↑ سورة النحل، الآية 89.
- ↑ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج12، ص324-325.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص231.
- ↑ طهماسبي بلداجي، ابراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن»، ص231؛ جواهري، «نظريه جامعيت علمي شبكهاي وهوشمند قرآن كريم (ساختار وفرآيند)»، ص105.
المصادر والمراجع
- ابن سعيد، سعيد بن منصور، سنن ابن سعيد، الرياض، دار الصميعي، الطبعة الأولى، 1414هـ.
- إيـازي، السيد محمد علي، جامعيت قرآن، رشت، نشر كتاب مبين، 1380ش.
- جوادي الآملي، عبد الله، تفسير تسنيم، قم، مؤسسة الإسراء، 1391ش.
- جواهري، السيد محمد حسن، «نظريه جامعيت علمي شبكهاي وهوشمند قرآن كريم» (نظرية الشمولية العلمية الشبكية والذكية للقرآن الكريم)، مجلة پژوهشهاي قرآني، العدد 111، شهريور 1403ش.
- حسين زاده، خديجة وآخرون، «مطالعه تطبيقي خوانش جامعيت قرآن كريم از منظر آيت الله جوادي الآملي وآلوسي» (دراسة مقارنة لقراءة شمولية القرآن الكريم من منظور آية الله جوادي الآملي والآلوسي)، مجلة مطالعات تطبيقي قرآن وحديث، العدد 15، خريف وشتاء 1399ش.
- الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، القاهرة، مكتبة وهبة، د.ت.
- الزركشي، محمد بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، بيروت، 1376هـ.
- العلامة المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1404هـ.
- الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1393هـ.
- طنطاوي جوهري، الجواهر في تفسير القرآن الكريم، بيروت، دار الكتب العلمية، 1425هـ.
- طهماسبي بلداجي، أصغر، وإبراهيم إبراهيمي، «نقد وبررسي ديدگاه مفسران فريقين درباره جامعيت قرآن» (نقد ودراسة آراء مفسري الفريقين حول شمولية القرآن)»، مجلة پژوهشهاي تفسير تطبيقي، العدد 9، شهريور 1398ش.
- سروش، عبد الكريم، فربهتر از ايدئولوژي، طهران، دار صراط للنشر، 1393ش.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ.
- معرفة، محمد هادي، التمهيد في علوم القرآن، قم، مؤسسة التمهيد الثقافية للنشر، 1428هـ.
- نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، قم، مركز البحوث الإسلامية، 1374ش.