انتقل إلى المحتوى

مسودة:الإلهيات السلبية

من ويكي شيعة

الإلهيّات السَلبيّة أو الإلهيّات التنزيهيّة أو اللاهوت السلبيّ، هو اتّجاه إلى الصفات الإلهيّة، يقوم على أساس أنّه لا يمكن الكلام عن الله إلا بصيغةٍ سلبيّة. ووفقًا لهذا الاتجاه، تُرجَع جميع الصفات الثبوتيّة إلى الصفات السلبيّة. ويستند أتباع هذا الاتجاه، مثل الشيخ الصدوق، ويعقوب بن إسحاق الكندي، والملا رجبعلي التبريزي، وأكثر المعتزلة، إلى آياتٍ من قبيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وإلى روايات نفي الصفات، وذلك اتّقاءً لـتشبيه الله بالمخلوقات، ومنعًا للوقوع في الشرك.

وقد تعرّض هذا الاتجاه للنقد؛ إذ يرى عدد من العلماء المسلمين، من بينهم مرتضى مطهري ومحمد تقي مصباح اليزدي، أنّ العقل الإنساني قادر على معرفة صفات الله، وأنّ تأويل الصفات الثبوتيّة إلى معان سلبيّة تأويل غير صحيح وقاصر، كما يرون أنّ هذا الاتجاه لا ينسجم مع الآيات والروايات التي تُثبت لله تعالى صفات إيجابيّة.

الموقع والمفهوم

تُعدّ الإلهيات السلبية أو الإلهيات التنزيهية أو اللاهوت السلبي أحد الاتجاهات المطروحة في مسألة إمكان معرفة صفات الله.[١] ويعتقد أنصار هذا الاتجاه أنّ الكلام عن الله وصفاته لا يكون إلا بأسلوب سلبي.[٢] ومن وجهة نظرهم، لا يقدر الإنسان على معرفة الصفات الثبوتيّة لله، وإنّما يستطيع إدراك صفاته السلبيّة فقط. وعلى هذا الأساس، تُعاد الصفات الثبوتيّة إلى معان سلبيّة. على سبيل المثال، عالِميّة الله تعني أنّه ليس جاهلًا، وقدرته تعني أنّه ليس عاجزًا.[٣] ويرى الشيخ الصدوق أنّ توصيف الله بصفات الذات يعني في الحقيقة نفي أضداد تلك الصفات عنه؛ فحين نصفُ الله بالعلم، فإنّنا ننفي عنه الجهل، وحين نصفه بالقدرة ننفي عنه العجز.[٤] كما اعتبر يعقوب بن إسحاق الكندي، مع تأكيده على عجز العقل عن إدراك حقيقة الله، أنّ الفيلسوف لا يستطيع الكلام عن الله بصيغة إيجابيّة، بل لا سبيل له لمعرفة الله إلا بالقضايا السلبيّة.[٥]

ويُعدّ كلّ من الشيخ الصدوق،[٦] ويعقوب بن إسحاق الكندي من فلاسفة القرن الثالث الهجري،[٧] والقاضي سعيد القمي من العرفاء الشيعة في القرن الثاني عشر الهجري،[٨] والملا صالح المازندراني،[٩] وأكثر المعتزلة،[١٠] من أنصار اللاهوت السلبي. كما يُعدّ الملا رجب علي التبريزي من أبرز المنظّرين للاهوت التنزيهي في الحكمة الشيعيّة،[١١] حيث أنكر عينية الذات والصفات الإلهية.[١٢] ولهذا الاتجاه أنصار أيضًا في الديانات الإلهية الأخرى، مثل اليهودية والمسيحية، ومنهم موسى بن ميمون اليهودي.[١٣]

وقد طُرحت هذه المسألة في مجالات الكلام الإسلامي والعرفان واللاهوت الحديث.[١٤]

الأدلة

قدّم أنصار اللاهوت السلبي جملةً من الأدلّة لإثبات موقفهم،[١٥] من أبرزها:

الآيات والروايات

استُدلّ بآيات من القرآن[٢٢] وكذلك بـالروايات[٢٣] على صحّة الإلهيات السلبية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ،[٢٤] وكذلك الآيات التي ورد فيها لفظ «سبحان».[٢٥]

كما ورد في روايات عن الإمام عليعليه السلام[٢٦] والإمام الرضاعليه السلام[٢٧] أنّ نظام التوحيد يقوم على نفي الصفات عن الله؛ لأنّ كلّ صفة وموصوفٍ مخلوقٌ، ولكلّ مخلوقٍ خالقٌ منزّه عن تلك الصفة والموصوف. وقد فسّر القاضي سعيد القمي نفي الصفات الواردة في هذه الروايات بأنّه إرجاع الصفات الثبوتيّة كلّها إلى الصفات السلبيّة.[٢٨]

النقد

يرى أكثر الفلاسفة والمتكلّمين المسلمين أنّ العقل الإنساني قادرٌ على معرفة الأسماء والصفات والأفعال الإلهيّة.[٢٩] وانطلاقًا من هذا الرأي، وجّه عدد من العلماء نقدًا للمنهج السلبي في اللاهوت وصفات الله. فقد اعتبر مرتضى مطهري أنّ اتّقاء تشبيه الخالق بالمخلوق لا ينبغي أن يؤدّي إلى نفي كلّ صفةٍ تصدق على المخلوقات عن الله تعالى. ويرى أنّ الفرق بين الخالق والمخلوق يكمن في الوجوب والإمكان، واللانهائيّة والتناهي، وبالذات وبالغير، فعِلم الله وعلم الإنسان كلاهما علم، غيرَ أنّ علم الله مستقلّ، وذاتيّ، ومطلق وغير متناهٍ.[٣٠] ويذهب مطهري إلى أنّ اللاهوت السلبي يُفضي إلى تعطيل العقل عن معرفة الله، وينتهي إلى إنكار الله وإنكار وحدانيّته.[٣١]

ويرى أيضا محمد تقي مصباح اليزدي أنّ تأويل الصفات الثبوتيّة إلى معانٍ سلبيّة ناتجٌ عن فهم غير صحيح لمفهوم التنزيه المطلق. ويوضّح أنّ سلب أحد المتناقضين يساوي إثبات الآخر، فالعلم والجهل متناقضان، وإذا نُفي الجهلُ عن الله ثبت علمُه بالضرورة.[٣٢] ويؤكّد أنّ نفي الجهل دون إدراك معنى العلم يؤدّي إلى معنى ناقص؛ إذ لا يمكن فهم عدم الجهل إلا بعد إثبات العلم.[٣٣]

ويرى جعفر سبحاني -مع إقراره بمحدوديّة العقل الإنساني في معرفة الله والصفات السلبيّة- أنّ إرجاع الصفات الثبوتيّة إلى الصفات السلبيّة لا ينسجم مع آيات القرآن التي تصف الله بصفات إيجابيّة.[٣٤] وبحسب مصباح اليزدي، فإنّ كثرة الآيات القرآنيّة المتعلّقة بصفات الله، وتشجيع القرآن على التفكير والتدبّر، تدلّ على قدرة الإنسان على فهم الصفات الإلهيّة وإدراكها.[٣٥]

مقالات ذات صلة

الهوامش

  1. انظر: علي‌خاني، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها»، ص90–91.
  2. علي‌خاني، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها»، ص91.
  3. مطهري، مجموعة الآثار، 1390ش، ج6، ص1031.
  4. الشيخ الصدوق، التوحيد، 1398هـ، ص148.
  5. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص97.
  6. الشيخ الصدوق، التوحيد، 1398هـ، ص148؛ مصباح اليزدي، خداشناسي، 1389ش، ص132.
  7. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص97.
  8. علي‌خاني، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها»، ص100؛ توكلي، «إلهيات سلبي»، ص98.
  9. مصباح اليزدي، خداشناسي، 1389ش، ص132.
  10. مصباح اليزدي، خداشناسي، 1389ش، ص132.
  11. فنا، «التبريزي، ملا رجب علي»، ج6، ص420.
  12. فنا، «التبريزي، ملا رجب علي»، ج6، ص420.
  13. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص93–94.
  14. علي‌خاني، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها»، ص90.
  15. انظر: توكلي، «إلهيات سلبي»، ص99–104.
  16. انظر: الشيخ الصدوق، التوحيد، 1398هـ، ص148.
  17. مطهري، مجموعة الآثار، 1390ش، ج6، ص1031؛ علي‌خاني، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها»، ص91.
  18. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص102–103.
  19. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص96.
  20. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص106.
  21. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص99–100.
  22. انظر مثلًا: سورة الشورى، الآية 11؛ سورة الصافات، الآية 180؛ سورة المؤمنون، الآية 91.
  23. ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، 1404هـ، ص61؛ الشيخ الصدوق، التوحيد، 1398هـ، ص35 و57؛ نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، الخطبة الأولى، ص39.
  24. سورة الشورى، الآية 11.
  25. توكلي، «إلهيات سلبي»، ص96.
  26. ابن شعبة الحرّاني، تحف العقول، 1404هـ، ص61.
  27. الشيخ الصدوق، التوحيد، 1398هـ، ص35.
  28. القمي، شرح توحيد الصدوق، 1415هـ، ج1، ص116.
  29. سعيدي مهر، آموزش كلام اسلامي 1، 1388ش، ص196–197.
  30. مطهري، مجموعة الآثار، 1390ش، ج6، ص1034.
  31. مطهري، مجموعة الآثار، 1390ش، ج6، ص1035.
  32. مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، 1390ش، ج2، ص460.
  33. مصباح اليزدي، آموزش فلسفه، 1390ش، ج2، ص460.
  34. سبحاني، الإلهيّات، 1413هـ، ج2، ص8.
  35. مصباح اليزدي، خداشناسي، 1389ش، ص134.

المصادر والمراجع

  • ابن شعبة الحراني، حسن بن علي، تحف العقول عن آل الرسول(ص)، تصحيح: علي أكبر الغفاري، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، الطبعة الثانية، 1404هـ.
  • «إلهيات سلبي چيست وميزان اقبال متكلمان شيعه به آن چقدر بوده است؟» (ما هو الإلهيات السلبيّة؟ وكم كان إقبال متكلّمي الشيعة عليها؟)، وكالة أنباء خبرآنلاين (خبر أونلاين)، تاريخ النشر: 12 مرداد 1404ش، تاريخ الزيارة: 4 نوفمبر 2025م.
  • توكلي، غلام حسين، الهيات سلبي (الإلهيات السلبيّة)، مجلة پژوهشنامه فلسفة دين، العدد 1، ربيع وصيف 1386ش / 2007م.
  • سبحاني، جعفر، الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل، قم، مؤسسة الإمام الصادق(ع)، الطبعة الرابعة، 1413هـ.
  • سعيدي مهر، محمد، آموزش كلام إسلامي 1، قم، كتاب طه، الطبعة السادسة، 1388ش.
  • الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تحقيق: صبحي الصالح، قم، دار الهجرة (هجرت)، 1404هـ.
  • الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، التوحيد، تحقيق: هاشم الحسيني الطهراني، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، الطبعة الأولى، 1398هـ.
  • علي خاني، إسماعيل، «إلهيات سلبي؛‌ سير تاريخي وبررسي ديدگاه‌ها» (الإلهيات السلبيّة: المسار التاريخي ودراسة وجهات النظر)، مجلة معرفت كلامي، العدد 8، ربيع وصيف 1391ش.
  • فنا، فاطمة، «تبريزي، الملا رجب علي»، دانشنامه جهان إسلام (دائرة معارف العالم الإسلامي)، المجلد 6، طهران، مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، الطبعة الثانية، 1388ش.
  • القاضي القمي، سعيد بن محمد، شرح توحيد الصدوق، تحقيق وتعليق: نجف قلي حبيبي، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1415هـ.
  • مصباح اليزدي، محمد تقي، آموزش فلسفة، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، 1390ش.
  • مصباح اليزدي، محمد تقي، خداشناسي (معرفة الله) (سلسلة الكتب التعليمية لمعارف القرآن)، تحقيق ومراجعة: أمير رضا الأشرفي، قم، مؤسسة الإمام الخميني التعليمية والبحثية، الطبعة الأولى، 1389ش.
  • مطهري، مرتضى، مجموعة آثار الأستاذ الشهيد مطهري، طهران، دار صدرا للنشر، 1390ش.