الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة (كتاب)

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
أسفاراربعه.jpg

الأسفارُ الأربعة، موسوعة فلسفية إسلامية بقلم صدر الدين الشيرازي الشهير بـ الملا صدرا الشيرازي وصدر المتأهلين (ولد حدود 979هـ - وتوفى 1050هـ / 1571- 1640م) أطلق عليها: الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة. وقد استطاعت الموسوعة شقّ طريقها الى الدرس الفلسفي في الحوزة العلمية في القرون الأخيرة لما توفرت عليه من العمق والشمولية، خاصّة في النهضة الحكمية الشيعية.[1] فكان لها التفرّد والصدارة وأن ماجاء بعدها من مؤلفات الشيرازي أو غيره من الأعلام ينهل من نميرها ويغترف من بحرها.

عصر تدوين الأسفار

قيل أن الملا صدرا مرّ في حياته العلمية بثلاثة مراحل متمايزة:

1. مرحلة الاستدلال العقلي المحض فلسفة وكلاماً.

2. مرحلة العزلة والإعداد الروحي والسلوك العرفاني.

3. مرحلة العطاء والتعليم وتدوين الآثار.

ويمكن القول بعد رصد القرائن المحيطة بكتاب الأسفار أنّ الملا صدرا شرع بتأليف الكتاب - وهو أوّل مؤلفاته - في نهايات المرحلة الثانية، وقد أشار في مقدمة كتابه إلى هذه القضية عندما قال:

لمّا انزويت في بعض نواحي الديار واستترت بالخمول والإنكسار منقطع الآمال منكسر البال متوفرا على فرض أؤديه وتفريط في جنب الله أسعى في تلافي... فلما بقيت على هذا الحال من الاستتار والإنزواء والخمول والاعتزال زمانا مديداً وأمداً بعيداً اشتعلت نفسي لطول المجاهدات اشتعالا نورياً - والتهب قلبي لكثرة الرياضات التهاباً قويا ففاضت عليها أنوار الملكوت وحلّت بها خبايا الجبروت.[2] ومن القرائن المؤكدة لما نقول دعاؤه في نفس كتاب الاسفار لاستاذه وسيده المير داماد (توفى 1040هـ ) بطول العمر.[3]

وهذا يكشف عن فترة تدوينه للكتاب، ومن تلك القرائن أيضاً أنّه أشار في نهاية القسم الأول من الاقسام الأربعة للكتاب الى ما ألهم به في تدوين ذلك البحث – فهو يشير هنا الى مرحلة الإلهام- ومدوناً تعليقة في هامش النسخة الخطية بان ذلك وقع بتاريخ 1037ه.[4]

موضوعات الأسفار

الأسفار جمع سَفر لا كما ظن البعض من أنّه جمع سِفر،[5] فقد صنّف صدر الدين الشيرازي كتابه على أربعة أسفار تتطابق مع الأسفار الأربعة للسالكين من العرفاء و الأولياء.[6] وهي:

1. السفر من الخلق إلى الحق.

2. السفر بالحق في الحق.

3. السفر من الحق إلى الخلق بالحق.

4. السفر بالحق في الخلق.[7]

توضح ذلك: إن السفر هو الحركة عن الموطن أو الموقف متوجها إلى المقصد بطي المراحل و قطع المنازل، وهو على ما اعتبره أهل الشهود أربعة- الأول السفر من الخلق إلى الحق برفع الحجب الظلمانية والنورية التي بين السالك وبين حقيقته التي هي معه أزلا وأبداً، فإذا أفنى السالك ذاته فيه تعالى ينتهي سفره الأول ويصير وجوده وجوداً حقانياً؛ ثم عند إنتهاء السفر الأول يأخذ السالك في السفر الثاني وهو السفر من الحق إلى الحق بالحق وإنما يكون بالحق لأنه صار ولياً وجوده وجوداً حقانياً فيأخذ في السلوك من موقف الذات إلى الكمالات واحداً بعد واحد حتى يشاهد جميع كمالاته...؛ والسفر الثالث هو السفر من الحق إلى الخلق بالحق و يسلك من هذا الموقف في مراتب الأفعال ويزول محوه ويحصل له الصحو التام ويبقى ببقاء الله ويسافر في عوالم الجبروت والملكوت والناسوت ويشاهد هذه العوالم كلها بأعيانها...؛ والسفر الرابع- وهو من الخلق إلى الحق بالحق فيشاهد الخلائق وآثارها ولوازمها فيعلم مضارها ومنافعها في العاجل والآجل يعني في الدنيا والآخرة و يعلم رجوعها إلى الله وكيفية رجوعها وما يسوقها ويقودها ويخزيها وما يمنعها ويعوقها ويدعوها.

ثم إن الملاصدرا نظم موسوعته على أربعة محاور:

1. في الأمور العامّة ( الوجود ومظاهره)؛

2. في الحكمة الطبيعية ( الجواهر والأعراض)؛

3. في الإلهيات بالمعنى الأخص؛

4. في النفس ومبدئها ومعادها.

والجدير بالنظر هنا أن ما يميّز موسوعة الأسفار الأربعة عمّا سبقها من الآثار في الفسلفة الإسلامية التي تخوض عادة وقبل مبحث الامور العامة والالهيات بالمعنى الاخص في مباحث المنطق والطبيعيات وبحسب مقتضى التصنيف الأرسطي للعلوم يفتتح قسم خاص للرياضيات أو ما يسمى بالحكمة الوسطى. ومن مميزات موسوعة الأسفار أن الشيرازي أبدع في مبحثيين أساسيين الأول أصالة الوجود والثاني الحركة الجوهرية اللذين تظهر فيهما براعة الشيرازي بوضوح تام.

ولمّا كانت المناسبة بين الأسفار الأربعة في الكتاب والأسفار العرفانية الأربعة غير واضحة المعالم في الوهلة الاولى وضوحاً تاما من هنا سعى بعض الباحثين من أتباع المدرسة الصدرائية لبيان التطابق بينها. ورغم الجهود القيمة التي بذلها لم يتوصل الى التطابق التام، بل أقصى ما أثبته بيان المناسبة بين محتويات فصول الكتاب وتلك الأسفار العرفانية. من هنا ينبغي التركيز هنا على نقطة مهمة جداً وهي: أن ما تعرض له صدر المتألهين في مباحث الامور العامة والجواهر والأعراض إنما جاء كمقدمة للمعرفة الإلهية وهذا ينسجم - من هذه الجهة- مع السفر الأول. كذلك يمكن القول بتطابق قسم الإلهيات بالمعنى الأخص مع السفر الثاني. أمّا السفر الثالث فيتداعى من مباحث كيفية صدور الكثرة من ذات الحق تعالى وسلسلة العقول والنفوس. ويعمّ السفر الرابع جميع الفصول المتمحورة حول النفس وأحوالها ومباحث المعاد.[8]

ثم إن الذي يبرر الموقف هنا ويمنحه صبغة العلمية أن المؤلف لم يكن في اختياره لعنوان «الأسفار الأربعة» بصدد التمثيل المحض، بل السبب الداعي لذلك الأختيار منهجه المعرفي والمعنى الذي يوضح غاياته، حيث كان يرى أن الحكمة الحقة تسير بجناحي البرهان والكشف وأن كلا من الجناحين يكمل بعضها البعض الآخر، ولايمكن بحال من الاحوال الفصل بينهما. وقد كرر كثيراً في موسوعة الأسفار و في سائر مصنفاته على المزج بين اسلوب المعرفة الفلسفي وطريقة الشهود العرفاني منتقداً الأساليب المفَكِكـَة بين المنهجين. ومن هنا نراه يوصي في مقدمة كتابه طالب الحكمة بقوله: فابدأ يا حبيبي قبل قراءة هذا الكتاب بتزكية نفسك عن هواها واستحكم أولا أساس المعرفة والحكمة - ثم إرق ذراها وإلا كنت ممن أتى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ إذ أتاها، ولا تشتغل بترهات عوام الصوفية من الجهلة ولا تركن إلى أقاويل المتفلسفة جملة فإنها للأقدام عن جادة الصواب مزلة.[9] ويؤكد كذلك في مبحث الإنسان الكامل على تفرده - تقريبا- بالجمع بين منهجي الفلاسفة والمفكرين ومنهج السالكين والعارفين.[10] وهنا يكمن جوهر فلسفته ولب ما أسماه صدر الدين المتألهين بالحكمة المتعالية.[11]

قام الملا صدرا– بالاضافة الى نقل الكثير من المقولات العرفانية المبثوثة في مؤلفات إبن عربي وشراح كتبه- بتحليل ونقد الكثير من النظريات الفلسفية والكلامية. وكانت طريقة الملا صدرا في البحث البدء بتقرير الموضوع المراد بحثه ثم استقصاء النظريات والآراء الفسلفية والكلامية الكبرى المطروحة فيه وتتبع آراء مدرستي المشاء والاشراق ثم محاولة التوفيق بينها إعتمادا على مبانية المعرفية كما يظهر من كلامه في مقدمة كتابه.[12] ومن هنا نراه يصرح بقوله: إعلم أنّي ربّما تجاوزت عن الاقتصار على ما هو الحق عندي وأعتمد عليه اعتقادي إلى ذكر طرائق القوم وما يتوجه إليها وما يرد عليها ثم نبهت عليه في أثناء النقد والتزييف والهدم والترصيف والذب عنها بقدر الوسع والإمكان؛ وذلك لتشحيذ الخواطر بها وتقوية الأذهان من حيث اشتمالها على تصورات غريبة لطيفة وتصرفات مليحة شريف.[13] وعلى كل حال فقد إمتازت الملا صدرا في الأسفار بحسّه النقدي البارز، ومن خواص الحكمة الصدرائية في الأسفار السعي الجاد والمثابر لاثبات التوافق والانسجام وعقد المصالحة بين الحكمة والشريعة، ويتجلى ذلك بوضوح تام في السفرين الثالث والرابع اللذين يكثر فيهما الاستشهاد بالآيات والروايات الداعمة والمؤيدة لمبانيه. وقد أضفت هذه الخصيصة صبغة كلامية على كتاب الأسفار.[14]

مصادر الأسفار

استند المؤلف - كما يظهر من مطاوي موسوعة الأسفار- إلى الكثير من المصادر الفلسفية والعرفانية والكلامية، الا أن الغالب منها غير متوفر اليوم، كذلك نرى في مطاوي الكتاب الاستناد الى كلمات لم يشر عند ذكرها الى صاحبها، الأمر الذي يحتاج الى دراسة مستقلة ترصد تلك المصادر وترجع تلك الآراء الى أصحابها.[15] ومن أبرز المصادر التي إعتمد عليها المؤلف كثيراً الاثولوجيا ورسائل‌ إخوان‌ الصفا حيث كان لهما الأثر الواضح في أفكار المؤلف.

اسلوب الملاصدرا في التدوين

امتاز كتاب الأسفار بسلاسة الاسلوب وحلاوة البيان، وهذا الأمر يعدّ من النوادر في مؤلف تتسم موضوعاته بالتعقيد وعمق المضامين، ومن هنا انفرد كتاب الأسفار بهذه الخصوصية بين أقرانه من الكتب المشابهة له، بل يتّصف أحيانا بالاضافة الى فصاحة البيان ولطافة التعبير بأسلوب أدبي ممزوج بحرارة شعرية.

شروح وحواشي الكتاب

دوّن الأعلام والفلاسفة مجموعة من الشروح والتعليقات على الكتاب يظهر أن حاشية الملا علي النوري (توفى 1246هـه) أقدم تلك الحواشي. وأشهر تلك الحواشي وأكثرها تفصيلا له هي حاشية الملا هادي السبزواري (المتوفى 1289ه) حيث استوعبت جميع مباحث الكتاب الا قسم الجواهر والأعراض. وتعدّ حاشية الأغا علي المدرس الزنوزي من أبرز الحواشي العلمية والدقيقة والمفيدة في شرح الأسفار. ومن تلك الحواشي حاشية الملا إسماعيل الإصفهاني الدرب كوشكي (توفى 1277هـ)، وحاشية محمد بن معصوم علي الهيدجي (توفى 1340هـ ) وحاشية العلامة الطباطبائي.[16]

طبعات الأسفار

أوّل طبعة صدرت للأسفار الأربعة تمّت بجهود المحققين علي بناه الزنوزي ومحمد حسن الفاني الزنوزي في مدينة إصفهان الإيرانية، ثم توالت الطبعات بعدها حيث صدرت له طبعات حجرية في أربع مجلدات في مدينة طهران عامي 1282 و 1288 هـ. وقد أعدّ- مؤخراً- محمد إبراهيم آيتي فهرست موضوعات الكتاب اعتماداً على تلك الطبعات الحجرية. كذلك صدرت للأسفار طبعة محققة بإشراف العلامة الطباطبائي في 9 مجلدات بين سنة 1378 و1389هـ في مدينة قم المقدسة أدرجت في ذيلها الحواشي الست المذكورة.

دراسات المحققين الأوربيين

إستطاع كتاب الأسفار الاربعة أن يشقّ طريقه الى الساحة الأوربية فقد حظي الكتاب باهتمام الباحثين الاوربيين لما اشتمل عليه من عمق وشمولية، فتصدّى- ولأوّل مرة- ماكس هورتن في كتابه النظام الفلسفي عند صدرالمتألهين الشيرازي[17] للتعريف بالكتاب وترجمة لخلاصة مباحثه الى اللغة الألمانية؛ كذلك كان لـهنري كوربان سهم وافر في التعريف بالكتاب في أبحاثه حول الحكمة المتعالية والأسفار وخاصّة في كتابه «الإسلام الإيراني».[18]

الهوامش

  1. راجع: كربن‌، «تاريخ‌...»
  2. 1/4- 8.
  3. 6/381.
  4. راجع: حقوق‌، 331؛ نخجواني‌، 129.
  5. راجع: براون‌، ؛ IV/430 قس‌: گوبينو، 80.
  6. 1/13.
  7. المصدر؛ للتعرف على التعابير المختلفة للأسفار الأربعة راجع: ابن‌ عربي‌، 7/117، 125؛ الآملي‌، 268؛ الكاشاني‌، 87؛ وراجع أيضا: مركزي‌، 9/1013: وهي رسالة تحت عنوان‌ الأسفار الأربعة تأليف: شمس‌الدين‌ محمد خفري‌.
  8. راجع: قمشه‌اي‌، 1/13-16؛ نوري‌، 1/16-17.
  9. 1/12.
  10. 3، وراجع أيضاً: 1/9-10، 2/232، 9/174- 175، التفسير...، 10-11، مفاتيح‌...، 6 -7.
  11. وللتفصيل راجع: هـ د، صدرالدين‌ شيرازي‌.
  12. الأسفار، 1/5، المبدأ...، 6.
  13. 1/10-11، وراجع كذلك: 85.
  14. كمثال على ذلك راجع: 6/395-399، 9/4-6 ، 160-161، 243، 273، 321- 327.
  15. كمثال على ذلك راجع:: 1/314، 315، 388، 2/158، 159، 294، 7/216، 218.
  16. راجع: أغا بزرك‌ الطهراني، 6/19 - 20؛ الأشتياني‌، 54 - 56.
  17. استراسبورغ‌، 1913م‌.
  18. راجع: IV/54-115.

المصادر والمراجع

  • اقتبست هذه المقالة من دائرة المعارف الإسلامية الكبرى، ج 8، مدخل الأسفار الأربعة، تأليف: محمد جواد انواري‌؛
  • جلال الدين الأشتياني، مقدمه‌ على المسائل‌ القدسية [لـ]صدرالدين‌ [الـ]شيرازي‌، طهران‌ 1973م‌؛
  • أغا بزرك‌، الذريعة الفى تصانيف الشيعة؛
  • حيدر الآملى‌، المقدمات‌ من‌ كتاب‌ نص‌ النصوص‌، تحقيق جلال‌ الدين‌ الأشتيانى‌، طهران‌، 1974م‌؛
  • محيى‌الدين‌ بن‌ عربى‌، الفتوحات‌ المكية، تحقيق: عثمان‌ يحيى‌، القاهره‌، 1972م‌؛ الحقوق‌، نسخة خطية‌؛
  • صدر الدين‌ الشيرازي‌، محمد، الأسفار الاربعة، قم‌ 1389هـ ؛
  • الملا صدرا، تفسير القرآن‌ الكريم‌، تحقيق:‌ محمد خواجوي‌، قم‌، 1411هـ ؛
  • الملا صدرا، المبدأ والمعاد، تحقيق:‌ جلال ‌الدين‌ الأشتيانى‌، طهران‌،
  • الملا صدرا، مفاتيح‌ الغيب‌، تحقيق‌ محمد خواجوي‌، طهران‌،
  • محمدرضا القمشئي‌، حاشيه‌ على الأسفار (راجع: أيضا، صدرالدين‌ شيرازي‌)؛ عبدالرزاق‌ الكاشاني، اصطلاحات‌ الصوفية، لاهور، 1981م‌؛ مركزي‌، نسخة خطية‌؛
  • نخجواني‌، محمد، فهرست‌ المكتبة الحكومية في تبريز، تبريز، 1329ش‌؛
  • نوري‌، علي‌، حاشيه‌ بر[على] الأسفار (راجع: أيضاً، صدر الدين‌ الشيرازي‌)؛
  • وأيضا: Browne, E. G., A Literary History of Persia, Cambridge, 1924; Corbin, H., En Islam iranien, Paris, 1972; id, Histoire de la philosophie islamique, Paris,1964;Gobineau,Comte de, Les religions et les philosophies dans l'Asie Centrale, Paris, 1923.