مستخدم:Ahmadnazem/الملعب 1
الآية 114 من سورة المائدة تروي جانبًا من الحوار بين الحواريين وعيسى
، إذ طلب عيسى(ع) من الله تعالى أن يُنزّل عليهم مائدةً من السماء. ويأتي دعاء عيسى استجابةً لطلب الحواريين الذي أشارت إليه الآية 112 من السورة نفسها.
وقد قيل إنّ طلب عيسى(ع) من الله تعالى صيغ بأسلوب أكثر ملاءمةً من طلب الحواريين. وبحسب العلّامة الطباطبائي، استهلّ عيسى(ع) دعاءه بعبارة «اللهم ربنا»، وهي عبارة لم ترد في الأدعية الأخرى التي حكاها القرآن عن الأنبياء. كما طلب من الله تعالى، إلى جانب إنزال المائدة، أن يجعلها أو يوم نزولها عيدًا. ويرى الشيخ الطوسي والطبرسي أنّ تعبير «خير الرازقين» في ختام الآية يدلّ على أنّ العباد أيضًا يرزق بعضهم بعضًا، إلى جانب الله تعالى.
مكانة الآية في السورة
تأتي الآية 114 من سورة المائدة امتدادًا للآيات التي تبدأ من الآية 110، والتي ذكرت بعض النعم الإلهية التي أُنعمت على عيسى(ع) ووالدته السيدة مريم(س). وتروي الآيات من 111 إلى 115 الحوار بين الحواريين وعيسى بشأن قدرة الله تعالى على إنزال مائدة من السماء.[١] ثم تعرض الآية 114 دعاء عيسى لله تعالى وطلبه إنزال المائدة السماوية،[٢] إذ يطلب بعد ذلك أن يجعلها عيدًا، ويصف الله تعالى بأنّه خير الرازقين.
الله تعالى خير الرازقين
ذكر بعض المفسّرين الشيعة أنّ المقصود بعبارة «وَارْزُقْنَا» في الآية 114 قد يكون طلب جعل هذه المائدة رزقًا لهم.[٣] واحتمل آخرون أن يكون المقصود بهذه العبارة شكر الله على هذه المائدة.[٤] وذكر الشيخ الطوسي كلا الاحتمالين أيضًا.[٥] ويرى الشيخ الطوسي والطبرسي أنّ الآية تدلّ على أنّ العباد ينبغي لهم أن يرزق بعضهم بعضًا، لأنّه لو لم يكن الأمر كذلك لما كان هناك ما يبرّر وصف الله تعالى بأنّه خير الرازقين.[٦]
الأسلوب اللائق للدعاء عند عيسى
وصف مفسّرون، مثل مكارم الشيرازي وسيد قطب، العبارات الواردة في دعاء عيسى بأنّها تمثّل أسلوبًا أكثر ملاءمةً للدعاء،[٧] وأنّها تنطوي على الأدب والمعرفة.[٨] ويرى صادقي الطهراني في كتاب الفرقان أنّ ذلك يعود إلى تحوّل العبارات «ربك» و«يستطيع» و«نأكل» الواردة في كلام الحواريين إلى العبارات «اللهم ربنا» و«أنزل» و«ارزقنا» في كلام المسيح(ع).[٩] وأكّد الطباطبائي أيضًا على افتتاح الدعاء بعبارة «اللهم ربنا»، ووصف هذه العبارة بأنّها فريدة بين الأدعية التي حكاها القرآن عن الأنبياء، إذ تبدأ الأدعية الأخرى بلفظ «رب» أو «ربنا».[١٠]
العيد، مبادرة من عيسى(ع)
طلب عيسى(ع) في الآية 114 من سورة المائدة، بعبارة «تكون لنا عيدًا»، من الله تعالى أن يجعل المائدة التي أُنزلت عليهم عيدًا.[١١] وكان وصف هذه المائدة بأنّها عيد مبادرةً من المسيح(ع)، إذ لم يرد مثل هذا الطلب في كلام الحواريين.[١٢] ويوضح العلّامة الطباطبائي في كتاب الميزان أنّ «العيد» هو اليوم الذي يتكرر لقوم معيّنين بسبب نعمة خاصة. وبناءً على ذلك، فإنّ يوم نزول المائدة يُعدّ نوعًا من العيد للمسيحيين أيضًا، لأنّ العيد يرتبط دائمًا بالعودة والتكرار، ويصحبه الشعور بالوحدة والفرح وتجدد حياة المجتمع.[١٣]
وذهب بعض المفسّرين الشيعة إلى أنّ المقصود بالعيد هو اليوم الذي نزلت فيه النعم السماوية.[١٤] كما رجّح الطبري، وهو من علماء أهل السنة، هذا الاحتمال.[١٥] ووفقًا لما ورد في تفسير الميزان، فإنّ يوم العيد لكل قوم هو اليوم الذي تقع فيه نعمة أو منحة خاصة بهم.[١٦] وفي المقابل، ذكر بعض العلماء، مثل الشيخ الطوسي والطبرسي، أنّ المقصود هو أن تصل إلينا نعمة وننتفع بها.[١٧] وطرح أبو الفتوح الرازي كلا الاحتمالين في تفسير العيد أيضًا.[١٨]
وذكر بعض المفسّرين أنّ المقصود بعبارة «لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا»، الواردة في سياق الحديث عن العيد، هم الناس الذين عاشوا في زمن عيسى والأجيال التي جاءت بعده.[١٩] وذكر آخرون، نقلًا عن ابن عباس، أنّ المقصود بقول عيسى «أولنا وآخرنا» هم أوّل وآخر الناس من قومه الذين يأكلون من تلك المائدة. وقد طرح فيض الكاشاني هذا الاحتمال، شأنه شأن الطبرسي وأبي الفتوح الرازي، مع إضعافه للاحتمال الأول.[٢٠] كما رجّح الطبري، وهو من علماء أهل السنة، القول الأول.[٢١]
الهوامش
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1371–1374ش، ج5، ص127؛ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص224.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235.
- ↑ أبو الفتوح الرازي، روض الجنان، 1366–1378ش، ج7، ص209؛ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409.
- ↑ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، ج4، ص61.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، ج4، ص62؛ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409.
- ↑ مكارم الشيرازي، تفسير نمونه، 1371–1374ش، ج5، ص129.
- ↑ قطب، في ظلال القرآن، 1408هـ، ج2، ص1000.
- ↑ صادقي الطهراني، الفرقان، 1406–1410هـ، ج9، ص302.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، منشورات إسماعيليان، ج6، ص235.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، ج4، ص61؛ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409؛ فخر الرازي، التفسير الكبير، 1420هـ، ج12، ص463؛ فيض الكاشاني، تفسير الصافي، 1373ش، ج2، ص328؛ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235؛ مغنية، التفسير الكاشف، 1424هـ، ج3، ص149.
- ↑ الطبري، جامع البيان، 1412هـ، ج7، ص86.
- ↑ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص228.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، ج4، ص61؛ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409.
- ↑ أبو الفتوح الرازي، روض الجنان، 1366–1378ش، ج7، ص209.
- ↑ الشيخ الطوسي، التبيان، ج4، ص61؛ الشيخ الطبرسي، مجمع البيان، 1408هـ، ج3، ص409؛ الطباطبائي، الميزان، 1350–1353هـ، ج6، ص235؛ فخر الرازي، التفسير الكبير، 1420هـ، ج12، ص463.
- ↑ فيض الكاشاني، تفسير الصافي، 1373ش، ج2، ص328.
- ↑ الطبري، جامع البيان، 1412هـ، ج7، ص86.
المصادر والمراجع
- أبو الفتوح الرازي، حسين بن علي، روض الجنان، جمع: محمد مهدي ناصح ومحمد جعفر ياحقي، مشهد، مؤسسة آستان قدس رضوي، 1366–1378ش. - البيضاوي، عبد الله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل (تفسير البيضاوي)، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1418هـ. - الراغب الأصفهاني، حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، تصحيح: عدنان صفوان الداودي، بيروت، دار الشامية، 1412هـ. - الشيخ الطبرسي، فضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تصحيح: هاشم الرسولي وآخرون، بيروت، دار المعرفة، 1408هـ. - الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، التبيان، جمع: أحمد حبيب العاملي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.ت. - صادقي الطهراني، محمد، الفرقان، قم، الثقافة الإسلامية، 1406–1410هـ. - الطباطبائي، السيد محمد حسين، الميزان، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1350–1353هـ. - الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، بيروت، دار المعرفة، 1412هـ. - فخر الرازي، محمد بن عمر، التفسير الكبير، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1420هـ. - فيض الكاشاني، ملا محسن، تفسير الصافي، تحقيق: حسين الأعلمي، طهران، منشورات الصدر، الطبعة الثانية، 1415هـ. - سيد قطب، إبراهيم حسين الشاذلي، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، 1408هـ. - مغنية، محمد جواد، التفسير الكاشف، قم، دار الكتاب الإسلامي، 1424هـ. - مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1371–1374ش.