مصطلح أصحاب الحديث

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

مصطلح أصحاب الحديث، مصطلح يرجع إلى القرن الثاني من تاريخ الإسلام، وقد أطلق مصطلح "الحديث" لوحده في بدء استعماله في القرن الأول على كلام النبي، أما أصحاب الحديث كاصطلاح أُطلِق على فئة معينة فلم يعهد له فيه أي استخدام، بل كان ظهوره في الأدوار اللاحقة، وقد اعتبر أبو حاتم الرازي أن المعنيّين بهذا الاصطلاح هم المخالفون للقياس والرأي، المكتفون باتباع الحديث وآراء الصحابة والتابعين.[1] ويبدو أن هذا التعريف هو تعريف نمطي لا ينبغي تعميمه إلى كل الفئات المشتهرة بأصحاب الحديث، والإمعان في التاريخ يوصل إلى أن هذا المصطلح كان قد نشأ على خلفية التصادمات المذهبية بين الفرق الإسلامية.

أصحاب أرأيتَ

إن أول مواجهة في تاريخ التصادمات المذهبية بين فئة مصرة على سنن وتقاليد متبعة وبين فئة أخرى مخالفة لها، يمكن أن تُرصَد في اصطدام التابعين بمجموعة من الأسئلة والحالات المفترضة كانت توجَّه من قبل تلامذتهم الناشئين وذلك من أجل التوسيع النظري في الفقه. وهذا الجيل كان يُطلق عليه من قِبل التيار السائد والمحافظ عنوان أصحاب أرأيتَ‌، لكن الفئة المنافسة لم تكن بلغت مستوىً تجعل نظرائهم بحاجة إلى ‌‌إطلاق عناوين جديدة على أنفسهم.

النظام الفقهي ومرحلة التأسيس

اقتضت الحاجة الملحة بعد جيل من شيوع هذه الظاهرة، إلى ضرورة تأسيس نظام فقهي مزود ببنية مُقَوننة غيرت الأجواء على حساب التيار المحافظ الذي كان قد أخفق في تلبية المتطلبات الاجتماعية المتزايدة يومياً، مما أفسح المجال لمنافسه في تعزيز موطئ قدمه بين الأوساط العلمية.[2]

الكوفة

وفي الكوفة حيث ظهرت حدة الخلاف هذه، اختار الجيل الثاني من التابعين برئاسة إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان السير على خطى مدرسة ابن مسعود والابتعاد عن منحى النزّاع إلى التقليدية المتطرفة، في حين أبدت مدرسة عامر الشعبي مقاومة مضاعفة تجاه هذا التجديد.

البصرة

أما في البصرة فإنّ إحدى الخلافات التي كانت تشكل أوجه التقابل بين مدرسة الحسن البصري ومدرسة ابن سيرين كان هو موضوع المسائل التقديرية ومخاصمته من قِبل ابن سيرين.

الحجاز

وفي الحجاز، كانت مكة في دراية المسائل الدينية أميل منها إلى الاستفسار عن الحالات المقدرة، في حين أن المدينة كانت لاتزال أقل رغبة في إبداء التساؤلات وأشد إصراراً على الوقوف بوجه التقديرات وافتراض الحالات المتشعبة. [3]

الشرارة الأولى

النظام الفقهي ومرحلة التدوين

قطع الفقه في المنتصف الأول من القرن الثاني الهجري مرحلة التنظيم مسرعاً إلى مرحلة التدوين التي كان من أول نتاجها ظهور فئة معينة تحت عنوان أصحاب الرأي.

مصطلح أصحاب الرأي

وفي منتصف القرن الثاني كان النزاع حول الأسئلة التقديرية منتهياً إلى حد ما. إلا أن نزاع الأوساط الدينية حول استعمال الرأي وحدوده كان يختلف عن سابقه موضوعياً؛ نزاع أسفر عن اصطدام مجموعتين حديثتين: مجموعة تقدر للرأي الفقهي مكانته ومنزلته، وهم المنعوتون بأصحاب الرأي، ومجموعة أخرى كانت تُجابِهُهم و تُصرّ على اتباع سنة السلف، غير أنهم لم يكونوا معروفين حتى يومهم بأصحاب الحديث.

مصطلح أصحاب الأثر

يجب الالتفات قبل تسمية هذه الفئة بأصحاب الحديث إلى أن اصطلاح الأثر في العهود الأولى كان له مفهومه الأعم بالنظر إلى مصطلح الحديث، حيث كان يشمل إلى جنب الأحاديث المروية عن النبي، كلام وفعال الصحابة والتابعين. وتجدر الإشارة إلى أن التناقل الفردي أو الجماعي لكلمات وأفعال الصحابة والتابعين (الكبار منهم) في عهد تابعي التابعين كان يمثل صورة تعكس سنة يُهتم بها في التعاليم الدينية إلى جنب مدركاتهم عن النبي.[4]

إن دراسة نماذج مختلفة من النصوص التاريخية تفيد بأن اصطلاح الأثر في مقابل اصطلاح الرأي في العقود الوسطى من القرن الثاني وهي الفترة التي ازدهرت فيها مدرسة أصحاب الرأي وتصادمت مع المدرسة التقليدية، كان هو العنوان المؤشر إلى علم المتقدمين السلف؛[5] كما يبدو ذلك في عبارات أثبتتها المصادر التاريخية لكل من مواقف ابن جريج وزرارة بن أعين والأوزاعي والسفيان الثوري.[6] يجب القول إن أطيافاً من العلماء التقليديين المصطفّين أمام أصحاب الرأي في القرن الثاني والذين وصفتهم المصادر المتأخرة بأصحاب الحديث، كان يُطلق عليهم حسب تعبير معاصريهم عنوان أصحاب الأثر أو أصحاب الآثار.[7]

تدوين الحديث في القرن الثاني

تجدر الإشارة فيما يخصّ استبدال اصطلاح أصحاب الحديث مكان أصحاب الأثر إلى النتيجة المتوقعة من تدوين الحديث الذي أمضى مشروعه بجدية منذ أواسط القرن الثاني؛ حيث بدأ يقل اكتراث أصحاب الأثر بآثار الصحابة والتابعين يومياً بفقد مبرراتها السابقة مع توفر الأحاديث المرفوعة والسهلة التناول.[8]

وعلى كل حال، فقد انفتح مجال النقد مع بدء تدوين الحديث وتواصل البيئات، وبدأ الحد من نطاق الآثار المعتبرة يظهر شيئاً فشيئاً في الوسطين معاً، واعتزم بعض من الجانبين كالقاضي أبو يوسف والشافعي انتقاد الآثار من حيث مكانتها الشرعية نظرياً.

المفهوم السلبي لأصحاب الحديث في القرن الثاني

تجدر الإشارة أن اصطلاح أصحاب الحديث كما يفيده بعض الشواهد التاريخية كان له مفهومه الخاص والمميز عما اصطلح عليه في العراق وذلك في فترة ما بين الربع الأول من القرن الثاني إلى نهايته. ففد ورد ذم وعتاب في روايات عن لسان سليمان الأعمش بشأن من يُسمّون بأصحاب الحديث، [9]وهم ليسوا إلا طلاب الحديث الذين أرهقوا أساتذتهم لجهلهم بآداب التعليم. هناك شواهد عديدة منذ الربع الثاني من القرن الثاني تبيّن تداول هذا الاستعمال في العراق كحد أدنى، على أن نماذج أخرى تشير إلى امتداد شيوعه حتى نهاية القرن الثاني.[10]

المفهوم الإيجابي في القرن الثالث

لقد حاز الاصطلاح في المنتصف الأول من القرن الثالث على معنى مشرِّف بامتلاكه معنى أتباع ورواد الحديث النبوي، وأطلق أمثال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه على أنفسهم وزملاء مدرستهم عنوان "أصحاب الحديث‌". وفي هذا السياق تسنّت الظروف تدريجياً لمختلف الأطياف الفكرية في نشوء انطباع خاص عن الاصطلاح واعتباره عنواناً عاما ممثلا عن المتحفظين، وإطلاقه على المتأخرين والمتقدمين دون تمييز للمراحل التاريخية والافتراقات الفكرية التي مر بها.

تعميم المصطلح وتخصيصه

وفي المنتصف الثاني من القرن الثاني، مع أن عالماً مميزاً من أصحاب الحديث مثل ابن قتيبة قام في فرزه لأصحاب الحديث والأثر بفصل أمثال السفيان الثوري, والأوزاعي, ومالك بن أنس عن غيرهم من أصحاب الحديث،[11] إلا أن الاصطلاح عُمِّم في كتابات مَن بَعدهم مثل كتاب الإيضاح المنسوب إلى فضل بن شاذان,[12] وأُطلِق على رجال من السلف كالثوري، ويزيدبن هارون، وجرير بن عبد الحميد (المضبوط عبد الله على نحو خاطيء), ووكيع بن جراح.[13]

يمكن رصد هذا التعميم في القرن الرابع الهجري في كتاب الفهرست لابن النديم ضمن تأطير مُنظّم، حيث خصص المؤلف الفن السادس من المقالة السادسة لذكر أخبار "فقهاء أصحاب الحديث‌" وهو يعد شخصيات مختلفة كالسفيان الثوري, والأوزاعي, وأحمد, وإسحاق جنباً إلى جنب.[14]

الهوامش

  1. انظر: ص267
  2. حول ملابسات هذه الظروف، انظر: الدارمي، عبد الله، ج1، ص 66؛ ابن بطة، ج 1، ص451، ج 2، ص 516.
  3. (لمزيد من التوضيح راجع: أصحاب الرأي).
  4. انظر مثلاً: أبو داوود، مسائل...، ص 122، نقلاً عن قتادة.
  5. انظر: ابن سعد، ج 2، ص 134
  6. نفس المصدر؛ الكشي، ص 156؛ الخطيب، شرف...، ص 6، 7.
  7. حول هذا الصطلاح راجع مثلاً: أبو عبيد، الناسخ...، ص 28 - 60؛ المزني، ص 75؛ أبو داوود، نفس المصدر، ص 266؛ الخطيب، نفس المصدر، ص 27.
  8. حول تأثير تدوين الأحاديث الفقهية على مسار الفقه، راجع: شاخت، ص 138 وما بعده.
  9. انظر: الخطيب، نفس المصدر، ص 131 وما بعده
  10. انظر: نفس المصدر، ص 49، 55، 78، 107-103، 136-140.
  11. انظر: المعارف، ص 496- 498.
  12. ص 7
  13. انظر أيضاً: سعد بن عبد الله، ص 10.
  14. لإلقاء نظرة عامة على خصائص أصحاب الحديث الفقهية دون التركيز على فئة معينة، انظر: شاخت، ص 253-257

المصادر والمراجع

هذا المقالة هي ترجمة خاصة بويكي شيعة مقتَبَسة من مقالة في دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج 9، تحت عنوان "أصحاب الحديث" (بالفارسية) مع تخصيص عناوين تفصيلية تسهّل من أمر المراجعة وفرز المعلومات المستقلة.

  • ابن بطة العكبري، عبيد الله،الإبانة عن شريعة الفرق الناجية، تحقيق: رضا بن نعسان معطي، الرياض، 1409ه / 1988م
  • ابن سعد، محمد، كتاب الطبقات الكبير، تحقيق: زاخاو وآخرون، ليدن، 1904- 1915م.
  • ابن قتيبة، عبد الله، المعارف، تحقيق: ثروت عكاشه، القاهرة، 1960م.
  • أبو حاتم الرازي، مقتطف من «‌الزينة»،ضمن الغلو والفرق الغالية، تحقيق: عبد الله سلوم السامرايي، بغداد، 1392ه /1972م.
  • أبو داوود السجستاني، سليمان، مسائل أحمد، القاهرة، 1353ه / 1934م.
  • أبو عبيد قاسم بن سلام، الناسخ والمنسوخ، تحقيق: برتن، كمبريج، 1987م.
  • الخطيب البغدادي، أحمد، شرف أصحاب الحديث، تحقيق: محمد سعيد خطيب اوغلي، آنكارا، 1971م.
  • الدارمي، عبد الله، السنن، دمشق، 1349ه.
  • سعد بن عبد الله الأشعري، المقالات والفرق،تحقيق: محمد جواد مشكور، طهران، 1341ش.
  • الكشي، محمد، معرفة الرجال، اختيار الطوسي، تحقيق: حسن مصطفوي، مشهد، 1348ش.
  • المزني، إسماعيل، «‌المختصر»، مع كتاب الأم (انظر أيضا: الشافعي).
  • النجاشي، أحمد، الرجال، تحقيق: موسى شبيري زنجاني، قم، 1407ه.