القضاء (الفقه)

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث


القضاء هو الفصل بين النّاس في الخصومات التي تقع بينهم بالأحكام الشرعيّة الثابتة من الكتاب والسنّة، ويقسم القضاة إلى: القاضي المنصوب ، والقاضي الاضطراري، وقاضي التحكيم، وقاضي الأمر بالمعروف، ويشترط في القاضي مجموعة من الشروط وهي: البلوغ، العقل، الذكورة، الإيمان، طهارة المولد، العدالة، الرشد، الإجتهاد، ويوجد مجموعة من الوسائل التي حددها الشارع المقدس للقاضي ليعتمد عليها للإثبات في الدعاوى وحل الخصومة وهي: البينة، اليمين، الإقرار، علم القاضي نفسه، القرعة، ولا يجوز للقاضي أخذ الأجرة على القضاء.

مشروعية القضاء

قال العلامة الحلي: القضاء سائغ بالنصّ والإجماع، قال اللّه تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ﴾.[١]

وقال تعالى: ﴿فَلٰا وَرَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.[٢]

وذمّ من أعرض عن الحكم وقد دُعي إليه، فقال تعالى: ﴿وَإِذٰا دُعُوا إِلَى اللّٰهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾.[٣]

ومدح من أجاب إليه بعد الدعاء فقال: ﴿إِنَّمٰا كٰانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذٰا دُعُوا إِلَى اللّٰهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنٰا وَأَطَعْنٰا وَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.[٤]

وبعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عليّا عليه السلام قاضيا إلى اليمن. وبعث عليّ عليه السلام عبد الله بن عباس قاضيا إلى البصرة. وأجمع المسلمون كافّة على مشروعيّة نصب القضاء بين الناس والحكم بينهم.[٥]

وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: القضاة أربعة، ثلاثة منهم في النار، وواحد في الجنة، فسئل عليه السلام عن صفاتهم لتقع المعرفة بهم والتمييز بينهم، فقال: قاض قضى بالباطل وهو يعلم أنه باطل فهو في النار، وقاض قضى بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل فهو أيضا في النار، وقاض قضى بالحق وهو لا يعلم أنه حق فهو في النار، وقاض قضى بالحق وهو يعلم أنه حق فهو في الجنة‌.[٦]

القضاء في الشريعة

القضاء واجب كفائي.[٧]

وحكم القاضي نافذ على الجميع ولا يجوز نقضه من قبل قاض آخر إلا مع فرض فقدان الأول للشروط المعتبرة في القاضي أو فرض مخالفة حكمه لما ثبت بنحو القطع من الكتاب والسنة الشريفين.

قال الشيخ الوحيد الخراساني: القضاء فهو الحكم بالقضايا الشخصية التي هي مورد الترافع والتشاجر، فيحكم القاضي بأنّ المال الفلاني لزيد أو أن المرأة الفلانية زوجة فلان وما شاكل ذلك، وهو نافذ على كل أحد حتى إذا كان أحد المتخاصمين أو كلاهما مجتهدا.[٨]

وقال السيد الخوئي: لا يجوز الترافع إلى حاكم آخر بعد حكم الحاكم الأول، ولا يجوز للآخر نقض حكم الأول إلا إذا لم يكن الحاكم الأول واجدا للشرائط، أو كان حكمه مخالفا لما ثبت قطعا من الكتاب والسنة.[٩]

الفرق بين القضاء والفتوى

قال السيد الخوئي: الفرق بينه - أي: القضاء - وبين الفتوى أن الفتوى عبارة عن بيان الأحكام الكليّة من دون نظر إلى تطبيقها على مواردها وهي- أي الفتوى- لا تكون حجّة إلا على من يجب عليه تقليد المفتي بها، والعبرة في التطبيق إنما هي بنظره دون نظر المفتي.

وأما القضاء فهو الحكم بالقضايا الشخصية التي هي مورد الترافع والتشاجر، فيحكم القاضي بأن المال الفلاني لزيد أو أن المرأة الفلانية زوجة فلان وما شاكل ذلك، وهو نافذ على كل أحد حتى إذا كان أحد المتخاصمين أو كلاهما مجتهدا.

نعم قد يكون منشأ الترافع الاختلاف في الفتوى، كما إذا تنازع الورثة في الأراضي، فادعت الزوجة ذات الولد الإرث منها، وادعى الباقي حرمانها فتحاكما لدي القاضي، فإن حكمه يكون نافذا عليهما وإن كان مخالفا لفتوى من يرجع إليه المحكوم عليه.[١٠]

أقسام القضاة

لقد أبدى الفقهاء أربعة طرق لفصل الخصومات وحلّ النازعات:

  1. حكم القاضي المنصوب: يعني: حكم الشخص الذي يعيّن من قبل الدولة الإسلاميّة، ووليّ أمر‌ المسلمين (الإمام عليه السلام) للقضاء، بنصب خاص أو عام، ويتولى هذا المنصب بصورة رسميّة شرعيّة، وقد فرضوا له صفات[١١] منها «الإجتهاد».
  2. حكم القاضي الاضطراري: وهو الذي يتصدى للقضاء بين الناس فيما إذا تعذر الوصول إلى الفقيه (المجتهد) أو كان الوصول إليه حرجيّا، وهو المنصوب نسبيّا.
  3. حكم قاضي التحكيم: يعني حكم من يختاره طرفا الدعوى للقضاء.
  4. حكم قاضي الأمر بالمعروف: يعني من يتصدى لفصل الخصومة عن طريق الأمر بالمعروف، لا بصفة القاضي الرسمي.

وهذه المراتب الأربع تقع في سلسلة طولية، أي: يقع بعضها في طول بعضها الآخر، بمعنى أنّ نفوذ واعتبار كلّ واحدة من هذه المراحل أقوى من المرحلة‌ المتأخرة عنها، وتبعا لذلك فإن ما يشترط في كل مرتبة يكون أشدّ مما يشترط في المرحلة المتأخرة من القيود والشروط.[١٢]

أخذ الأجرة على القضاء

قال الشهيد الأول: (قاعدة: 190) حرّم الأصحاب أخذ الأجرة على القضاء، والإقامة، والأذان. وجوزوا الرزق من بيت المال.

فيسأل عن الفرق بينهما، وكلاهما عوض عن تلك الأفعال؟

فيجاب: بأن الرزق إحسان ومعروف، وإعانة من الإمام على قيام بمصلحة عامة، وليس فيه معاوضة.

ويفارق الإجارة: بأن الارتزاق جائز، والإجارة لازمة. وبأنه يجوز زيادته ونقصه بحسب المصلحة، بخلاف الإجارة. ويجوز أيضا تغيير جنسه وتبديله، بخلاف مال الإجارة. وبأنه يصرف في الأهم من المصالح فالأهم. ولأن مال الإجارة يورث، بخلاف الرزق.

ولو قيل: بأنه معاوضة للمسلمين أمكن، لأن العمل للمسلمين، فالعوض منهم، وإنما لم تجعل إجارة إبقاء لها على الجواز، واقتداء بالسلف.[١٣]

الشروط اللازمة في القاضي

قال السيد الخوئي: يعتبر في القاضي أمور:

كيفية القضاء

إذا ادعى شخص مالا على آخر، فالآخر لا يخلو من أن يعترف له أو ينكر عليه أو يسكت: بمعنى أنه لا يعترف ولا ينكر فهنا صور ثلاث:

(الأولى): اعتراف المدعى عليه فيحكم الحاكم على طبقه ويؤخذ به.

(الثانية): إنكار المدعى عليه فيطالب المدعي بالبينة فإن أقامها حكم على طبقها وإلا حلف المنكر، فإن حلف سقطت الدعوى ولا يحل للمدعي- بعد حكم الحاكم - التقاصّ من مال الحالف. نعم لو كذّب الحالف نفسه جاز للمدعي مطالبته بالمال فان امتنع حلت له المقاصة من أمواله.

(الثالثة): سكوت المدعى عليه، فيطالب المدعي بالبينة فإن لم يقمها ألزم الحاكم المدعى عليه بالحلف إذا رضي به المدعي وطلبه فإن حلف فهو، وإلا فيرد الحاكم الحلف على المدعى، وأما إذا ادعى المدعى عليه الجهل بالحال، فإن لم يكذبه المدعي فليس له إحلافه وإلا أحلفه على عدم العلم.[١٥]

شروط سماع الدعوى

يلزم لسماع الدعوى من المدعي- لدى المشهور- تحقق:

  1. البلوغ والعقل.[١٦]
  2. ان يكون جازما في دعواه لا ظانا أو محتملا.[١٧]
  3. ان تكون دعواه لنفسه أو لمن له الولاية أو الوكالة عنه.[١٨]
  4. ان يكون متعلق الدعوى أمرا سائغا فلا تسمع الدعوى من المسلم على غيره باشتغال ذمته بالخمر أو ما شاكله.[١٩]
  5. ان يكون المتعلق ذا أثر شرعي فلا تسمع دعوى الهبة أو الوقف من دون إقباض.[٢٠].
  6. ان يكون المدعى به معلوما في الجملة.[٢١]

وسائل الإثبات

الوسائل التي يعتمد عليها الحاكم للإثبات وحل الخصومة هي:

قال السيد الخوئي: كما أن للحاكم أن يحكم بين المتخاصمين بالبينة وبالإقرار وباليمين، كذلك له أن يحكم بينهما بعلمه ولا فرق في ذلك بين حق اللّه وحق الناس، نعم لا يجوز إقامة الحد قبل مطالبة صاحب الحق، وإن كان قد علم الحاكم بموجبه.[٢٢]

قسمة المال المشترك

قسمة الشركاء ما اشترك بينهم صحيحة. ويُجبر الممتنع عليها فيما إذا لم يلزم منها ضرر - أما إذا لزم منها ذلك على الكل أو البعض فتصح مع التراضي ولا يجوز الإجبار - سواء كانت قسمة إفراز أم قسمة تعديل أم قسمه رد. غايته في الأخيرة ان تمّ الاتفاق على تعيين الراد فلا مشكلة وإلا عُيّن بالقرعة.

واذا كان المال المشترك غير قابل للقسمة حتى مع الرد فمع التراضي على تقبّل البعض له ودفع حصة الآخر من القيمة فلا مشكلة وإلا أجبرا على بيعه وتقسيم الثمن بينهما.

والقسمة عقد مستقل لازم لا يحق فسخها إلا مع التراضي.

والمدعي لوقوع الغلط فيها بعد تحققها لا يقبل ذلك منه إلا بالبينة. وليس له إحلاف صاحبه إلا إذا إدعى علمه بذلك فله إحلافه على عدم العلم.[٢٣]

أحكام عامة في باب القضاء

  • المدعي، هو الذي، إذا تُرك، ترك، والمدعى عليه بالعكس.[٢٤] وقيل غير ذلك.
  • المدعي مطالب بالبينة بلا حاجة الى ضم يمينه إلا في الدعوى على الميت بدين.[٢٥]
  • الحلف لا يصح الا باللّه سبحانه وبأسمائه الخاصة ولو مع الترجمة.[٢٦]
  • الدعوى على الغائب مسموعة اذا أقام المدعي البينة على ما يدعيه ويأخذ الحاكم بحقه من أموال المدعى عليه بعد طلب كفيل منه على المال، ويبقى الغائب على حجته اذا رجع. ولو أثبت عدم استحقاق شي‌ء عليه يسترجع الحاكم ما دفعه إلى المدعي.[٢٨]
  • إذا كان لشخص مال في يد غيره جاز له أخذه منه من دون استئذانه ان لم يستلزم ذلك تصرفا في ملكه. هذا إذا كان المال عينا. وأما اذا كان دينا في ذمته فمع اعترافه وبذله لا يجوز أخذه منه من دون استئذانه. وهكذا لو كان غير باذل له وكان امتناعه بحق. أجل إذا كان امتناعه بظلم جازت المقاصة بلا حاجة إلى استئذان من الحاكم الشرعي.[٢٩]
  • من ادعى مالا لا يد لأحد عليه حكم له به بلا مطالبة بالبينة.[٣٠]

الهوامش

  1. المائدة: 49.
  2. النساء: 65.
  3. النور: 48.
  4. النور: 51.
  5. العلامة الحلي، تحرير الأحكام، ج‌5، ص105 - 106.
  6. المفيد، المقنعة، ص722‌.
  7. السبزواري، مهذب الأحكام، ج27، ص19.
  8. الخراساني، منهاج الصالحين، ج3، ص445.
  9. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص8.
  10. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص5.
  11. وهي الذكورة، والعدالة، والإجتهاد، والبلوغ والعقل والإيمان وطهارة المولد والرشد.
  12. الخلخالي، الحاكمية في الإسلام، ص376 - 378‌.
  13. الشهيد الأول، القواعد والفوائد، ج‌2، ص126.
  14. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص6.
  15. الخراساني، منهاج الصالحين، ج3، ص447 - 448.
  16. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص13.
  17. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص6.
  18. الروحاني، منهاج الصالحين، ج3، ص220.
  19. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص13.
  20. الخراساني، منهاج الصالحين، ج3، ص456.
  21. السبزواري، مهذب الأحكام، ج27، ص63.
  22. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص6.
  23. الأيرواني، دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري، ج‌3، ص37.
  24. الحلي، الجامع للشرائع، ص531.
  25. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص6.
  26. اليزدي، تكملة العروة الوثقى، ج‌2، ص199.
  27. الفياض، منهاج الصالحين، ج‌3، ص242.
  28. الخراساني، منهاج الصالحين، ج3، 449.
  29. الخوئي، تكملة منهاج الصالحين، ج2، ص14.
  30. الخراساني، منهاج الصالحين، ج3، 457.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم.
  • الأيرواني، باقر،‌ دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري‌، قم – إيران، ط2، 1427 ه‍.‌
  • الحلي، يحيى بن سعيد، ‌الجامع للشرائع‌، قم- إيران‌، الناشر: مؤسسة سيد الشهداء العلمية‌، ط1، 1405 ه‍.
  • الخراساني، حسين وحيد،‌ منهاج الصالحين‌، قم – إيران، الناشر: مدرسة الإمام الباقر عليه السلام، ط5، 1428 ه‍.
  • الخلخالي، محمد مهدي، الحاكمية في الإسلام‌، قم – إيران، الناشر: مجمع انديشه اسلامى، ط1، ‌1425 ه‍.
  • الخوئي، أبو القاسم، منهاج الصالحين، قم - إيران، نشر مدينة العلم، ط 28، 1410 هـ.
  • الروحاني، صادق، منهاج الصالحين، د.م، د.ن، د.ت.
  • السبزواري، عبد الأعلى، مهذب الأحكام في بيان الحلال والحرام‌، قم - إيران، الناشر: مؤسسه المنار- دفتر حضرت آية الله‌، ط4، 1413 ه‍، د.ت.
  • الشهيد الأول، محمد بن مكي، القواعد والفوائد‌، قم - إيران، الناشر: كتابفروشى مفيد، ط1، د.ت.
  • العلامة الحلي، حسن بن يوسف بن مطهر، تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الإمامية، قم - إيران، الناشر: مؤسسه امام صادق عليه السلام، ط1، 1420 ه‍.
  • الفياض، محمد اسحاق، منهاج الصالحين، د.م، د.ن، د.ت.
  • المفيد، محمّد بن محمد، المقنعة، قم - إيران، كنگره جهانى هزاره شيخ مفيد قدس سره، ط 1، 1413 ه‍.
  • اليزدي، محمد كاظم، تكملة العروة الوثقى‌، قم- إيران‌، الناشر: كتابفروشى داورى، ط1، ‌1414 ه‍.