الاستبراء (فقه)

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث


الاستبراء، استعمل الاستبراء في الفقه في موارد وأبواب عديدة، اختلف المراد الفقهي منه في كلّ باب عن الباب الآخر تبعاً لاختلاف الموارد من حيث المستبرأ والمستبرأ منه والمستبرأ لأجله، ومنها: الاستبراء في الطهارة، والنسب، والموت، والأهلية، والعيوب، والحقوق، والذنوب.

ولقد ذكرت موارد مختلفة للاستبراء في الطهارة وهي: الاستبراء من البول، والمني، والدم، والحيوان الجلال.

تعريفه

  • لغةً: طلب البراءة، يقال: استبرأ الشيء إذا طلب آخره لقطع الشبهة عنه، ومن ذلك استبراء الجارية أو المرأة بترك وطئها حتى تحيض، ومعناه طلب براءتها من الحمل، وكذلك استبراء الرحم، واستبراء الذكر طلب براءته من بقيّة البول أو المني حتى يعلم أنّه لم يبق فيه شيء، الاستبراء من الدين أو الذنب أو غيرهما طلب الإبراء منه.

والأصل في كلّ ذلك هو البُرء بمعنى (خلوص الشيء عن غيره)، أو بمعنى التباعد من الشيء ومزايلته، فالجارية ــ مثلاً ــ بالاستبراء تكون قد بُرّئت من الريبة التي تمنع المشتري من مباشرتها.[1][2]

  • اصطلاحاً: استعمل الاستبراء في الفقه بنفس معناه اللغوي ولكن في موارد وأبواب عديدة، اختلف المراد الفقهي منه في كلّ باب عن الباب الآخر تبعاً لاختلاف الموارد من حيث المستبرأ والمستبرأ منه والمستبرأ لأجله، ومنها: الاستبراء في الطهارة، والنسب، والموت.... الخ.[3]

موارد الاستبراء

في الطهارة

بمعنى طلب البراءة من النجاسة كالبول والمني والدم والجلل، ولقد ذكرت موارد مختلفة للاستبراء في الطهارة وهي:

  • الاستبراء من البول: كيفيّة أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، ثمّ منه إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثمّ ينترها ثلاثا، و فائدته طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنّه بول، ولايجب الوضوء منه، ولو خرج البلل المشتبه بالبول قبل الاستبراء وإن كان تركه لعدم التمكّن منه، أو كان المشتبه مردّدا بين البول والمنيّ بنى على كونه بولا، فيحب التطهير منه و الوضوء، ويلحق بالاستبراء ــ في الفائدة المذكورة ــ طول المدّة على وجه يقطع بعدم بقاء شي‌ء في المجرى، ولا استبراء للنساء، والبلل المشتبه الخارج منهنّ طاهر لا يجب له الوضوء، والأولى للمرأة أن تصبر قليلا وتتنحنح وتعصر فرجها عرضا ثمّ تغسله.[4]

يُستحبّ أن يكون الاستبراء باليسار؛ لما ورد من النهي عن الاستنجاء باليمين، وعن مسح الذكر بها، ففي مرسل الفقيه قال أبو جعفر عليه السلام: «إِذَا بَالَ الرَّجُلُ، فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ‌»،[5] والحكم باستحباب ذلك يبتني على التسامح في أدلة السنن.[6]

  • الاستبراء من المني: هو طلب البراءة من المني، والاجتهاد في إزالة بقاياه المتخلّفة في المحلّ بالبول، أو به، وبالاجتهاد المعهود "أي الخرطات".

أما في كيفيته، فينبغي للجنب إذا أنزل الاستبراء بالبول قبل الغسل، وليس هو شرطاً في صحّة غسله، ولكن فائدته أنّه لو فعله، واغتسل، ثمّ خرج منه بلل مشتبه لا يجب عليه إعادة الغسل، بخلاف ما لو اغتسل بدونه، فإنّ البلل المشتبه حينئذٍ محكوم بكونه منيّاً، سواء استبرأ بالخرطات لتعذّر البول عليه أم لا.[7]

  • الاستبراء من الدم: المراد منه طلب براءة الرحم منه، ويكون ذلك للطهارة من الحيض أو النفاس عند انقطاع دمهما ظاهراً قبل أقصى المدّة، مع احتمال بقائه في الباطن.

أنّ الحائض والنفساء، إذا انقطع عنها الدم في الظاهر، واحتملت بقاءه في الباطن مع إمكان الحيضيّة ــ بأن كان الانقطاع لدون العشرة الذي هو أكثر الحيض ــ تستبرئ بقطنة أو نحوها تدخلها في موضع الدم ثمّ تخرجها، فإن خرجت ملوثة بقيت علي التحيّض، وإن خرجت نقية أغتسلت وعملت عمل الطاهر.[8]

  • الاستبراء من الحيوان الجلال: الحيوان الجلاّل هو الحيوان المأكول اللحم الذي يتغذّى بعذرة الإنسان خاصّة،[9] بحيث يعتاد ذلك، فإنّه يحرم بذلك لحمه وينجس بوله، وروثه حتى يستبرأ من الجلل.[10]

في النسب

والمراد منه طلب براءته من النطفة، والحمل من خلال التربّص بالمرأة مدّة معيّنة، ومقدّرة في الشرع بما يدلّ على ذلك لأجل جواز وطئها، كما في المملوكة عند نقلها، وانتقالها.[11]

هذا، وقد وقع الخلاف بين الفقهاء؛ لاختلاف الروايات في حكم وطئها حينئذٍ على أقوال، فذهب بعضهم إلى كراهة وطئها، وقال آخرون: يجب الصبر إلى وضع الحمل، وقال ثالث: لا يجوز وطؤها إلى أن يمضي لها أربعة أشهر وعشرة أيّام، ويجوز بعد ذلك على كراهة.[12]

في الموت

ذكر الفقهاء في جملة أحكام الميّت أنّ المحتضر إذا تحقّق موته يستحبّ التعجيل في تجهيزه ودفنه،[13] أمّا إذا اشتبه حاله في الموت، وعدمه، فلا يستحبّ تعجيله حتى يعلم موته؛ لئلّا يعان على قتل المسلم[14]

وقد ذكر أكثرهم أنّ طريق العلم بموته أمران:

  • الاستبراء بعلامات الموت: وذكروا من علامات الموت استرخاء رجليه، وانفصال كفّيه، وميل أنفه، وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه (جانب الوجه من العين إِلى الأذن).[15]
  • الصبر عليه ثلاثة أيّام: فإنّ ظاهر بعض الفقهاء، بل كاد يكون صريح بعضهم أنّ الثلاثة أقصى مدّة التربّص،[16] إلّا أنّ بعض الفقهاء كصاحب الجواهر ومن تأخّر عنه اعتبر المدار على حصول العلم، وأنّ التحديد بالتغيّر أو الثلاثة أيّام مقدّمة علميّة لذلك كما يشعر به اختلافها في تعليق ذلك؛ إذ منها ما هو على العلم، وآخر على الثلاثة، وثالث على التغيّر، ورابع على اليومين، ونحو ذلك.[17] من هنا جاءت الفتوى في أكثر الرسائل العمليّة بلزوم الانتظار حتى حصول اليقين بالموت.[18]

في الأهلية

والمراد به اختبار حال المقرّ ليتبيّن حاله من حيث صحّة عقله أو صوابه وأهليّته للإقرار، فيما إذا ارتاب الحاكم في صحّة عقله، واختياره في الإقرار. قال الشيخ المفيد: «إن ارتاب القاضي بكلام المقرّ، وشكّ في صحّة عقله، واختياره للإقرار توقّف عن الحكم عليه حتى يستبرئ حاله...».[19]

في العيوب

والمراد به الاستبراء من العيب الحادث بسبب الجناية حتى يتبيّن السلامة من النقص الوارد عليه، فقد ذكر بعض الفقهاء في باب القصاص أو الديات أنّ هناك بعض العيوب ينتظر بها إلى أن ينكشف حالها قبل الحكم بالقصاص أو الدية.

ففي المقنعة: «ينبغي أن ينتظر الحاكم بالمجروح والمكسور حتى يعالج، ويستبرئ حاله بأهل الصناعة، فإن صلح بالعلاج لم يقتصّ له، لكنّه يحكم على الجاني بالأرش فيما جناه، فإن لم يصلح بعلاج حكم له بالقصاص...».[20]

وذكر في دية حلق الشعر أنّه لو كان المقطوع شعر رأس المرأة يستبرئ حاله، فإن لم يعد فكالرجل، وإن عاد ففيه مهر نسائها.[21]

في الحقوق

والمراد به طلب تخليص الذمّة ممّا اشتغلت به من حقّ للغير وبراءتها منه، وهذا تارة يُراد منه طلب براءة الذمة ممّا اشتغلت به من خلال الأداء، والامتثال، وهذا ممّا لا شكّ في وجوبه شرعاً وعقلًا، من هنا تجدهم يفتون بوجوب أداء الدين، ووجوب ردّ المال المغصوب ونحو ذلك، بل بوجوب الوصية على كلّ من له حقّ للَّه أو للناس؛ لوجوب استبراء الذمّة كيف أمكن.[22]

وتارة يُرادُ به طلب الإبراء ممّن له الحقّ، وهذا لا حكم له في حدّ ذاته وبعنوانه، وإنّما هو مباح لا مانع منه شرعاً ولا عقلًا، ولا يترتّب عليه أثر، ولا تحصل براءة الذمّة إلّا بالأداء أو الإبراء أو الإسقاط من قبل من له الحقّ أو العجز أو غير ذلك من المسقطات. نعم، قد يحسن ويستحبّ لمن له الحقّ الإبراء، والإحلال لاستحباب التسامح ورجحانه كما هو واضح.[23]

في الذنوب

والمراد به طلب براءة الذمّة منها، وهذا تارة يكون المراد به الطلب من اللَّه عز وجل.png، بأن يغفر له ذنوبه أو يسترها عليه، وهذا يرتبط بوجوب التوبة عن الذنوب والاستغفار منها، وهو واجب بلا إشكال عقلًا وشرعاً.

واخرى يُراد به طلب الإبراء من شخص كانت له مظلمة عليه، كما لو قذف مؤمناً أو اغتابه أو بهته أو غير ذلك، فيطلب منه أن يُبرئ ذمّته، وهذا لم يتعرّض له الفقهاء إلّا في بحث الغيبة، وأنّه هل يجب الاستحلال من المغتاب أم لا؟ والظاهر أنّ المشهور عدم وجوب الاستحلال من المغتاب، وإنّما الواجب على المغتاب التوبة والاستغفار لنفسه، وإن كان الأحوط الاستحلال.[24]

وربّما يفصّل بين وصول الغيبة إلى المغتاب، فيجب الاستبراء والاستحلال، وبين عدم وصولها فلا يجب، أو بين إمكان الاستحلال فيجب، وبين عدم إمكانه لموت أو بُعد مكان أو استلزام فتنة أو إهانة فلا يجب.[25]

الهوامش

  1. ابن زكريا، معجم مقايس اللغة، ج 1، ص 236 ــ 237.
  2. البستاني، محيط المحيط، ص 32 ــ 33.
  3. موسوعة الفقه الإسلامي، ج 10، ص 347.
  4. الفياض، منهاج الصالحين، ج 1، ص 38.
  5. الصدوق، من لايحضره الفقيه، ج 1، ص 28، ح 55.
  6. الغروي، التنقيح في شرح العروة، ج 3، ص 430.
  7. الخميني، تحرير الوسيلة، ج 1، ص 38.
  8. الصدر، منهج الصالحين، ج 1، ص 62.
  9. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج12، ص25.
  10. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج 12، ص 26.
  11. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج 3، ص 385.
  12. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج 8، ص 84 ــ 85.
  13. الكركي، جامع المقاصد، ج 1، ص 354.
  14. المحقق الحلي، المعتبر، ج 1، ص 263.
  15. النراقي، مستند الشیعة، ج 3، ص 80.
  16. المفيد، المقنعة، ج 1، ص 86.
  17. النجفي، جواهر الكلام، ج 4، ص 25 ــ 26.
  18. الصدر، الفتاوى الواضحة، ج 1، ص 167.
  19. المفيد، المقنعة، ج 1، ص 723.
  20. المفيد، المقنعة، ج 1، ص 761.
  21. الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، ج 15، ص 399.
  22. الهندي، كشف اللثام، ج 2، ص 194.
  23. موسوعة الفقه الإسلامي، ج 10، ص 510.
  24. الخميني، المكاسب المحرمة، ج 1، ص 316 ــ 318.
  25. الشهيد الثاني، كشف الريبة، ج 1، ص 321.

المصادر والمراجع

  • ابن زكريا، أحمد بن فاس، معجم مقاييس اللغة، قم ــ إيران، مكتب الإعلام الإسلامي، 1404 هـ.
  • ابن فهد الحلي، أحمد بن محمد، المهذب البارع، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1411 هـ.
  • البستاني، المعلم بطرس، محيط المحيط، بيروت ـ لبنان، مكتبة لبنان، 1987 م.
  • الخميني، روح الله، المكاسب المحرمة، قم ـ إيران، مؤسسة اسماعيليان، ط 3، 1410 هـ.
  • الخميني، روح الله، تحرير الوسيلة، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1416 هـ.
  • الخوئي، أبو القاسم، مصباح الفقاهة، قم ـ إيران، مؤسسة أنصاريان، 1417 هـ.
  • السبزواري، عبدالاعلی، مهذب الاحکام في بیان الحلال والحرام، قم ــ إيران، مؤسسة المنار، 1417 هـ.
  • السيستاني، علي، منهاج الصالحين، بيروت ـ لبنان، دار المؤرخ العربي، ط 14، 1429 هـ.
  • الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، كشف الريبة (رسائل الشهيد الثاني)، قم ـ إيران، منشورات مكتبة بصيرتي، د.ت.
  • الشهيد الثاني، زين الدين بن علي، مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، قم ـ إيران، مؤسسة المعارف الإسلامية، 1414 هـ.
  • الصدر، محمد باقر، الفتاوى الواضحة، بيروت ـ لبنان، دار التعارف للمطبوعات، 1403 هـ.
  • الصدوق، محمد بن علي، من لا يحضره الفقيه، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 هـ.
  • العلامة الحلي، الحسن بن يوسف بن المطهر، قواعد الأحكام، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 هـ.
  • الغروي، علي، التنقيح في شرح العروة الوثقى (الطهارة)، تقرير بحث السيد أبي القاسم الخوئي، قم ـ إيران، مؤسسة أنصاريان، 1417 هـ.
  • الكركي، علي بن حسين، جامع المقاصد، قم ـ إيران، مؤسسة آل البيت عليهم ‏السلام لإحياء التراث، 1408 هـ.
  • المحقق الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، المعتبر في شرح المختصر، قم ـ إيران، مؤسسة سيد الشهداء عليه السلام، 1364 ش.
  • المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، المقنعة، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1410 هـ.
  • النجفي، محمد حسن، جواهر الكلام، بيروت ـ لبنان دار إحياء التراث العربي، د.ت.
  • النراقي، أحمد بن محمد، مستند الشيعة، قم ـ إيران، مؤسسة آل البيت عليهم السلام.png لإحياء التراث، ط 1، 1429 هـ.
  • الهندي، محمد بن الحسن، كشف اللثام و الإبهام عن قواعد الأحكام، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1420 هـ.
  • اليزدي، محمد كاظم، العروة الوثقى، قم ـ إيران، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ.