الضرورات الدينية

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإسلام
کتیبه مسجد.png

الضرورات الدينية، هي مجموعة العقائد و الأحكام الشرعية الفرعية الواضحة والبديهية، والتي تواترت وثبتت قطعيتها لدى جميع المسلمين على أنها جزء من الإسلام، أو هي ما لا يمكن تصور انتفائه في الدين. فلو نفيته فكأنك كذبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، ولذا يعد إنكارها أحد أسباب الكفر والارتداد عن الإسلام ومن جملة تلك الضرورات الدينية: الاعتقاد بـالمعاد أو المعراج، ووجوب الصلاة والصوم أو حرمة الربا والكذب.

تاريخ مفردة الضرورة الدينية

إنّ لفظ الضرورة الدينية لم يرد في القرآن الكريم ولا في الأحاديث الشريفة، أو حتى في المتون الفقهية القديمة، وإنما هو - على الأرجح - مصطلح فقهي مُستفاد ومنتزع من مضمون بعض النصوص الروائية والتي فهم بعض الفقهاء منها ذلك، وقد أدخلوا تحت هذا العنوان الكثير من الحالات والمصاديق والتي اعتبروا منكرها كافراً وخارجاً عن الملة.

كما أن مفهوم الضرورة الدينية كمصطلح فقهي يُعد مفردة متأخرة جاءت في زمن المحقق الحلي (602 - 676 هـ) وما بعده، لكنها موجودة بمعناها في كلام بعض قدماء فقهاء الشيعة أمثال الشيخ الطوسي، وأكثر تعاريف الضرورة الدينية إنما وردت في كلام المتأخرين منهم من قبيل العلامة المجلسي(قده)[1] والمقدس الأردبيلي، ومن المعاصرين الشيخ محمد رضا المظفر والذي قام في بعض آثاره بتعريفها.[2]

مفهوم الضرورة الدينية

اختلفت كلمات العلماء في تحديد الضابطة العلمية لمفهوم الضرورة الدينية ومعناها إلى عدة آراء ونظريات، ومن خلال مراجعة بعض المصادر الفقهية يمكن إعطاء معنى واضح وجامع للضرورة الدينية:

فمثلاً الشيخ الطوسي يرى أن ضروري الدين: (لا يختلف العقلاء فيه، بل يتفقون عليه، ولذلك لا يختلفون في أن الواحد لا يكون أكثر من اثنين وأن الشبر لا يطابق الذراع».[3]، أي هو الأمر الذي لا اختلاف فيه، كما أنه لا يحتاج في حصوله إلى كسب ونظر.

وأمَّا المقدس الأردبيلي فقد ذهب في كتابه مجمع الفائدة والبرهان من أنّ: (المراد بالضروري الذی یکفَّر منکره الذي ثبت عنده یقیناً کونه من الدین ولو کان بالبرهان، ولم یکن مجمعاً علیه»[4] فملاك الضروري لديه هو الأمر الثابت يقيناً من الدين ولو بالبرهان.

كما عُرفت الضّرورة الشرعیّة بأنها: «المعتقد الذي لا یبذل المصّدق بها التفکیر فیها كوجوب الصلاة عند المسلم. فالمقصود بعبارة الفقهاء (معلوم من الدین بالضّرورة) یراد بها أنَّ المسلم یعلم بها بداهةً لکونه مسلم، ولا یتوقَّف عندها یطلب الدلیل علیها».[5]

فیما ذهب المحقق الاستربادي (قده) في كتابه الفوائد المدنية إلى أن معنى ضروري الدين: (ما يكون دليله واضحاً عند علماء الإسلام بحيث لا يصلح لاختلافهم فيه بعد تصوره».[6] أي أن الضروي لديه يحتاج إلى الدليل إلا أن هذا الدليل يجب أن يكون واضحا جدا عند خصوص علماء الإسلام بحيث لا يصلح الاختلاف فيه بينهم بعد تصوره.

وعرفه الشيخ محمَّد رضا المظفر في كتابه (أصول الفقه) بأنه: «ما عليه إجماع جميع الأمة بجميع طوائفها وأشخاصها في جميع العصور مثل وجوب الصلاة والزكاة ونحوهما»[7]، أي هو الأمر المعروف جداً عند جميع المسلمين، حيث لا يجهل أحد منهم أنه من أجزاء دينهم.

وهناك من يرى أن الضرورة الدينية: «هي أمر منسوب إلى الدين، وتكون حاجة الدين إليه ماسة وكبيرة جداً».[8]

وهذا المعنى قريب إلى المعنى اللغوي للضروري أي ما لا يحصل الشيء إلا به، أو ما يحتاجه حاجة شديدة.[9] وهو أيضاً أكثر التصاقاً بروح الشريعة، وارتكازات المتشرعة والعقلاء، ويؤيد ذلك الروايات التي تعبر عن بعض الأمور بأنها دعائم الدين والإسلام، أو مما بني عليه الإسلام وما شابهها في ألسنة الروايات.

وبالتالي تكون الضرورات الدينية هي أركان الدين التي يتقوم بها أصل الدين، كأصل وجود الله تعالى وتوحيده والتصديق برسالته، أو هي أجزاء الدين الأساسية كالصلاة والصوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما شاكل.

ويتضح مما سبق أن المراد بــالضرورة الدينية في كلمات الفقهاء هو الذي يرادف البديهي والقطعي واليقين بالأصطلاح المنطقي، أو هو ما لا يحتاج انتسابه للدين إلى دليل ولا يشك فيه أحد من المسلمين، أو ما كان واضحاً عند علماء الإسلام بحيث لا يصحّ الاختلاف والتقليد فيه بعد تصوره، أو هو أمر منسوب إلى الدين، وتكون حاجة الدين إليه ماسة وكبيرة جداً.

أنواع الضرورة الدينية

ويُلاحظ من خلال استقراء المصادر والمراجع الفقهية أن بعض الضرورات الدينية هي من الأمور العقائدية، وهي على قسمين:

الأول: ما علم ثبوته من الدين بالضرورة من الأركان الأساسية المقومة لأصل الدين، كالإلوهية، والتوحيد، والنبوة والمعاد على قول.

والثاني: الأجزاء الأساسية في الدين مثل المعاد الجسماني، أو الاعتقاد بنفي التجسيم الحقيقي، أو صدور المعجزات من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

كما وردت مصاديق أخرى للضرورات الدينية فيما يرتبط بالأحكام الشرعية من قبيل فروع الدين الرئيسية كوجوب الصلاة، والصوم[10]، والزكاة[11]، والحج، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فإنه على كل الضوابط السابقة هي من الأجزاء الرئيسية في الدين الإسلامي.

وقد صرح أكثر العلماء بضرورية هذه الأمور، وهنالك ضروريات هي أقل أهمية وشهرة من قبيل حرمة مقاربة الحائض،[12] أو مشروعية ومطلوبية الأذان[13] للصلوات الخمس اليومية. ووجوب التوجه إلى القبلة في الصلوات المفروضة.[14] ووجوب الوضوء.[15] وحتی اعتبار الاستصحاب.[16]

وتعريف بعض الفقهاء للضرورة الدينية لا يعني أن كل مصاديقها موضع اتفاق فيما بينهم، إلا أنهم اتفقوا على أن تحديد مصداق الضروري يتم من خلال النص الديني الثابت قرآناً وسنة، بأن يبين أن هذا الأمر من أركان الدين أو دعائمه أو قواعده وما شابه. أو اتفاق وإجماع المسلمين على كون أمر ما من أركان أو دعائم أو أجزاء وقواعد دينهم المهمة.

حكم منكر الضروريةالدينية

لا يختلف جميع المسلمين في أنَّ من أنكر أصلاً من أصول الدين الأساسية التي بها قوام الإسلام كالإلوهية والتوحيد والرسالة يعدُّ كافراً؛ وذلك لأنّ الإسلام عبارة عن الإقرار بهذه الأصول فإذا أنكرها شخص أو بعضها خرج بذلك عن الإسلام وكان كافراً، قاصراً كان أو مقصراً، معذوراً كان أو غير معذور للنصوص المستفيضة الدالة على ذلك.

وإنّما الإشكال والخلاف في غير ذلك من المسائل الاعتقادية والأحكام الفرعية والتي تسمّى بالضروريّات الدينية.

وبحسب اعتقاد علماء الفريقين من الشيعة والسنة فإن إنكار الضروري في الإسلام يستلزم الكفر.[17]

فلا يوجد أختلاف بين الفقهاء في اعتبار أن من ينكر الضروريات الدينية مرتد وكافر، ولكنهم أختلفوا هل إن مجرد إنكار الضرورة الدينية بنفسه سبب مستقل للكفر والخروج عن الدين، أو أن الإنكار بنفسه ليس سبباً مستقلا، بل بما هو مؤدٍ الى إنكار التوحيد أو الرسالة؛ وهذا هو الذي يوجب الكفر والخروج عن الدين الإسلامي؟

في هذا المجال يمكن استقراء أربعة نظريات عند [[الفقهاء في حكم منكر الضرورة الدينية:

الأولى- أن إنكار الضرورة الدينية سبب مستقل للكفر، مثل إنكار وجود الله ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سبب تام في حصول الكفر؛ حتى إذا كان ناشئاً من شبهة أو لم يستلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا القول هو ظاهر كلام العلامة الحلي[18] ومختار صاحب الجواهر.[19]

الثانية- إن إنكار الضرورة الدينية إنما يقتضي الكفر والارتداد إذا كان مستلزماً لتكذيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورسالته، بأن يكون ذلك الإنكار كاشفاً عن الجحود والعناد ؛ ولذا إذا أنكر شحض عقيدة دينية أو حکماً شرعياً باعتقاد إنهما ليستا جزءً من الشريعة الإسلامية؛ فإنه لا يحكم بإرتداده؛ لأن ملاك الكفر والخروج من الإسلام هو الإنكار الصريح للرسالة أو الإلتفات إلى وجود الملازمة، لا مجرد وجود تلك الملازمة. ومن المعروفين بهذه النظرية السيد المرتضى، والملا هادي السبزواري، والسيد بحر العلوم، وآية الله الخوئي والسيد الخميني .

وهذا القول هو مختار أغلب الأعلام المتأخّرين، وجملة من الأعلام الذين سبقوهم كـالمقدس الأردبيلي (ت 993 هـ)، والفاضل الهندي (ت 1137 هـ)، والمحقق الخوانساري (ت 1099 هـ)، والميرزا القمي (ت 1231 هـ) وآخرون. وحتى بعض أولئك الذين قبلوا النظرية الأولى والقائلة بأن إنكار الضرورة بنفسه سبب مستقل للكفر فإنهم استثنوا حالة وجود شبهة لدى المنكر.

الثالثة- إن منكر الضرورة الدينية إذا كان قد نشأ في البلد الإسلامي أو البيئة الإسلامية بحيث أنه يعرف ما هي ضروريات الإسلام ولكنه بعد ذلك أنكرها فإنه يحكم بكفره.

وأمَّا إذا كان منكر الضرورة الدينية من بلاد بعيدة عن الإسلام وتعاليمه كما لو نشأ في البوادي أو البلاد التي لا يوجد فيها مسلم فلا يُحكم بكفره بمجرد إنكاره لشيء من ضروريات الدين خصوصا مع دعواه عدم علمه بكون ما أنكره صادرا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لظهور حاله في ذلك. وهذه النظرية عُرف بها صاحب الجواهر. وأشار إليها الشيخ محمد تقي البروجردي.[20]

الرابعة- التفصيل بين القاصر والمقصّر المنكر للضرورة الدينية، فالجاهل القاصر لا يحكم بكفره مطلقا. بينما المقصّر يحكم بكفره، ولكن في خصوص المسائل الاعتقادية الضرورية.

ومن هنا نجد أن الشيخ الأنصاري قال: (فالأقوى التفصيل بين القاصر وغيره في الأحكام العملية الضرورية دون العقايد، تمسكا في عدم كفر منكر الحكم العملي الضروري؛ لعدم الدليل على سببيته للكفر مع فرض عدم التكليف بالتدين بذلك الحكم ولا بالعمل بمقضاه؛ لأنه المفروض ».[21]

وبناء على ما سبق حكم الفقهاء بأن التدين بالأصول الدينية الأساسية كالتوحيد والنبوة والمعاد أمر لا بد منه لكل مسلم، ولا يعذر فيها الجاهل بأي حال، أمَّا إنكار الأحكام الفرعية الضرورية فضلاً عن الجهل بها، فلا يضر بإسلام المسلم إلا مع العلم بأنها من الدين.

الهوامش

  1. المجلسي، حق الیقین، ص 559.
  2. راجع: أصول الفقه، محمد رضا المظفر، ج 2، ص 92.
  3. الطوسي، محمد بن الحسن، الاقتصاد الهادي إلی طریق الرشاد، ص 10.
  4. المقدس الأردبیلي، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان فی شرح إرشاد الأذهان، ج 3، ص 199.
  5. فتح اللّه، أحمد، معجم ألفاظ الفقه الجعفري.
  6. الاسترابادي، الفوائد المدنية، ص 128.
  7. محمَّد رضا المظفر، أصول الفقه، ج 2، ص 92.
  8. الوائلي، علي، الضرورات الدينية والمذهبية والفقهية على ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ص 57.
  9. ابن منظور، لسان العرب، ج 8، ص 45-46؛ الطريحي، مجمع البحرين، ص 10-17.
  10. المقدس الأردبيلي، مجمع الفائده، ج 13، ص 314.
  11. العلامة الحلي، منتهی المطلب فی تحقیق المذهب، ج 8، ص 12.
  12. الشهید الثاني، روض الجنان، ج 1، ص 211 ؛ المقدس الأردبيلي، مجمع الفائدة، ج 7، ص 524.
  13. النراقي، عوائد الأيام، ص 129.
  14. النراقي، مستند الشيعة، ج 4، ص 202.
  15. الموسوی العاملي، سید محمد بن علي، مدارك الأحکام في شرح شرائع الإسلام، ج 1، ص 9.
  16. الشیخ الأنصاري، الحاشیة علی استصحاب القوانین، ص 75.
  17. العلامة المجلسي، حق الیقین، ص 559.
  18. العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج 1، ص 68.
  19. جواهر الكلام في شرائع الإسلام، ج 6، ص 46-48.
  20. راجع: العراقي، آغا ضياء الدين، نهاية الأفكار، بقلم: محمد تقي البروجردي، ص 191.
  21. الشيخ الانصاري، كتاب الطهارة، ج 2 ، ص 356.

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

  • الاسترابادي، محمَّد أمين، الفوائد المدنية، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين،ط 1، 1424 هـ.
  • الحلي، الحسن بن المطهر، تذكرة الفقهاء، بيروت، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، ط 1، د.ت.
  • الشهيد الثاني، روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان، قم، الناشر: دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه، 1402 ق.
  • الأنصاري، الحاشية على استصحاب القوانين، قم، مطبعة: باقري،ط 1، 1315 ق.
  • الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، الناشر: مكتب نشر الإسلامية، 1408 هـ.
  • الطوسي، الاقتصاد الهادي إلی طریق الرشاد، قم، مطبعة خيام، 1400 هـ.
  • العراقي، آغا ضياء الدين، نهاية الأفكار، بقلم: محمد تقي البروجردي، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1405 هـ.
  • الحلي، الحسن بن المطهر، منتهى المطلب في تحقيق المذهب، مشهد، مجمع البحوث الإسلامية، 1412 هـ.
  • المجلسي، محمَّد باقر، حق الیقین في معرفة أصول الدين، طهران، مؤسسة الأعلمي. د. ت.
  • المجلسي ، بحار الأنوار، بیروت، دار إحیاء التراث العربي، ط 2، 1403 هـ.
  • ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.م د.ت.
  • المظفر، الشيخ محمَّد رضا، أصول الفقه، قم، مؤسسة إسماعیلیان، ط 2، 1410 هـ.
  • المقدس الأردبیلی، أحمد، مجمع الفائدة والبرهان فی شرح إرشاد الأذهان، قم، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1362 هـ.
  • الموسوي العاملي، محمد بن علي، مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام، مشهد، مؤسسة آل البيت (ع)،ط 1، 1410 هـ.
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام في شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربي، د.م د.ت.
  • النراقي، أحمد بن محمد مهدي، عوائد الأيام، قم، منشورات مكتبةبصيرتي، ط 3، د. ت.
  • النراقي، أحمد بن محمد مهدي، مستند الشيعة، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، ط 1، د.ت.
  • الوائلي، علي، الضرورات الدينية والمذهبية والفقهية على ضوء مدرسة أهل البيت، مركز المصطفى (ص) العالمي للترجمة والنشر، مطبعة: نارنجستان، 1435هـ. 
  • الانصاري، كتاب الطهارة، قم المقدسة، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) للطباعة والنشر، 1298 هـ. ش.