حزب الجمهورية الإسلامية
حزب الجمهورية الإسلامية كان يُعدّ أهمّ حزب في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية. وقد أسّس الحزبَ عددٌ من الشخصيات العلميّة والدينيّة والسياسية في إيران ممّن كان لهم دور في انتصار الثورة، وكانوا من أصحاب الإمام الخميني، وذلك في عام 1979م. وقد حاز هذا الحزب -لحُسن سمعة مؤسِّسيه من رجال الدين- قبولاً واسعاً لدى المجتمع الثوري في إيران، وأصبح السيد محمد بهشتي أوّل أمينٍ عامٍّ لحزب الجمهورية الإسلامية.
وكان فلسفة تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية هو وجود تنظيم سياسيّ شامل وفعّال بعد انتصار الثورة، وتجنّب أن تُصاب الثورة بمصير الحركة الدستورية. وقد قام الحزب بنشاطات واسعة لتحقيق أهدافه، وبلغ نجاحات مهمّة، ولكنّه عُطّل في 1987م بموافقة الإمام الخميني بسبب عواملٍ عدّة، منها اختلاف أعضاء المجلس المركزي، وانشغال قادة الحزب بإدارة الشؤون الكبرى للبلاد.
فلسفة تشكيل الحزب
إنّ ضرورة إنشاء تنظيمٍ وهيكليةٍ سياسيّة، وإيجاد نوعٍ من التنسيق الداخلي بين القوى السياسيّة والمناضلين الدينيين، كانت من الأمور التي شغلت بالَ بعض الفاعلين السياسيين المتديّنين في إيران بعد انقلاب 28 مرداد سنة 1320ش/1941م.[١]
وقد أدرك مؤسّسو حزب الجمهورية الإسلامية، من خلال تحليلهم للظروف التاريخيّة والسياسيّة الخاصة بالبلاد، أنّه بعد انتصار الثورة ووُقوع عبء إدارة الدولة الثقيلة على عاتق الثوّار، وعلى أساس مبادئ وأهداف الثورة الإسلامية، فإنّ وجودَ تنظيم سياسيّ شامل وفعّال يُعدّ أمراً حيوياً، وإلاّ فإنّ الثورة الإسلامية ستؤول إلى المصير نفسه الذي آلت إليه الحركة الدستورية الإيرانية ونماذج مشابهة أخرى.
تاريخ تأسيس الحزب
منذ 1962م بدأت لدى عددٍ من العلماء المتوافقين فكرياً مع الإمام الخميني فكرةُ تأسيس حزب سياسي. وقد ازداد هذا التصوّر قوّةً في سنة 1977م، بالتزامن مع تصاعد التحوّلات السياسية في إيران، غير أنّه توقّف مدّةً بسبب النفي والضغوط المفروضة على شخصياتٍ مثل السيد علي الخامنئي. ومع اقتراب انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، وبُعيد إطلاق سراح الناشطين الدينيين، برزت الحاجة إلى إنشاء تنظيم منسجم. وفي خريف وشتاء 1978م قام ذلك الجمع من العلماء المقرّبين من الإمام الخميني بإعداد النظام الأساسي والميثاق الفكري لـ«حزب الجمهورية الإسلامية». ورغم ما ذُكر من أنّ الإمام الخميني لم يكن ذا نظرة إيجابية تجاه الحزبيّة، إلّا أنّه بعد انتصار الثورة أعلن للشعب عن تأسيس هذا الحزب.[٢]
المؤسسون

كان مؤسّسو حزب الجمهورية الإسلامية على النحو الآتي:
- السيد محمد بهشتي
- السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي
- أكبر هاشمي الرفسنجاني
- السيد علي الخامنئي
- محمد جواد باهنر
وقد كانوا متزامنين مع تأسيس الحزب أعضاءَ في مجلس الثورة، كما كان معظم القادة الأساسيين للحزب، مثل بهشتي والخامنئي وهاشمي رفسنجاني وناطق نوري، أعضاءَ في جماعة رجال الدين المناضلين في طهران.[٣]
وقد كتب إعلانَ تأسيس الحزب السيدُ الخامنئي، وانعقدت أوّل جلسةٍ للمجلس المركزي في 29 بهمن 1357ش/18 فبراير 1979م في طهران. وبلغ عدد أعضاء المجلس ثلاثين عضواً، ضمّوا المؤسّسين بالإضافة إلى خمسةٍ وعشرين شخصية أخرى من أبرز الناشطين في الثورة، من العلماء والتجّار والأكاديميين.[٤] وقد اختير السيّد محمد بهشتي أوّلَ أمين عامّ للحزب.
النظام الأساسي والبنية التنظيميّة
كان النظام الأساسي لحزب الجمهورية الإسلامية مشتملاً على 44 مادة وخمسة فصول مُلحقة، وقد جرى إقراره في أوّل مؤتمرٍ للحزب. وتألّفت أركان الحزب من: العضو، والدائرة، ووحدة الاستعداد، ومجلس القسم والمقاطعة والمحافظة، والهيئة التنفيذية، والمجلس المركزي، ومجلس التحكيم، ومجلس الإيديولوجيا، ومجلس الإفتاء، والمؤتمر (وهو أعلى مرجع في الحزب).
وكان المجلس المركزي يتولّى مسؤوليّة التخطيط العام للحزب. وأمّا مجلس الإيديولوجيا والإفتاء فكانت مهمّته الإشراف على نهج الحزب، ومراجعة مقرّرات المجلس المركزي واتخاذ القرار بشأنها. وتولّى المؤتمر مسؤولية إقرار أيّ تعديلٍ في النظام الأساسي، واختيار أعضاء المجلس المركزي ومجلس التحكيم، ودراسة أداء الحزب.[٥]
مواقف الحزب
كانت المحاور الرئيسة لمواقف حزب الجمهورية الإسلامية في ما يتعلّق بالرؤية الكونية، وبناء المجتمع، والبرامج الثقافية والفنية، وإدارة الدولة، والسياسة الاقتصادية، والسياسة الخارجية، مُبيَّنةً تفصيلاً في البيانات والمقابلات الصادرة عن المؤسّسين والأعضاء الأساسيين للحزب.
وقد كانت عقائد الحزب في السياسة الخارجية على النحو الآتي:
- الإيمان بمبدأ «لا شرقية، ولا غربية»
- إقامة علاقات أخويّة مع جميع المسلمين في العالم
- قطع كلّ علاقة اقتصادية تؤدّي إلى هيمنة القوى الكبرى على البلد
- كشف مؤامرات القوى الكبرى الطامحة إلى الهيمنة، ولا سيّما حكومة الولايات المتحدة الأمريكية
- اعتبار مساعدة الحركات التحرّرية من واجبات الدولة الإسلامية[٦]
أهداف التأسيس
أكّد مؤسّسو حزب الجمهورية الإسلامية مراراً أنّ الغاية من تأسيس الحزب لم تكن الدخول في ميدان صراع السلطة وإقصاء المنافسين السياسيين، بل كان القصد:
- نقل الأفكار الدينية الصحيحة
- إيصال التحليلات السياسية السليمة إلى أعماق المجتمع
- تفسير الثورة وشرح كيفية إقامة نظام إسلامي
- استمرار روح النضال بين الناس وحفظ وحدتهم
- تعليم هذه المفاهيم للشباب
- تشجيع الشباب على الانضباط الحزبي وإعدادهم للمشاركة في مختلف مجالات إدارة البلاد[٧]
عضويّة مليونيّة في الحزب
مع الإعلان عن تأسيس حزب الجمهورية الإسلامية، تزايد الإقبال على الانتساب إليه في مختلف أنحاء البلاد، حتى تجاوز عدد المتقدّمين خلال فترةٍ وجيزة مليوني شخص، منهم أكثر من أربعمئة ألف في طهران وحدها. وفي الوقت نفسه، تصاعدت المطالب بإنشاء مكاتب للحزب في المدن والبلدات.
نشاطات الحزب
خلال السنتين أو الثلاث سنوات الأولى بعد انتصار الثورة الإسلامية، كان على مسؤولي ومديري حزب الجمهورية الإسلامية أداءُ مهامّ شاقّة. فقد كان لزاماً عليهم من جهة ترسيخُ بنية الحزب وإعداد رؤاه وتنظيم برامجه السياسية والثقافية والاقتصادية، وتوسيعه كمّياً. ومن جهة أخرى تنظيمُ الجماهير الشعبية وتوجيهها وفق الأسس التي كان الإمام الخميني يراها، وفي اتجاه التعاون مع الدولة المنبثقة عن الثورة. وخلال تلك السنوات بذل الحزب جهوداً واسعة من أجل تحقيق غاياته، وحقّق نجاحاتٍ مهمّة، من بينها:
- المساعدة في إجراء الاستفتاء على الجمهورية الإسلامية في 10 فروردين 1358ش/30 مارس 1979م
- تقديم مرشّحين مؤهّلين للناس في انتخابات مجلس خبراء القيادة المكلّف بدراسة وإقرار الدستور مع التأكيد على أصله المئة والعاشر (ولاية الفقيه، وصلاحيات ومسؤوليات الوليّ الفقيه)
- المساهمة في إجراء الاستفتاء على الدستور
- المشاركة الفاعلة في الانتخابات الرئاسية وانتخابات البرلمان
- مواجهة قوى المناهضين للثورة والمشاركة في جبهات الحرب المفروضة[٨]
كما قدّم الحزب، بالنظر إلى الظروف التاريخية الخاصة بالبلاد آنذاك، خدماتٍ عمرانية أيضاً، منها: تأسيس مكتبات؛ وإنشاء مصانع؛ وبناء المساكن؛ ومدّ شبكات المياه في القرى والمناطق المحرومة.[٩]
مشاكل الحزب
على الرغم من امتداد حزب الجمهورية الإسلامية ونجاحاته، فقد واجه تحديات متعدّدة. فمبدأ تأسيس الحزب نفسه، بما تضمّنه من تقدّم جماعة من ناشطي الثورة على غيرهم، أثار استياءً واعتراضات. كذلك، وجّه معارضو الثورة انتقاداتهم وضغوطهم نحو الحزب وقياداته، ولا سيّما أولئك الذين لم تكن لديهم الجرأة على إبداء معارضة علنيّة للإمام الخميني.
إنّ منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وأبو الحسن بني صدر، وأحزاب أخرى، اتّهموا حزب الجمهورية الإسلامية بالانحصار والسلطوية. وقد تطوّرت هذه المعارضة من بثّ الشائعات ضدّ قادة الحزب، إلى الاغتيال المعنوي، ثم إلى الاغتيال الجسدي. وفي هذا الإطار، تعرّض هاشمي الرفسنجاني في ربيع 1358ش/1379م لمحاولة اغتيال، كما أُصيب السيد علي الخامنئي في 6 تير 1360ش/27 يونيو 1981م بجروح بالغة في يده، جرّاء انفجار قنبلة في المكان الذي كان يُلقي فيه خطابًا.
انفجار مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية
في 7 تير 1360ش/28 يونيو 1981م قام الإرهابيون بتفجير مقرّ حزب الجمهورية الإسلامية، مما أدّى إلى استشهاد السيد محمد بهشتي وعدد من أعضاء المجلس المركزي ومديري الحزب وأنصاره من الدرجة الأولى (نحو 80 شخصاً) في المبنى المركزي للحزب. وبعد فترةٍ وجيزة، في 8 شهريور من العام نفسه، استُشهِد محمد جواد باهنر (ثاني أمين عام للحزب ورئيس الوزراء آنذاك) مع محمد علي رجائي (رئيس الجمهورية آنذاك) في انفجارٍ آخر داخل مكتبهما. وكان المسؤول عن التفجيرين أيضاً منظمة مجاهدي الخلق.
وإلى جانب نقاط قوّة الحزب ونجاحاته، ظهرت كذلك نقاط ضعف في مسار عمله، وتعرّض لتحدّيات داخلية وخارجية. ومن أبرزها:
- النموّ الكمّي السريع للحزب في مختلف أنحاء البلاد، والذي تجاوز القدرة التعليمية والإدارية له
- انشغال قادة الحزب بإدارة شؤون الدولة المهمّة، مما قلّل من قدرتهم على الحضور الفاعل في الحزب وتنظيمه
- استشهاد العناصر الأساسية وكبار المسؤولين في الحزب، وهو ما شكّل ضربةً شديدة لهذا الحزب حديث التأسيس[١٠]
- بعد تشكيل الحكومة وفق الدستور، ظهرت بشكلٍ واضح اختلافات في وجهات النظر حول إدارة شؤون البلاد، ولا سيّما في القضايا الاقتصادية. وقد انعكست هذه التباينات داخل المجلس المركزي للحزب أيضاً، في موضوعات مثل توسيع أو عدم توسيع الملكيات الحكومية، أو مدى التركّز في الاقتصاد الحكومي. كما كان لبعض الأفراد والجماعات السياسية خارج الحزب دور في تعميق هذه الانقسامات.[١١]
أسباب التعطيل
مع اشتداد الخلافات داخل المجلس المركزي لحزب الجمهورية الإسلامية وظهور مشكلات بين مسؤولي الحزب وبعض المقامات التنفيذية في عدد من المدن، أُخبر الإمام الخميني بها. وعليه، وجّه السيد علي الخامنئي وهاشمي الرفسنجاني رسالةً إلى الإمام بتاريخ 1 يونيو 1987م، أكّدا فيها أنّ الحزب كان ذا دور أساسي في تثبيت النظام ومواجهة الأعداء، إلا أنّ استمرار نشاطه قد أدّى إلى انقسام بين قوى الثورة. وقد أبلغا الإمامَ بموافقة المجلس المركزي على تعطيل الحزب ووقف جميع نشاطاته، فوافق الإمام الخميني على هذا القرار.[١٢]
الهوامش
- ↑ بهشتي، «راست قامتان جاودانه تاريخ اسلام»، 1361ش، دفتر 1، ص450–451
- ↑ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، النسخة الموجودة في مكتبة مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية؛ هاشمي رفسنجاني، «به سوي سرنوشت: كارنامه وخاطرات، سال ۱۳۶۳»، ص15.
- ↑ وكالة أنباء فارس، 9/12/1392، مصاحبه با حجت الاسلام ابراهيمي درباره حزب جمهوري اسلامي
- ↑ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، نسخة موجودة في مكتبة مؤسسة دائرة المعارف الإسلامية.
- ↑ راجع: جاسبي، «تشكل فراگير: مروري بر يك دهه فعاليت حزب جمهوري اسلامي»، ج1، ضمائم، صص 390–394.
- ↑ صحيفة جمهوري اسلامي، سنة 2، رقم 500–507، اسفند 1359؛ حزب جمهوري اسلامي، «مواضع ما»، ص9.
- ↑ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، نسخه موجود در كتابخانه بنياد دايرةالمعارف اسلامي؛ الخامنئي، «چهار سال با مردم»، 1364ش، ص337؛ دايرةالمعارف جهان اسلام آكسفورد، مادة «Islamic Republican Party»، حيث اعتُبِر توجّه الحزب أقرب إلى احتكار السلطة.
- ↑ بهشتي، «راست قامتان جاودانه تاريخ اسلام»، 1361ش، دفتر 3، ص995؛ همو، 1359ش، ص20 وما بعدها؛ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، نسخه موجود در كتابخانه بنياد دايرةالمعارف اسلامي.
- ↑ بهشتي، «عملكرد يكساله حزب جمهوري اسلامي»، 1359ش، ص48–49.
- ↑ بهشتي، «عملكرد يكساله حزب جمهوري اسلامي»، 1359ش، ص1417؛ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، نسخه موجود در كتابخانه بنياد دايرةالمعارف اسلامي.
- ↑ الخامنئي، مصاحبه درباره حزب جمهوري اسلامي، نسخه موجود در كتابخانه بنياد دايرةالمعارف اسلامي؛ صحيفة جمهوري اسلامي، سنة 5، رقم 1370، 29 بهمن 1362ش، ص10.
- ↑ الإمام الخميني، صحيفة النور، ج20، ص93؛ صحيفة رسالت، سنة 2، رقم 402، 12 خرداد 1366ش، ص2.
المصادر والمراجع
- الإمام الخميني، السيد روح الله، «صحيفة النور»، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، ش.
- محمد بهشتي، راست قامتان جاودانه تاريخ اسلام (الصامدون الخالدون في تاريخ الإسلام)، مؤسسة الشهيد للثورة الإسلامية، طهران، 1361ش.
- بهشتي، السيد محمد، عملكرد يكساله حزب جمهوري اسلامي (حصيلة عامٍ واحد من أداء حزب الجمهورية الإسلامية)، طهران، د.ن، 1359ش.
- جاسبي، عبد الله، تشكل فراگير: مروري بر يك دهه فعاليت حزب جمهوري اسلامي (التنظيم الشامل: مراجعة لعقدٍ من نشاط حزب الجمهورية الإسلامية)، طهران، د.ن، 1377ش.
- حزب الجمهورية الإسلامية، مواضع ما (مواقفُنا)، د.م، د.ن، د.ت.
- الخامنئي، السيد علي، پيام دبير كل حزب جمهوري اسلامي در ششمين سالگرد تأسيس حزب (رسالة الأمين العام لحزب الجمهورية الإسلامية في الذكرى السادسة لتأسيس الحزب)، صحيفة جمهوري إسلامي، السنة 6، العدد 1662، 18 شباط/فبراير 1985م.
- الخامنئي، السيد علي، چهار سال با مردم تهران (أربع سنواتٍ مع الشعب)، طهران، حزب الجمهورية الإسلامية، 1364ش.
- هاشمي الرفسنجاني، أكبر، به سوي سرنوشت: كارنامه وخاطرات (نحو المصير: السجلّ والذكريات)، تحقيق: محسن هاشمي، طهران، د.ن، 1385ش.
- The Oxford encyclopedia of the modern Islamic world, ed. John L. Esposito, New York 1995, s.v. "Islamic Republican Party' by Eliz Sanasarian.