مسودة:فلسفة الأحكام
فلسفة الأحكام تتناول البحث في سبب تشريع الأحكام الشرعية، وحِكَمها، ومصالحها، ومفاسدها. وقد طُرح هذا البحث في المصادر الروائية، وفي الفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام. ويُفرَّق في أصول الفقه بين علّة الحكم وحكمته وملاكه، كما تختلف فلسفة الأحكام عن مقاصد الشريعة. ومن مبانيها في فكر الإمامية القول بـغائية أفعال الله التشريعية، وابتناء الأحكام على المصالح والمفاسد الواقعية، ومحدودية العقل في معرفة ملاكات الأحكام. ويمكن معرفة فلسفة الأحكام من خلال القرآن، والروايات، والدليل العقلي القطعي، كما يمكن للنتائج العلمية، إذا توفرت فيها الشروط اللازمة، أن تسهم في بيان بعض الحِكَم. وقد ذُكرت في المصادر الإسلامية حِكَم لأحكام من قبيل: الصوم، والقصاص، والجزية، وحرمة الخمر.
مفهوم فلسفة الأحكام ومكانتها في العلوم الإسلامية
يطلق مصطلح فلسفة الأحكام على البحث في حِكمة الأحكام الشرعية ومصلحتها ومفسدتها وسبب تشريعها.[١] ويمكن أن يسهم البحث في فلسفة الأحكام في فهم حكمة تشريع الأحكام بصورة أفضل، والإجابة عن بعض الأسئلة والشبهات المتعلقة بها.[٢]
وقد طُرح البحث في فلسفة الأحكام في المصادر الروائية، وكذلك في الفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام. ففي المصادر الروائية الشيعية، نُقلت روايات حول علل الأحكام وحِكَمها، ويُعدّ كتاب علل الشرائع، من تأليف الشيخ الصدوق، من المؤلفات المهمة في هذا المجال.[٣] وفي أصول الفقه، بُحثت موضوعات من قبيل علّة الحكم وحكمته وملاك الأحكام.[٤] وفي علم الكلام، يرتبط البحث في فلسفة الأحكام بـمسألة غائية أفعال الله التشريعية.[٥] كما أُلّفت مؤلفات مستقلة في فلسفة الأحكام.
وقد ذهب بعضهم إلى أنّ فلسفة الأحكام علم مستقل يُعنى ببيان حِكَم الأحكام وعللها وتوضيح سبب تشريعها.[٦]
النسبة إلى علّة الحكم وحكمته ومقاصد الشريعة
ترتبط فلسفة الأحكام بمفاهيم من قبيل «علّة الحكم» و«حكمة الحكم»، إلا أنّ هذه المفاهيم ليست مترادفة في أصول الفقه.[٧] فعلّة الحكم هي الأمر الذي يتوقف عليه الحكم، بحيث يتغير الحكم بوجودها أو عدمها؛ في حين أنّ حكمة الحكم هي المصلحة أو المفسدة التي شُرّع الحكم لتحقيقها أو منعها، وقد لا تكون موجودة في جميع الحالات.[٨] وتُطلق فلسفة الأحكام، بمعناها العام، على البحث في سبب الأحكام وغاياتها، وتشمل البحث في عللها وحِكَمها ومصالحها ومفاسدها.[٩] ومع ذلك، جعل بعضهم فلسفة الأحكام مساوية لحكمة الحكم وحدها، واعتبرها مختلفة عن علّة الحكم.[١٠]
وتتوجه فلسفة الأحكام ومقاصد الشريعة كلتاهما إلى أهداف الأحكام وغاياتها، إلا أنّ فلسفة الأحكام تركّز بصورة أكبر على سبب الحكم الواحد أو مجموعة من الأحكام وحكمتها؛ مثل البحث في فلسفة وجوب الصوم، في حين أنّ مقاصد الشريعة تنظر إلى الأهداف الكلية والتوجهات العامة للشريعة.[١١]
المباني النظرية لفلسفة الأحكام
من وجهة نظر علماء الشيعة، يقوم قبول فلسفة الأحكام والبحث فيها على مبانٍ كلامية وأصولية، منها:
غائيّة أفعال الله التشريعية
يرى علماء الإمامية[١٢] والمعتزلة[١٣] أنّ أفعال الله التشريعية والتكوينية ذات غاية، ويعتقدون أنّ الأحكام الشرعية مبنيّة على المصالح والمفاسد الواقعية. وفي المقابل، لا تقبل الأشاعرة غائية الأفعال الإلهية، ولا سيما الأفعال التشريعية، بالمعنى الذي يستلزم تحقق غرض خارج عن الإرادة الإلهية، ولا يرون الأحكام الشرعية تابعة لمصالح ومفاسد مستقلة عن إرادة الله.[١٤] وقد انتقدت الإمامية والمعتزلة هذا الرأي.[١٥]
ابتناء الأحكام الشرعية على المصالح والمفاسد
يرى المعتزلة والإمامية أنّ الأحكام الشرعية مبنيّة على المصالح والمفاسد الواقعية، وأنّ الأمر والنهي الإلهيَّين يُشرَّعان على أساسها.[١٦] وفي قبال ذلك، لا يرى الأشاعرة وجود مصالح ومفاسد واقعية مستقلة عن الأمر والنهي الإلهيَّين أساسًا للأحكام، ويعدّون الحسن والقبح وملاك الأحكام تابعين لأمر الله ونهيه.[١٧]
محدودية العقل في معرفة ملاكات الأحكام
من وجهة نظر الإمامية، يمكن للعقل في بعض الحالات أن يدرك مصلحة الحكم أو مفسدته، إلا أنّ معرفة ملاك جميع الأحكام ليست ممكنة للإنسان.[١٨] ومن ثم، لا يُقبل إسناد مصلحة أو مفسدة معينة إلى حكم شرعي من دون دليل معتبر، وبحسب ناصر مكارم الشيرازي، ينبغي أن تستند معرفة فلسفة الأحكام إلى دليل قطعي، ولا يمكن اعتبار أمرٍ ما فلسفةً لحكم من الأحكام، استنادًا إلى التخمين أو الفهم الشخصي.[١٩]
طرق معرفة فلسفة الأحكام
يمكن معرفة فلسفة الأحكام من خلال الأدلة الشرعية والعقلية،[٢٠] ومنها:
- القرآن: عدّد جعفر السبحاني في كتاب أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه تسع آيات يرى أنّها تبيّن صراحةً فلسفة بعض الأحكام.[٢١] كما عدّد ثماني آيات تشير بصورة غير صريحة إلى فلسفة بعض الأحكام.[٢٢]
- الروايات: بحسب مكارم الشيرازي، تدلّ الروايات أحيانًا بصورة عامة على وجود مصالح وحِكَم في الأحكام، وأحيانًا تبيّن مصلحة معينة لحكم من الأحكام.[٢٣] فعلى سبيل المثال، رُبط في إحدى الروايات تحريم شرب الخمر بزوال العقل وما يترتّب عليه من آثار، كالميل إلى الإثم، والابتعاد عن ذكر الله، وتمكّن الشيطان من الإنسان.[٢٤]
- الدليل العقلي القطعي: وفقًا لرأي عدد من علماء الإمامية، يمكن للعقل في بعض الحالات أن يكتشف ملاك الحكم ومصلحته.[٢٥] ويرى مرتضى مطهري أنّه متى عُرف ملاك حكم من الأحكام بصورة قطعية، كان الحكم الشرعي منسجمًا معه.[٢٦]
- النتائج العلمية: عدّ بعض المؤلّفين نتائج العلوم التجريبية أيضًا مؤثرة في معرفة حكمة بعض الأحكام.[٢٧] ومع ذلك، فإنّ النتائج العلمية، إذا لم تكن قطعية ومرتبطة بملاك الحكم، لا تُعدّ بمفردها دليلًا قطعيًا على فلسفة ذلك الحكم.
نماذج من فلسفة بعض الأحكام
ذُكرت في المصادر الإسلامية حِكَم لبعض الأحكام. ففيما يتعلق بـالصوم، ذُكرت التقوى،[٢٨] ومراعاة حال المحتاجين[٢٩] والآثار الفردية والاجتماعية، من جملة الحِكَم المذكورة.[٣٠] وفيما يتعلق بـالقصاص، فإنّ حفظ حياة الإنسان من الأهداف التي بيّنها القرآن.[٣١] وفيما يتعلق بـالجزية، قدّم علماء الشيعة تفسيرات مختلفة لها، منها حفظ حياة وأموال أهل الذمة،[٣٢] وحملهم على قبول الأحكام الإسلامية،[٣٣] وترغيبهم في قبول الإسلام.[٣٤]
مقالات ذات صلة
الهوامش
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص388.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص387-388.
- ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج21، ص293.
- ↑ على سبيل المثال انظر: المظفر، أصول الفقه، ج2، ص165؛ سيفي المازندراني، بدايع البحوث في علم الأصول، ص49.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص388.
- ↑ زماني، فلسفه احكام، ص9-10.
- ↑ سيفي المازندراني، بدايع البحوث، ج1، ص209-210.
- ↑ سيفي المازندراني، بدايع البحوث، ج1، ص209-210.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص388؛ جمعي از نويسندگان، فرهنگنامه اصول فقه، ص431.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص418.
- ↑ السبحاني، أصول الفقه المقارن، ص347.
- ↑ السبحاني، أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه، ص332.
- ↑ انظر: الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج26، ص399.
- ↑ الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج9، ص439.
- ↑ السبحاني، أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه، ص331-332.
- ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج21، ص293 وج26، ص61-62.
- ↑ الفخر الرازي، التفسير الكبير، ج22، ص131؛ الجرجاني، شرح المواقف، ج4، ص103.
- ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج21، ص300.
- ↑ مكارم الشيرازي، دايرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص393.
- ↑ مكارم الشيرازي، دايرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص393.
- ↑ السبحاني، أصول الفقه المقارن، ص336-339.
- ↑ السبحاني، أصول الفقه المقارن، ص339-341.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص409.
- ↑ المجلسي، بحار الأنوار، ج62، ص162.
- ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج21، ص300.
- ↑ مطهري، مجموعه آثار، ج21، ص300-301.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص414؛ بهرامي، «فلسفه احكام در قرآن»، ص66-67.
- ↑ سورة البقرة، الآية 183.
- ↑ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج7، ص3.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص413.
- ↑ مكارم الشيرازي، دائرة المعارف فقه مقارن، ج1، ص408؛ السبحاني، أصول الفقه المقارن فيما لا نصّ فيه، ص337.
- ↑ الشيخ المفيد، المقنعة، ص269.
- ↑ الشيخ الطوسي، المبسوط، ج2، ص43.
- ↑ العلامة الحلي، مختلف الشيعة، ج4، ص440.
المصادر والمراجع
- بهرامي، محمد، «فلسفه احكام در قرآن» (فلسفة الأحكام في القرآن)، مجلة پژوهشهاي قرآني، العدد 3، خريف 1374ش.
- جماعة من المؤلفين، فرهنگنامه اصول فقه، قم، معهد علوم وثقافة الإسلام، 1389ش.
- الحر العاملي، محمد بن حسن، وسائل الشيعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت.
- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، مختلف الشيعة، قم، مكتب النشر الإسلامي التابع لجماعة مدرّسي الحوزة العلمية بقم، 1413هـ.
- السبحاني، جعفر، أصول الفقه المقارن فيما لا نص فيه، قم، مؤسسة الإمام الصادق(ع)، 1383ش.
- سيفي المازندراني، علي أكبر، بدائع البحوث في علم الأصول، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1429هـ.
- الشيخ الطوسي، محمد بن حسن، المبسوط في فقه الإمامية، طهران، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، الطبعة الثالثة، 1387هـ.
- الشيخ المفيد، المقنعة، قم، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى، 1413هـ.
- زماني، علي، فلسفه احكام، قم، مركز الدراسات والإجابة عن المسائل الشرعية، 1394ش.
- الفخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1420هـ.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ.
- مطهري، مرتضى، مجموعه آثار، طهران، منشورات صدرا، 1391ش.
- المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، قم، مكتب الإعلام الإسلامي التابع للحوزة العلمية بقم، 1370ش.
- مكارم الشيرازي، ناصر، دائرة المعارف فقه مقارن، قم، مدرسة الإمام علي بن أبي طالب(ع)، 1427هـ.
- الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف، قم، الشريف الرضي، 1325هـ.