الورود (أصول الفقه)
الورود طريقة للجمع بين الأدلة المتعارضة ومن مصطلحات علم أصول الفقه، ومعناه أنّ يرفع دليلٌ شرعي (الوارد) موضوعَ دليلٍ آخر (المورود) رفعاً حقيقياً. ويرى الفقهاء أنّ الأمارات لها «ورود» على الأصول العملية، أي إنّه مع وجود الأمارة لا مجال لمراجعة الأصل العملي؛ فعلى سبيل المثال، لو حُكم بجواز شرب «الفقاع» (نوع من السوائل المسكرة) استناداً إلى الأصل العملي وهو البراءة، ثم قامت أمارةٌ تعلن حرمة شربه كغيره من المسكرات، فمع وجود هذه الأمارة لا يبقى مجال للتمسك بالبراءة الشرعية والحكم بالجواز؛ لأنّ التمسك بالأصل العملي كالبراءة إنما يكون عندما لا يوجد بيان من قِبل الشارع.
واعتبر الفقهاء «الورود» نوعاً من التخصّص، و«الحكومة» نوعاً من التخصيص، وتطرّقوا إلى بيان التشابهات والفروق بينهما. وقد بحثوا هذا المصطلح في باب «التعادل والتراجيح» من كتب الأصول. ويعتقد البعض أنّ الشيخ الأنصاري، وهو من فقهاء القرن الثالث عشر الهجري، كان أوّل من تحدّث عن هذا المصطلح.
الماهية والمكانة
الورود نظرية في علم أصول الفقه تبيّن كيفية الجمع بين بعض الأدلة المتعارضة.[١] وتعدّ الحكومة والورود والتخصيص والتخصص من جملة الأساليب التي يستخدمها الفقهاء لرفع التعارض البدئي بين الأدلة الشرعية.[٢]
ويعني مصطلح الورود أن يقوم دليلٌ (الوارد) بإزالة موضوع دليل آخر (المورود) حقيقةً وإخراجه عن الموضوعية، ويكون هذا الأمر مستنداً إلى نظر الشارع (تعبّدياً).[٣]
فعلى سبيل المثال، يرى الفقهاء أنّ علاقة الأمارات الشرعية بـالأصول العملية هي على نحو «الورود». وقد ذكروا أنّ الأصول العملية تُطبَّق في الموارد التي لم يرد فيها بيان من الشارع، في حين أنّه عند وجود «أمارة» أو بيان شرعي، ينتفي موضوع الأصل العملي وهو «عدم وجود بيان من الشارع»، فلا تصل النوبة إلى إجرائه.[٤] ومثاله: إذا جرى أصل البراءة وحُكِم بـجواز شرب «الفقّاع»، ثم قامت من جهة أخرى أمارة (دليل شرعي) تحرّم شرب الفقاع كبقية المسكرات، ففي هذه الحالة ومع وجود هذا الحديث، لا يبقى مجال للتمسك بأصل البراءة؛ لأنّ التمسك بالأصل العملي كالبراءة مشروط بعدم وجود بيان من الشارع.[٥]
ورغم أنّ الفقهاء قبل الشيخ الأنصاري قد استخدموا هذا الأسلوب لحلّ التعارض البدئي بين الأدلة، إلا أنّ البعض، ومن خلال دراسة آثاره، يعتقدون أنّه أول من قدم نظرّية «الحكومة والورود» بشكل منسجم ومستدلّ مستفيداً من سيرة سلفه في الجمع بين الأدلة المتعارضة.[٦]
في الكتب الأصولية يُبحث عن «الحكومة والورود» في قسم التعادل والتراجيح.[٧]
الفرق بین الورود والحكومة
يعتقد مشهور الفقهاء أنّ في الحكومة تكون صلة الدليل الحاكم بالدليل المحكوم على نحو التفسير والتبيين، بينما في «الورود» يكون تصرف الدليل الأول (المصطلح عليه بالدليل الوارد) في الدليل الثاني (المصطلح عليه بالدليل المورود) على نحو الإخراج الحقيقي، أي إنّه مع وجود الدليل الأول، لا مجال لاعتماد الدليل الثاني.[٨]
ويرى البعض أنّه لإجراء الحكومة لا بدّ من إمكان الجمع بين الأدلة المتعارضة، ويكون التعارض بينهما غير مستقرّ، وأمّا في «الورود» فلا يوجد تنافٍ بين الدليلين أساساً.[٩]
وفي المقابل، فسّر الإمام الخميني الحكومة بحيث جعل «الورود» من آثار ونتائج الحكومة، لا أنّه مصطلح قسيم لها في عرضها.[١٠]
الحكومة والورود وفرقهما عن التخصيص والتخصّص
في كتب أصول الفقه، فُسّر مصطلح «الورود» بالتخصّص، والحكومة بالتخصيص.[١١] فالتخصيص هو إخراج حكم من دائرة الحكم العام، والتخصّص هو الخروج الحقيقي لشيء عن موضوع دليل آخر.[١٢] فمثلاً، لو قال شخص: «يجب إكرام جميع طلاب المدرسة الفلانية»، ثم قال مرة أخرى: «لا يجب إكرام طلاب الصف الثالث»، فإنّ خروج طلاب الصف الثالث من الحكم الكلّي للإكرام هو نوع من «التخصيص». وأمّا لو قيل مرة أخرى: «زيدٌ ليس طالباً»، فهنا يكون خروج زيد من الحكم العام للإكرام نوعاً من «التخصص».[١٣]
وبناءً على ذلك، فإنّ نتيجة الحكومة (إذا كانت مضيّقة) تُشبه التخصيص، ونتيجة الورود تُشبه التخصّص، مع فارق أنّ الحكومة والورود يُستخدمان في الموارد التي يكون فيها الدليلان المتعارضان من نوع الأدلة الشرعية (أي تعبدية وبحكم الشارع)، أما التخصيص والتخصص فليسا كذلك، ويشملان الموارد التعبّدية وغيرها.[١٤]
الهوامش
- ↑ لطفي، «حكومت وورود»، ص799.
- ↑ السبحاني، الموجز، 1420هـ، ج2، ص399.
- ↑ لطفي، «حكومت وورود»، ص799و800؛ السبحاني، الموجز، 1420هـ، ج2، ص400.
- ↑ لطفي، «حكومت وورود»، ص799و800.
- ↑ السبحاني، الموجز، 1420هـ، ج2، ص400.
- ↑ مخلصي، «نوآوريهاي شيخ انصاري در دانش اصول»، ص78.
- ↑ على سبیل المثال انظر: السبحاني، الموجز، 1420هـ، ج2، ص399.
- ↑ على سبیل المثال انظر: الخوئي، أجود التقريرات، 1368ش، ج2، ص511؛ المظفر، أصول الفقه، 1370ش، ج2، ج194-197.
- ↑ السبحاني، الموجز، 1420هـ، ج2، ص399و400؛ «درس خارج اصول فقه استاد قاینی»، وبگاه مدرسه فقهي امام محمد باقر(ع).
- ↑ الخميني، الرسائل، 1410هـ، ج1، ص240.
- ↑ على سبیل المثال انظر: المظفر، أصول الفقه، 1370ش، ج2، ص194.
- ↑ المظفر، أصول الفقه، 1370ش، ج2، ص194-198.
- ↑ «اصطلاحات تخصیص، تخصص، حکومت و ورود»، موقع طرح نوین اندیشه.
- ↑ الآشتياني، بحر الفوائد في شرح الفرائد، 1403هـ، ج3، ص183؛ المظفر، أصول الفقه، 1370ش، ج2، ص195و196.
المصادر والمراجع
- «درس خارج اصول آيت الله سبحاني» (بحث خارج الأصول لآية الله سبحاني)، موقع مدرسة الفقاهة، تاريخ النشر: 19 نوفمبر 2022م، تاريخ الزيارة: 17 أبريل 2024م.
- «اصطلاحات تخصيص، تخصص، حكومت وورود» (مصطلحات التخصيص والتخصص والحكومة والورود)، موقع "طرح نوين انديشه"، تاريخ النشر: 30 مايو 2019م، تاريخ الزيارة: 4 مايو 2026م.
- الآشتياني، محمد حسن، بحر الفوائد في شرح الفرائد، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1403هـ.
- الخميني، السيد روح الله، الرسائل، قم، إسماعيليان، 1410هـ.
- الخوئي، السيد أبو القاسم، أجود التقريرات، قم، مكتبة المصطفوي، 1368ش.
- السبحاني، جعفر، الموجز في أصول الفقه، قم، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، 1420هـ.
- الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم، التعارض، قم، د.ن، 1426هـ.
- لطفي، أسد الله، حكومت وورود، في موسوعة العالم الإسلامي، ج13، طهران، مؤسسة "كتاب مرجع" الثقافية الفنية، 1388ش.
- مخلصي، عباس، «نوآوريهاى شيخ انصارى در دانش اصول» (ابتكارات الشيخ الأنصاري في علم الأصول)، في مجلة فقه، العدد 1، 1373ش.
- المظفر، محمد رضا، أصول الفقه، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، د.ت.