مسودة:المجردات
المُجَرّدات تُعرَّف بأنّها موجودات منزّهة عن الخصائص المادية والجسمية.[١] ويصنّف الفلاسفةُ المجرّدات وفق معيارين أساسيين: الأول من حيث الخصائص، إذ تُقسَّم إلى «المجرّد العقلي»، وهو ما يفتقر إلى كلّ خصائص المادة، و«المجرّد المثالي»، وهو ما يفتقر إلى المادة، لكنّه يمتلك الشكل واللون.[٢] والثاني من حيث الكمال والفعلية، إذ تُقسَّم إلى «المجرّد التام»، مثل الله والعقول التي تمثّل الفعلية المحضة ولا يلحقها التغيّر، و«المجرّد الناقص»، مثل النفس الإنسانية التي تتمتّع بالتجرّد، لكنّها تظلّ قابلة للتكامل والتغيّر بسبب ارتباطها بالمادة.[٣]
ويرى الفلاسفة أنّ الموجودات المجرّدة تُعدّ موجودات ثابتة في الفلسفة وعلم الكلام، في مقابل المادّيين الذين ينكرون، بصورة عامة، وجود الموجودات غير المادية.[٤] وبناءً على ذلك، يُنظر إلى الله تعالى بوصفه موجودًا ذا تجرّد تامّ،[٥] منزّهًا عن كلّ تركيب وزمان ومكان وخصائص مادية.[٦] غير أنّ بعض المتكلّمين يرون أنّ الله هو الموجود المجرّد الوحيد.[٧] كذلك، يُشار، استنادًا إلى قاعدة الواحد وإمكان الأشرف، إلى العقل بوصفه أول المخلوقات، وإلى المراتب اللاحقة له، وهي جميعًا منزّهة عن الخصائص المادية، وتُعرَف مرتبةُ تحقّقها باسم عالم العقل أو الجبروت.[٨]
ويُعدّ الملائكة أيضًا، من وجهة نظر الفلاسفة، موجودات مجرّدة،[٩] وقد فُسّرت مشاهدتهم من قِبل الأنبياء وغيرهم على أنّها تمثّل.[١٠] في حين يرى المتكلّمون أنّهم أجسام لطيفة ونورانية.[١١] ويُطلق اسم الموجودات المثالية أيضًا على الموجودات التي تفتقر إلى المادة، لكنّها تمتلك خصائص مثل الشكل واللون. وتندرج هذه الموجودات ضمن عالم المثال أو الملكوت، حيث تمثّل واسطة بين المادة والعقل.[١٢] وإضافة إلى ذلك، يتّفق الفلاسفة المسلمون على تجرّد النفس الإنسانية، وإن اختلفوا في نوع تجرّدها.[١٣] وقد ذهب بعض متكلّمي الإمامية[١٤] والأشاعرة[١٥] والمعتزلة[١٦] أيضًا إلى أنّ النفس الإنسانية غير مادّية. ومن بين القائلين بتجرّد النفس أفلاطون وأفلوطين،[١٧] وقد أقاما أدلّة على ذلك.[١٨]
ويرى بعض الفلاسفة[١٩] أنّ كلّ جسم طبيعي يمتلك مادة أو «هيولى»، ومن ثمّ فإنّ كلّ ما يفتقر إلى المادة أو يكون متعلّقًا بها يُعدّ مجرّدًا.[٢٠] غير أنّ بعضهم شكّك في هذا الرأي لصعوبة إثبات وجود المادة في الخارج.[٢١] وإضافة إلى ذلك، يُعدّ انعدام خصائص مثل المقدار،[٢٢] والشكل،[٢٣] واللون،[٢٤] والزمان،[٢٥] والمكان،[٢٦] والحركة،[٢٧] وقابلية الانقسام،[٢٨] وإمكانية الإدراك بالحواس الظاهرة،[٢٩] من المعايير الأخرى التي يُستدلّ بها على عدم مادية الموجود وتجرّده.
ومن جهة أخرى، يرى الملا صدرا، استنادًا إلى أصالة الوجود وبساطته، أنّ خصائص مثل العلم تُعدّ من صفات الكمال الوجودي التي تشمل، وفقًا لأصل التشكيك، جميع مراتب الوجود.[٣٠] ويشير عبد الله جوادي الآملي، مؤكّدًا تساوق الإدراك والوجود في الحكمة المتعالية،[٣١] إلى أنّ تقسيم الموجودات إلى مادية ومجرّدة يقوم على أساس النظر إليها من حيث ماهياتها.[٣٢] وبناءً على ذلك، تتمتّع جميع مراتب الوجود، من منظور الحكمة المتعالية، بدرجة من التجرّد تتناسب مع مقدار ما تحظى به من الكمالات الوجودية.[٣٣] ووفقًا لهذا التصوّر، لا توجد حدود مطلقة تفصل بين المادي والمجرّد، ولا يكون التقسيم التقليدي لهما صحيحًا من أساسه.[٣٤]
الهوامش
- ↑ مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، ج2، ص159؛ نبويان وفياضي، «طرحي نو در معيار تمايز مجرد ومادي با ارزيابي معيارهاي ديگر»، ص44.
- ↑ فياضي، علم النفس فلسفي، ص185.
- ↑ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج1، ص170-171.
- ↑ فياضي، علم النفس فلسفي، ص199.
- ↑ عبوديت، درآمدي بر نظام حكمت صدرايي، ج2، ص206-212.
- ↑ عبوديت ومصباح، خداشناسي، ص199-201.
- ↑ الإيجي والجرجاني، شرح المواقف، ج7، ص247؛ فياضي، علم النفس فلسفي، ص199.
- ↑ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص290-298.
- ↑ مكارم الشيرازي، پيام امام اميرالمومنين، ج1، ص161.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، ، ج17، ص13.
- ↑ مكارم الشيرازي، پيام امام اميرالمومنين، ج1، ص161.
- ↑ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص299-300.
- ↑ عبوديت، درآمدي بر نظام حكمت صدرايي، ج3، ص114؛ يوسفي، رابطه نفس وبدن، ص129.
- ↑ العلامة الحلّي، كشف المراد، ص184؛ مكدرموت، انديشههاي كلامي شيخ مفيد، ص483؛ فياض اللاهيجي، گوهر مراد، ص144.
- ↑ العلامة الحلّي، كشف المراد، ص184؛ الإيجي والجرجاني، شرح المواقف، ج7، ص247؛ التفتازاني، شرح المقاصد، ج3، ص298.
- ↑ التهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ج1، ص878.
- ↑ داووي، «آراء يونانيان درباره جان وروان»، ص439؛ يوسفي، رابطه نفس وبدن از ديگاه ملاصدرا وكتاب ونفس، ص50-51.
- ↑ برخواه، «تجرد نفس»، ص569.
- ↑ ابن سينا، التعليقات، ص67؛ الطوسي، شرح الاشارات والتنبيهات، ج2، ص45؛ صدر الدين الشيرازي، الأسفار، ج5، ص77-79؛ السبزواري، شرح المنظومة، ج4، ص145-159.
- ↑ نبويان وفياضي، «طرحي نو در معيار تمايز مجرد ومادي با ارزيابي معيارهاي ديگر»، ص45.
- ↑ نبويان، جستارهايي در فلسفه اسلامي، ج2، ص453-502.
- ↑ دشتكي، مصنفات، ج2، ص975.
- ↑ دشتكي، مصنفات، ج2، ص972؛ صدر الدين الشيرازي، شواهد الروبية، ص112.
- ↑ خفري، تعليقه بر الهيات، ص115.
- ↑ ميرداماد، كتاب القبسات، ص167؛ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص155؛ الطباطبائي، الميزان، ، ج1، ص51؛ مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، ج2، ص161-162.
- ↑ ميرداماد، كتاب القبسات، ص167؛ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص155؛ الطباطبائي، الميزان، ، ج1، ص51؛ مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، ج2، ص161-162.
- ↑ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص86؛ الطباطبائي، الميزان، ، ج1، ص51.
- ↑ الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج2، ص155؛ الطباطبائي، الميزان، ، ج1، ص51؛ مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، ج2، ص161-162.
- ↑ نبويان وفياضي، «طرحي نو در معيار تمايز مجرد ومادي با ارزيابي معيارهاي ديگر»، ص53-55.
- ↑ صدر الدين الشيرازي، الأسفار، ج6، ص117.
- ↑ جوادي الآملي، رحيق مختوم، ج20، ص396 و652.
- ↑ شهگلي، «ملاك تمايز مادي ومجرد؛ چالش ها ورهيافت ها»، ص141.
- ↑ جوادي الآملي، رحيق مختوم، ج17، ص106.
- ↑ رنجبرزاده وآخرون، «عدم مرز ميان مجرد ومادي در تفكر صدرايي»، ص138.
المصادر والمراجع
- ابن سينا، حسين، التعليقات، بيروت، مكتبة الإعلام الإسلامي، 1404هـ.
- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1416هـ.
- الإيجي، عضد الدين، ومير سيد شريف الجرجاني، شرح المواقف، تصحيح: بدر الدين النعساني، طبعة مصوّرة في قم، الشريف الرضي، الطبعة الأولى، 1325هـ.
- برخواه، أنسيه، «تجرد نفس»، في دائرة معارف جهان اسلام، ج6، إشراف: غلام علي حداد عادل، طهران، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة الثانية، 1388ش.
- التفتازاني، سعد الدين، شرح المقاصد، تحقيق وتعليق: عبد الرحمن عميرة، طبعة مصوّرة في قم، الشريف الرضي، الطبعة الأولى، 1409هـ.
- التهانوي، محمد علي، كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 1996م.
- جوادي الآملي، عبد الله، رحيق مختوم، قم، مؤسسة الإسراء، 1399ش.
- الخفري، محمد بن أحمد، تعليقه بر الهيات شرح تجريد ملاعلي قوشچي، طهران، ميراث مكتوب، 1382ش.
- داووي، علي مراد، «آراء يونانيان درباره جان وروان» (آراء الفلاسفة اليونانيين حول النفس والروح)، في مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة طهران، العددان 72 و73، فروردين وتير 1349ش.
- الدشتكي، منصور بن أحمد، مصنفات غياثالدين منصور حسيني دشتكي شيرازي، طهران، جامعة طهران، 1386ش.
- رنجبرزاده، فرزانه، وعباس جوارشكيان، والسيد مرتضى حسيني شاهرودي، «عدم مرز ميان مجرد ومادي در تفكر صدرايي» (عدم وجود حدّ فاصل بين المجرّد والمادي في الفكر الصدرائي)، مجلة آموزههاي فلسفه اسلامي، المجلد 15، العدد 27، المتسلسل 27، إسفند 1399ش.
- السبزواري، الملا هادي، شرح المنظومة، طهران، نشر ناب، 1369ش.
- شريف، ميان محمد، تاريخ فلسفه در اسلام، ترجمة نصر الله بورجوادي، طهران، مركز النشر الجامعي، 1362ش.
- شهگلي، أحمد، «ملاك تمايز مادي ومجرد؛ چالش ها ورهيافت ها» (معيار التمايز بين المادي والمجرّد؛ التحدّيات والحلول الممكنة)، مجلة معرف عقلي، المجلد 7، العدد 1، المتسلسل 22، ربيع 1391ش.
- صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، تفسير القرآن الكريم، قم، بيدار، 1366ش.
- صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الإربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1981م.
- صدر الدين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، مشهد، المركز الجامعي للنشر، 1360ش.
- الطباطبائي، سيد محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، إسماعيليان، د.ت.
- الطباطبائي، سيد محمد حسين، نهاية الحكمة، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1434هـ.
- الطوسي، نصير الدين، شرح الاشارات والتنبيهات، قم، البلاغة، 1375ش.
- عبوديت، عبد الرسول، ومجتبى مصباح، خداشناسي، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1398ش.
- عبوديت، عبد الرسول، درآمدي به نظام حكمت صدرائي، طهران-قم، سمت-مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، الطبعة الأولى، 1391ش.
- العلامة الحلّي، الحسن بن يوسف، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، تصحيح: وتعليق: حسن حسن زاده الآملي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة مدرّسي الحوزة العلمية في قم، 1413هـ.
- العلامة المجلسي، محمد باقر، بحارالانوار، بيروت، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثانية، 1403هـ.
- فياض اللاهيجي، عبد الرزاق، گوهر مراد، طهران، دار نشر سايه، الطبعة الأولى، 1383ش.
- فياضي، غلام رضا، علم النفس فلسفي، تحقيق وتدوين: محمد تقي يوسفي، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، الطبعة الثالثة، 1393ش.
- الفيومي، أحمد بن محمد، المصباح المنير، قم، دار الهجرة، 1405هـ.
- مصباح اليزدي، محمد تقي، آموزش فلسفه، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1399ش.
- مكارم الشيرازي، ناصر، پيام امام اميرالمؤمنين عليهالسلام، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1387ش.
- مكدرموت، مارتين، انديشههاي كلامي شيخ مفيد، ترجمة: أحمد آرام، طهران، جامعة طهران، 1372ش.
- ميرداماد، السيد محمد باقر، كتاب القبسات، إشراف: مهدي محقق وآخرين، طهران، جامعة طهران، 1367ش.
- ميرداماد، مير محمد باقر، مصنفات، طهران، جمعية الآثار والمفاخر الثقافية، 1381ش.
- نبويان، السيد محمد مهدي، جستارهايي در فلسفه اسلامي: مشتمل بر آراء اختصاصي آيتالله فياضي، قم، الحكمة الإسلامية، 1396ش.
- نبويان، سيد محمود، «مجرد ومادي»، مجلة معرفت فلسفي، العدد 15، ربيع 1386ش.
- نبويان، سيد محمد مهدي، وغلام رضا فياضي، «طرحي نو در معيار تمايز مجرد ومادي با ارزيابي معيارهاي ديگر» (طرحٌ جديد لمعيار التمايز بين المجرّد والمادي مع تقييم المعايير الأخرى)، مجلة معرفت فلسفي، السنة 16، العدد 4، صيف 1398ش.
- يوسفي، محمد تقي، رابطه نفس وبدن از ديدگاه ملاصدرا وكتاب وسنت، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، الطبعة الأولى، 1397ش.