انتقل إلى المحتوى

تحمل الحديث

من ويكي شيعة

تحمّل الحديث مصطلحٌ في علم الحديث، ويُراد به تلقّي الحديث وسماعه بطرائق محدّدة. وفي هذه الموارد، يتلقّى الراوي الحديثَ عن شخصٍ آخر يُسمّى في الاصطلاح شيخَ الإجازة، بإحدى الطرق المعتبرة في الحديث. وقد أُطلق على تحمّل الحديث أيضاً «حمل الحديث»؛ غير أنّ علماء الحديث اختاروا اصطلاح «التحمّل» على «الحمل»؛ لأنّ التحمّل بمعنى «الحمل مع المشقّة»، ولما كان حمل الحديث يستلزم قدراً كبيراً من الدقّة، فإنّه لا يخلو من المشقّة.

المفهوم

يتناول تحمّل الحديث في علم الدراية الشروطَ الظاهرية التي ينبغي توافرها في الراوي لنقل الحديث. ويختلف هذا الموضوع عن الأحاديث التي تتضمّن معاني عميقة ومعقّدة؛ إذ لا يتيسّر إدراك معانيها الباطنة إلا للملائكة والأنبياء ومَن اختُبرت درجة إيمانهم. وقد أورد الكليني في كتاب الكافي باباً بعنوان «حديثنا صعب مستصعب». وفي إحدى الروايات، قال الإمام الباقرعليه السلام لـجابر: «فَمَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَدِيثِ آلِ مُحَمَّدٍ، فَلَانَتْ لَهُ قُلُوبُكُمْ وَعَرَفْتُمُوهُ فَاقْبَلُوهُ. وَمَا اشْمَأَزَّتْ مِنْهُ قُلُوبُكُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى الْعَالِمِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ».[١]

وما يقابل تحمّل الحديث في علم الدراية هو الراوي الذي لا تتوافر فيه الشروط اللازمة لنقل الرواية. وأمّا ما يقابله من حيث إدراك الحديث، فهو إنكار المعاني العميقة والتعاليم الكامنة في الأحاديث والمقامات التي اختصّ بها أئمة الشيعة.[٢]

شرايط تحمل حديث

  • الأهلية: يُراد بالأهلية توافر الشروط التي تجعل الراوي صالحاً لتلقّي الحديث، وهي: العقل، وقوّة التمييز، والضبط.[٣]
  • امتلاك قوّة التمييز: قوّة التمييز[٤] هي أن يكون الراوي قادراً على فهم الخطاب وأداء الجواب اللازم له،[٥] أو أن يكون قادراً على التمييز بين الحديث وغيره.[٦]

وقد ذُكر أنّ صحّة تحمّل الراوي لا تتوقّف على أمورٍ من قبيل الإسلام والإيمان والبلوغ والعدالة، ولا على نقل الأصغر عن الأكبر.[٧]

طرق تحمّل الحديث

لتحمّل الحديث طرقٌ، وهي عند أكثر علماء الحديث ثمانية أقسام:

  1. السماع، وهو سماع الحديث من الأستاذ، سواء أقرأ الأستاذُ الحديثَ من حفظه أم قرأه للتلميذ من كتاب.
  2. القراءة، ويُعبّر عنها غالباً بـ«العرض»، وهي قراءة الحديث عند الشيخ، سواء قرأه التلميذ بنفسه أم قرأه شخص آخر، فسمعه التلميذ، وتلقّاه.
  3. الإجازة، بأن يمنح الأستاذُ التلميذ إذناً في النقل من كتاب أو في رواية الحديث.
  4. مناولة، وهي أن يعطي الأستاذ الكتاب لتلميذه، على سبيل التمليك أو الإعارة. فإذا أخذ التلميذ كتاب الأستاذ من دون إذن، سُمّي ذلك «عَرْضُ المُناوَلة».
  5. الكتابة أو المكاتبة، وهي أن يكتب شيخ الحديث، اسجابةً لطالب الرواية، أحاديث بخطّه، ثم يبعث إليه بما كتبه.
  6. الإعلام، أي الإخبار، وهو أن يُعلم الأستاذ بأنّ كتاباً معيّناً من مؤلّفاته، أو أنّ روايةً معيّنةً قد سمعها عن أستاذٍ معيّن، وأن يُجيز للتلميذ نقلها عنه.
  7. الوصية، وهي أن يضع شيخ الحديث رواياته، عن طريق الوصية، في متناول شخصٍ ما، فيُجاز له نقلها.
  8. وجادة، وهي أن يجد الراوي حديثاً أو كتاباً بخطّ أحد المشايخ، ثم ينقله بعد التحقّق من انتسابه إلى صاحبه.[٨]

سماع حديث

من وجهة نظر جمهور المحدّثين، يُعَدّ «السماع» أكثر طُرُق تحمّل الحديث اعتبارًا،[٩] وتقابله الوجادة. ومن هنا، اختلفت الآراء في اعتبار الرواية بطريق الوجادة، ولا سيّما من حيث جواز العمل بها، فمعظم الفقهاء والمحدّثين المالكية لا يرون للوجادة اعتبارًا، في حين يرى الشافعي وأصحابه جواز العمل بالرواية بطريق الوجادة.[١٠]

وفي عصر المتقدّمين، كان من المتعارف عليه بيان طريق تحمّل الحديث؛ إذ كان العلماء يحرصون على تلقّي الحديث من الطرق التي تجعل الرواية أكثر اعتبارًا.[١١] ولأنّ ذكر طريق التحمّل كان يؤدي إلى إطالة السند، عمد المحدّثون بعد ذلك، ومنهم البخاري والكليني، إلى اختصار السند بصيغة المُعَنْعَن، وبذلك حُذفت أو اختُصرت المعلومات المتعلقة بطريق التحمّل. غير أنّ الحذف المتعمّد للعبارات الدالّة على طريق التحمّل واستبدال لفظ «عن» بها يُعَدّ نوعًا من التدليس؛ ولذلك لم يكن يُسمح باستعمال لفظ «عن» بدل العبارات الدالّة على طريق التحمّل إلا لمن لم يُعرف بالتدليس.[١٢]

مقالات ذات صلة

الهوامش

  1. ↑ الكليني، الكافي، ج1، ص401-402.
  2. ↑ حديثنا صَعبٌ مُستَصعَبٌ، موقع «حديث شيعه» الإعلامي.
  3. ↑ الفضلي، أصول الحديث، ص224.
  4. ↑ عتر، منهج النقد، ص211.
  5. ↑ النووي، التّقريب والتّيسير، ص54؛ خطيب، أصول الحديث، ص71؛ قطان، مباحث في علوم الحديث، ص143.
  6. ↑ الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية، ص217؛ المامقاني، مقباس الهداية، ج3، ص57.
  7. ↑ ابن صلاح، مقدمة ابن الصّلاح في علوم الحديث، ص73؛ الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية، ص219، 221؛ المامقاني، مقباس الهداية، ج3، ص58؛ مرعي، منتهى المقال، ص112؛ طحّان، تيسير مصطلح الحديث، ص157.
  8. ↑ على سبيل المثال انظر: ابن صلاح، مقدمة ابن الصّلاح، ص95-117؛ السيوطي، تدريب الرّاوي، ج2، ص960؛ أبو شبهة، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، ص95-118؛ الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية، ص84، 230-303؛ صالح، علوم الحديث، 1969م، ص88-104؛ الفضلي، أصول الحديث، ص225-230؛ مرعي، منتهى المقال، ص113-120.
  9. ↑ ابن صلاح، مقدمة ابن الصّلاح في علوم الحديث، ص 95–117؛ الشهيد الثاني، الرعاية في علم الدراية، ص 231.
  10. ↑ ابن صلاح، مقدمة ابن الصّلاح في علوم الحديث، ص 103؛ النووي، التقريب والتيسير، ص 66.
  11. ↑ الخطيب، أصول الحديث، ص 247.
  12. ↑ الخطيب، أصول الحديث، ص 250.

المصادر والمراجع

  • حديثنا صَعبٌ مُستَصعَبٌ، موقع «حديث شيعه» الإعلامي، تاريخ الزيارة: 25 فوريه 2026م.
  • ابن صلاح، عثمان بن عبد الرحمن، مقدمة ابن الصّلاح في علوم الحديث، دمشق، تحقيق: مصطفى ديب البغا، 1404هـ.
  • أبو شهبة، محمد، الوسيط في علوم ومصطلح الحديث، القاهرة، د.ن، 1403هـ.
  • الخطيب، محمد عجاج، أصول الحديث: علومه ومصطلحه، بيروت، دار الفكر، 1417هـ.
  • الالسيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، بيروت، تحقيق: أحمد عمر هاشم، 1409هـ.
  • الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، الرعاية في علم الدراية، قم، تحقيق: عبدالحسين محمدعلي بقّال، 1408هـ.
  • صالح، صبحي، علوم الحديث ومصطلحه، بيروت، د.ن، 1388هـ.
  • طحّان، محمود، تيسير مصطلح الحديث، الرياض، د.ن، 1417هـ.
  • عتر، نور الدين، منهج النقد في علوم الحديث، دمشق، د.ن، 1412هـ.
  • الفضلي، عبد الهادي، أصول الحديث، بيروت، د.ن، 1414هـ.
  • قطان، مناع، مباحث في علوم الحديث، د.م، د.ت.
  • الالمامقاني، عبد الله، مقباس الهداية في علم الدراية، قم، تحقيق: محمدرضا الالمامقاني، 1414هـ.
  • مرعي، حسين عبد الله، منتهى المقال في الدراية والرجال، بيروت، مؤسسة العروة الوثقى، 1417هـ.
  • النووي، يحيى بن شرف، التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، بيروت، تحقيق: محمد عثمان الخشت، 1405هـ.