التقريب بين المذاهب الإسلامية

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث

التقريب بين المذاهب الإسلامية واحد من الإصطلاحات الحديثة, وتعني السعي إلى تحقيق التّآلف والأخـوّة الدّينيـّة على أساس المبـادئ الإسلاميّة المشتركة الثّابتـة والأكيدة، وذلك بين أصحاب المذاهب الإسلاميّة وخاصة بين الشيعة (أتباع أهل بيت النبي(ص)) وأهل السّنّة (أتباع مدرسة الصحابة). ويعدّ السيد جمال الدين الأفغاني الأسدآبادي من أوائل الدّاعين للوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية، وكان هذا في بداية القرن الرّابع عشر الهجريّ من خلال مقالاته الّتي نشرها في مجلّة العروة الوثقى النّاطقة باللّغة العربيّة.وفي سنة 1317هـ.ش هاجر الشيخ محمد تقي القمي من إيران الى مصر وأسّس في القاهرة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية. وكان الهدف الأساسيّ لدار التقريب هو إتّحاد المسلمين، وأن يقف العلماء السّنّة والشيعة في صفّّ واحد. وكان للشيخ محمود شلتوت دور كبير في دفع عجلة التقريب إلى الأمام من خلال الفتوى الّتي أصدرها في السّابع عشر من ربيع الأوّل سنة 1378هـ والّتي تنصّ على جواز التّعبّد على مذهب الشيعة كالمذاهب الأربعة الأخرى. وفي سنة 1369ش وبإقتراح من السيد الخامنئي أسس مجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميٌة, حيث أخذ المجمع على عاتقه التقريب بين المذاهب الإسلاميٌة في العالم.

إصطلاح التقريب

التقريب في مفهومه العام يعني حركة تقريب الأديان, وفي مفهومه الخاص يعني الحركة التي تبناها علماء المذاهب الإسلامية من أجل التقريب بين السنة(أتباع مدرسة الصحابة)والشيعة(أتباع مدرسة أهل بيت النبي(ص)) من أجل الإتحاد بوجه أعداء الأمة الإسلامية.

الإصلاح في عصر المنصور العباسي

إتخذ التقريب في تاريخ الإسلام صور مختلفة وفي كثير من الأحيان يتخذ صبغة ثقافية أو سياسية.وقد إجتهد الحكام والسلاطين في هذا المجال من أجل تحقيق أغراضهم السياسية، وعلى سبيل المثال: فإن الخليفة العباسي المنصور الدوانيقي وهو الخليفة العباسي الثاني (حكم من سنة 136-158هـ)حيث اقترح على مالك بن أنس -إمام المذهب المالكي- أن يؤلف كتابا حتى يكون المصدر الرئيسي والرسمي المشروع في المجتمع الإسلامي، ولكن مالك رفض هذا الإقتراح.

الإصلاح في عصر المأمون العباسي

حكم المأمون العباسي من سنة 198-218هـ. وكان المأمون يأمر بعقد المجالس والمناظرات بين علماء المذاهب المختلفة و بحضوره، وكان يطلب من علماء كل مذهب أن يعطوا آرائهم في المسائل المختلفة، وكان من نتيجة هذه المجالس أن اعتقد المأمون بأفكار المعتزلة ودافع عنها.[١]

نادر شاه الأفشاري

حكم نادر شاه الأفشاري من سنة 1148-1160 هـ، وفي أحد مجالسه في مدينة دشت مغان الواقعة في شمال إيران سنة 1148هـ، وبحضور ممثلين عن طبقات المختلفة للشعب الإيراني, فقد جعل شرطا لقبول السلطة وهو ترك سب الخلفاء الثلاثة من قبل الشيعة, وإحتساب الشيعةالجعفرية مذهب خامس من قبل أهل السنة الى جانب المذاهب الأربعة الأخرى، وأرسل مبعوثا الى العثمانيون وطلب منهم نفس الأمر، فعلى الرغم من الخلاف الإيراني العثماني وتجاوز القوات العثمانية على الحدود الإيرانية لكنه اجتهد من أجل وحدة المسلمين. وفي سنة 1156هـ. اقترح أن يقام مجلس يحضرة علماء الشيعة وشيخ الإسلام العثماني عبدالله السويدي في بغداد، ولكن هذا الإقتراح لم ير النور بسبب معارضة علماء الشيعة، والمتآمرين، وسوء الظن من قبل شيخ الإسلام العثماني.[٢]

سيد جمال الدين الأسدآبادي

كان السيد جمال الدين الأسدآبادي من دعاة التقريب بين المذاهب الإسلامية في أوائل القرن الرابع عشر الهجري ،وكان ينشر أفكاره على شكل مقالات في مجلة العروة الوثقى الناطقة باللغة العربية مستفيدا من دعم المسؤليين في البلاد الإسلامية.وبقي ينشر افكاره في هذه المجلة حتى انقطعت العروة الوثقى عن الصدور، فانقطع نشاطه في هذا المجال. وقد دعى السلطان العثماني عبدالحميد الثاني(حكم1876-1909م) الى الاستمرار في نشر مقالاته في طريق التقريب من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية . ولكن برزت خلافات غير معروفة وبسبب أغراض عبد الحميد غير المعروفة لم يتحقق هذا الأمر.[٣]

تأسيس جمعية التقريب بين الأديان

تأسست أول جمعية للتقريب بين الأديان في لبنان، وذلك بعد تعطيل مجلة العروة الوثقى في مصر وذلك بعدهجرة محمد عبده الى بيروت وهو أحد تلامذة الأسدآبادي، فأسس مع أبو تراب الساوجي(خادم جمال الدين الأسدآبادي) ومحمدباقر البواناتي(مترجم العروة الوثقى الى الإنجليزية) جمعية التقريب بين أهل الإسلام وأهل الكتاب. ومن ثم إنظم اليهم مجموعة من الأشخاص من تركيا وإيران والإنجليز والهند. ولكن لم يستمر نشاط هذه الجمعية إلا الى فترة قصيرة.[٤]

تأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية

تأسست دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وكان هذا سنة 1938م على يد الشيخ محمد تقي القمي، وهو رجل دين إيراني هاجر الى مصر في نفس السنة التي أسس فيها دار التقريب. وتعد هذه الخطوة من أهم الإنجازات في سبيل التقريب العلمي بين المذاهب الإسلامية، وأصبح الشيخ القمي الأمين العام لدار التقريب حتى وفاته.[٥]


وقد تعثر عمل الجمعية مع الحرب العالمية الثانية(1939-1945) وذلك حين أبعد الشيخ القمي من مصر، ولكن عادت الجمعية الى سابق عهدها وذلك بعد إنتهاء الحرب حيث عاد الشيخ القمي الى مصر سنة1946م.[٦] أصبحت دار التقريب مكانا مهما لإقامة الندوات والمؤتمرات بين علماء الشيعة والسنة، من أمثال محمدعلي علوبة باشا(وهو أحد العلماء الذين تسنموا رئاسة الجمعية فيما بعد) والشيخ عبد المجيد سليم(رئيس هيئة الفتاوى في جامع الأزهر) والحاج أمين الحسيني(مفتي فلسطين الأعظم)، والشيخ محمد عبداللطيف(مفتي وزارة الأوقاف)، والشيخ محمد عبد الفتاح العناني(رئيس المذهب المالكي)، والشيخ محمود شلتوت(عضو هيئة كبار العلماء الأحناف)، وحسن البنا(مؤسس حركة الأخوان المسلمين)، والقاضي محمد بن عبدالله الأمري(ممثل الشيعة الزيدية في اليمن)، وغيرهم من العلماء.ثم إلتحق بركب هذه الجمعية مجموعة من العلماء الشيعة من أمثال الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، السيد هبةالدين الشهرستاني، والسيد عبدالحسين شرف الدين.[٧]

تأيد آية الله البروجردي

كان آية الله السيد حسين البروجردي من المؤيدين لدار التقريب . وهو أحد مراجع التقليد عند الشيعة في الفترة التي أسست فيها دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، ولهذا كان يدعمها ماليا، فضلا عن الدعم المعنوي بإعتباره أحد مراجع الدين الشيعة الكبار في ذلك الوقت.[٨] وقد كانت هناك الكثير من المراسلات بين السيد البروجردي والشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر كان لها أثر كبير في التقريب بين المذاهب الإسلامية.[٩] كما إن دار التقريب كانت تستفيد من الدعم الحكومي الذي تتلقاه من بعض الأنظمة في بعض الدول الإسلامية.

المنجزات

الموانع في طريق التقريب

وقف أصحاب المذهب الوهابي بالضد من عملية التقريب بين المذاهب الإسلامية وإنتقدوها بشدة، مدعين أن التقريب يؤدي الى تشيع أهل السنة خصوصا بعد أن إحتلت الوهابية مكانة عند الكثير من أهل السنة بسبب الإمكانات الهائلة وذلك بسبب البترول الذي تقع امواله تحت سيطرتها. كما إن الدول الإستعمارية عمدت الى توسيع الفرقة بين المسلمين من خلال عملائها المنتشرين في البلاد الإسلامية. فكل هذه الأسباب وغيرها تعد حجر عثرة في طريق التقريب بين المسلمين.

النشاطات التقريبية خلال 70 سنة

نشرت الكثير من المقالات التي تهتم بمسألة التقريب بُينت من خلالها أصول الفكر التقريبي، وطبعت هذه المقالات في ستين عددا من مجلة رسالة الإسلام. وقد قامت بعض المؤسسات بطبع هذه الأعداد تحت دورة كاملة كما فعلت الحضرة الرضوية المقدسة بالتعاون مع مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية.وقد نشرت بعض المقالات على شكل كتاب كما فعل محمد محمد مدني،[١٥] وعبد الكريم بي آزر الشيرازي،[١٦] وعبدالله محمد تقي القمي،[١٧] والشيخ عبدالله العلايلي.[١٨]

تأسيس مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية

أُُسس مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية سنة 1990م وذلك بأمر من السيد الخامنئي. ومن ذلك الحين أخذ المجمع على عاتقه مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية من خلال مشاركة العلماء المسلمين سواء كان في إيران أو سائر الدول الإسلامية. ومن أهم نشاطات المجمع إصدار مجلة رسالة التقريب باللغة العربية من أجل إيجاد روح الوحدة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية، كما أخذت على عاتقه نشر آثار العلماء المسلمين.

التقريب بعد إنتصار الثورة الإسلامية في إيران

جعلت الثورة الإسلامية ومنذ إنطلاقها سنة 1979م والى الآن وحدة المسلمين والتقريب بينهم من أهدافها، واهتماماتها، ومن أجل رفع الشبهات والتهم المختلة التي ألحقت ببعض المذاهب وبالخصوص المذهب الشيعي أقدمت على أعمال مختلفة من جملتها:

  1. أعلنت أن الأسبوع الواقع مابين 12 ربيع الأول و17 ربيع الأول هو أسبوع الوحدة الإسلامية. وذلك لأن رواية أهل السنة تقول إن النبي (ص) ولد في يوم الثاني عشر، بينما روايات الشيعة تنص على السابع عشر من ربيع الأول.
  2. قامت وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي بمنع الكتب التي تؤدي الى التفرقة من الإنتشار.[١٩]
  3. صدور فتوى من الإمام الخميني: إنه يجب على الشيعة الدخول في صلاة الجماعة مع سائر المسلمين في مراسم الحج.
  4. تأسيس جامعة الأديان والمذاهب في طهران، حيث يدرس فيها الفقه الجعفري، والزيدي، والحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والأباضي.

إنعقاد المحفل العلمي في إسطنبول

عقد في إسطنبول محفل علمي حضره نخبة من علماء الشيعة والسنة وكان هذا سنة 1993م، وكان الغرض من هذا المؤتمر توسيع المعارف بين الطرفين والإطلاع على أفكار الطرف الأخر. وكان لمؤلفات كلا من كاشف الغطاء وعبدالحسين شرف الدين والسيد محسن الأمين والعلامة الأميني وغيرهم من الدور الكبير في تصحيح نظرة الكثير من أهل السنة وبالخصوص العلماء منهم. كما إن هناك بعض الكتب كان لها الدور الكبير في تصحيح آراء بعض أهل السنة وبالخصوص أهل المعرفة كما في الفقه على المذاهب الخمسة لمحمد جواد مغنية، ودروس في الفقه المقارن لمحمد إبراهيم جناتي(كان هذين الكتابين في الفقه التطبيقي)، وكذلك كتاب المراجعات للسيد عبدالحسين شرف الدين والذي بين من خلاله العقائد والمباني الشيعية.

أرضية التقريب بين المسلمين

إن المتتبع يجد هناك الكثير من المشتركات بين السنة والشيعة يمكن إستثمارها في طريق الوحدة كالإعتقاد بالتوحيد والنبوة والمعاد والصلاة والصيام وكذلك السنةالنبوية، والكثير من الأحكام الفقهية والأصول الإعتقادية وهذا خير دليل على الوحدة الواقعية بين المسلمين، وعلى رجال السياسة والقيادات الدينية أن يتنبهوا لهذا الأمر من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية. كما إن القرآن يدعونا الى ترويج ثقافة الوحدة ويذم التفرقة.

قالوا في التقريب

الإمام الخميني:
إن الطامعين الذين يريدون استغلال خيرات العالم الإسلامي يرون في بث التفرقة وإثارة بين صفوف المسلمين أفضل طريق للوصول إلى غاياتهم. إنّ عملاء الدول الكبرى يقفون بوجه تحقيق الاتحاد بين الإخوة السنة والشيعة.
الإمام الخامنئي:
ولما كانت الوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية لفائدة المسلمين وسبيلاً إلى عظمة الإسلام. علينا أن نعلم واثقين أن أعداء الإسلام يبذلون قصارى جهودهم ويحيكون أكثر المؤامرات تعقيداً ضد هذه الوحدة.
الشيخ محمد عبده:
إن بث الفرقة وتضعيف المذاهب والدين هي من الدسائس الخبيثة التي حاكها الأجانب في بلاد المسلمين وكان الأجانب يستهدفون من ذلك تضعيف الفرق الإسلامية المختلفة.[٢٠]

الهوامش

  1. الصعيدي، ص:37-38
  2. محيط الطباطبائي,ص:174. 1370ش
  3. محيط الطباطبائي، ص:182،185،187
  4. محيط الطباطبائي،(مصدر فارسي) ص:17-18. 1375ش
  5. جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية،ص:124،127
  6. القمي،ص:189-190 1384ش
  7. جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية،ص:127 و129
  8. ((السيد البروجردي والتقريب)) رسالة التقريب، ص:8-12
  9. عبدالكريم بي آزر شيرازي(مصدرفارسي) ، ص:201-203
  10. مغنية،ص:148-151
  11. المراغي،ص:349-353
  12. محمد جواد مغنية، ص:379-381
  13. عبد الكريم بي آزر الشيرازي(مصدر فارسي)،ص:327-332
  14. شلتوت، ص:411-414
  15. دعوة التقريب من خلال رسالة الإسلام، القاهرة1966
  16. الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب السبعة
  17. دعوة التقريب
  18. نحو مجتمع إسلامي موحد؛مسألة التقريب بين المذاهب الإسلامية، أسس ومنطقيات
  19. عبدالكريم بي آزر الشيرازي(مصدر فارسي)، ص:57
  20. رسالة الحرمين، العدد26، ص51.

المصادر

  • عبدالكريم بي آزار الشيرازي,شيخ محمود شلتوت.طبعة دار التقريب, طهران 1379ش.
  • جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية (قواعد جمعية التقريب)
  • عبد المتعال الصعيدي, (السعي القديم في توحيد المذاهب)رسالة الإسلام,السنة السابعة(جماد الآخرة1374)
  • محمد محيط الطباطبائي, سيد جمال الدين الأفغاني الأسدآبادي والصحوة في المشرق. تحقيق:هادي خسرو شاهي,طهران 1370 ش.
  • محمد مصطفى المراغي؛(الإجتهاد في الشريعة)ىسالة الإسلام, السنة الأولى, العدد4(ذي الحجة 1368).
  • محمد جواد مغنية,(الأصول الثلاثة والأخوة في الدين), رسالة الإسلام, السنة الثامنة, العدد2( رمضان 1375هـ).

روابط خارجية

مجلة العالمالإسلامي