آية الابتلاء

من ويكي شيعة
اذهب إلى: تصفح، ابحث
آية الابتلاء.png

آية الابتلاء هي الآية 124 من سورة البقرة والتي ارتقى فيها إبراهيم عليه السلام وبأمر من الله تعالى إلى مقام الإمامة. وتُمثّل الآية المباركة إحدى الأدلة التي يعتمدها الشيعة لإثبات معتقدهم في كون الإمامة منصباً إلهياً مع اشتراط عصمة الإمام.


متن الآية

«وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ».[١]

مفاد الآية

تنطوي الآية المباركة على ثلاثة مباحث أساسية حظيت باهتمام المتكّلمين والمفسّرين الإسلاميين، هي:

1. المراد من الكلمات وكيفية الابتلاء الإلهي لإبراهيم عبر هذه الكلمات.

2. المراد من الإمامة التي نالها إبراهيم بعد تجاوزه جملة من الاختبارات.

3. المراد من الظلم الذي يمنع من الوصول إلى مقام الإمامة. وهل تدل الآية على وجوب عصمة الإمام؟

المقصود من الكلمات

ذكرت الكتب التفسيرية مجموعة من الآراء في تحديد المراد من الكلمات المذكورة في الآية، منها:

أ. روي عن الإمام الصادق (ع) أنّه فسّر الكلمات بـقوله «أنّه ما ابتلاه الله به في نومه من ذبح ولده إسماعيل فأتمّها إبراهيم وعزم عليها وسلم لأمر الله». ولا ريب أن هذا النوع من الابتلاء يعتبر من أشد الأنواع وأصعبها التي تعرض لها إبراهيم (ع) وليس ذلك من مختصات يختص بها النبي إبراهيم (ع).

ب. رويت عن ابن عباس ثلاثة وجوه تفسيرية للآية هي:

1. إنها عشر خصال كانت فرضاً في شرعه (ع) هي: السّواك، والمضمضة، والاستنشاق، والختان، والاستنجاء، وتقليم الأظفار و....

2. وقال ابن عباس: الإسلام ثلاثون سهماً منها عشر آيات في براءة «التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ»(التوبة: 112) إلى آخر الآية، و عشر آيات في أول سورة: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ»(المؤمنون: 1)، و «سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ»(المعارج: 1) و عشر آيات في الأحزاب: «إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِماتِ»(الأحزاب: 35) فأتمهن كلهن فكتبت له براء.

3. الوجه الثالث: الابتلاء بمناسك الحج.

ج. وعن الحسن البصري ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس والختان وبذبح ابنه وبالنار وبالهجرة فكلهن وفّى الله فيهن.

د. قال أبو علي الجبائي أراد بذلك كلمّا كلّفه من الطاعات العقلية والشرعية.

هـ. وقال مجاهد ابتلاه الله بالآيات التي بعدها وهي قوله «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً» إلى آخر القصة. وعليه تكون الإمامة إحدى الاختبارات التي تعرض لها إبراهيم لا أنها حصيلة الاختبار وثمرته.

وقال العلامة أمين الإسلام الطبرسي بعد استعراضه لتلك الآراء: والآية محتملة لجميع هذه الأقاويل التي ذكرناها.[٢]

نقد وتحليل

قال العلامة الطباطبائي في معرض نقده لما ذهب إليه مجاهد: أمّا ما ذكره بعضهم: أن المراد بالكلمات قوله تعالى: «قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً»، لا ينبغي الركون إليه إذ لم يعهد في القرآن إطلاق الكلمات على جمل الكلام.[٣]

أما الطبري فانّه بعد أن استعرض الآراء المذكورة، قال: جائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكر وجائز أن تكون بعضه فلا يجوز لأَحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شي‏ء، ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجّة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول (ص)، أو إجماع من الحجة ولم يصح فيه شي‏ء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلت.[٤]

أما ابن كثير فقد ذهب في نقده لنظرية مجاهد بالقول: إن السياق يعطي غير ما قاله مجاهد.[٥]

ونقل القرطبي عن أبي إسحاق الزجاج قوله: و هذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأنّ هذا كله مما ابتلي به إبراهيم (ع).[٦]

وقال العلامة الطباطبائي أيضا: إن القرآن وإن لم يبين في الكلام ما هي الكلمات لأنّ الغرض غير متعلق بذلك، إلا أن قوله: «إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً»، من حيث ترتبه على الكلمات يدل على أن تلك الكلمات كانت أموراً تثبت بها لياقة إبراهيم (ع) لمقام الإمامة.[٧]

حصيلة البحث

تؤكد الأحاديث الواردة عن أهل البيت (ع) إنّ الله اختار إبراهيم (ع) لمقام الإمامة بعد أن اتخذه خليلا.[٨]

ولا ريب أن الْخلَّة بالضَّم: الصَّدَاقة والمَحَبَّة التي تَخَلَّلَت القَلْب فصارت خِلاَلَه أي في باطنه، فليس فيه لِغَيرِ الخليل (الله) مُتَّسَع ولا شَرِكَة.[٩] فيبذل الخليل قصارى جهده وكل ما يملك لنيل رضا الله تعالى ولا يتوانى عن التضحية بكل شيء.

من هنا يمكن القول: المقصود من الكلمات هو مجموعة المسؤوليات والمهام الثقيلة والصعبة التي ألقاها اللّه على كاهل إبراهيم (ع)، فحملها وأحسن حملها، وأدّى ما عليه خير أداء، كأخذ ولده إلى المذبح والاستعداد التام لذبحه، إطاعةً لأمر اللّه سبحانه وإسكان أسرته في واد غير ذي زرع بمكة، والنهوض بوجه عبدة الأصنام وتحطيم الأصنام، والوقوف ببطولة في تلك المحاكمة التاريخية، ثم إلقاؤه في وسط النيران. والهجرة من أرض عبدة الأصنام وأمثال ذلك.

يذكر أن تلك الإبتلاءات وقعت كلها في مرحلتي النبوة والرسالة لإبراهيم (ع).

المراد من إمامة إبراهيم (ع)

هنا أيضا وقع البحث بين المفسرين واختلفت كلمتهم في تحديد المراد من مقام الإمامة هنا، إلى عدة اتجاهات، منها:

شمولية الطاعة والتبعية له

النظرية الأولى: إنّ إمامة إبراهيم (ع) التي حَبيََها هي من الخصائص التي انفرد بها (ع) بعد اجتيازه للاختبارات الشديدة وهي الإمامة العامةً حيث صيّره الله إماماً يؤم من بعده فيتقدمهم، ويتبعون هديه، ويستنون بسنته التي يعمل بها بأمر الله. فهو إمام في الخيرات لمن في عصره و لمن جاء بعده بما فيهم الأنبياء يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وسنته التوحيدية.[١٠] ويؤيد هذا المعنى الكثير من الشواهد القرآنية، كقوله تعالى في ردّ اليهود والنصارى:«ما كانَ إِبْراهيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكينَ*إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهيمَ لَلَّذينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنينَ»[١١] وقوله تعالى مخاطباً النبي (ص): «ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفاً»،[١٢] وقوله تعالى: «مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ»[١٣]

نقد وتحليل

ويرد على هذه النظرية: أ- لا ريب أنّ كلاً من موسى (ع) وعيسى (ع) جاءا بشريعة مستقلّة ناسخة لما سبقها من الشرائع، من هنا لا يمكن القول بأنّ هذين النبيين تابعان لشريعة إبراهيم (ع)، فلابدّ من حمل الآيات على روح الديانة الإبراهيمية وجوهرها كالتوحيد والتسليم أمام الأوامر والنواهي الإلهية، كما أكّد ذلك قوله تعالى: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الْإِسْلاَمُ»[١٤]

ب. صرّح القرآن الكريم بأنّ إبراهيم (ع) نفسه من شيعة نوح (ع) قال تعالى: «وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ ...» [١٥] ولا تعني الآية أن إبراهيم (ع) يتعبد بشريعة نوح (ع) وإنما المراد منها أنّ إبراهيم يسير إلى نفس الخط والنهج التوحيدي الذي انتهجه نوح والتصدّي للكفر والجاهلية، ولا ريب أنّه منهج جميع الأنبياء ممن جاء بعد إبراهيم (ع) أيضاً.

ج. إنّ إبراهيم (ع) لمّا حبي بمقام الإمامة طلب ذلك لذريته فاستجاب له ربّه أنّه جاعلها في الطيبين والمعصومين من ذريته، كما قال في حق إسحاق ويعقوب (ع): «وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا...».[١٦] وعليه لا يمكن القول بأنّ مقام الإمامة من الأمور التي انفرد بها إبراهيم (ع)؛ إذ لو كانت كذلك لما كان لِطلبها لذريته موضوعية.

النبوة

النظرية الثانية: يذهب أصحاب هذه النظرية إلى القول بأنّ المراد من الإمامة هنا خصوص نبوته (ع) وقد مال إلى هذا الرأي الفخر الرازي، مستدلا عليه بوجوه. أحدها: أن قوله: «لِلنَّاسِ إِماماً» يدل على أنّه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون رسولا من عند اللّه مستقلًا بالشرع لأنّه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ يبطل العموم.

وثانيها: إن اللفظ يدل على أنّه إمام في كل شي‏ء والذي يكون كذلك لا بد وأن يكون نبياً.

وثالثها: لأن اللّه تعالى ذكر لفظ الإمام ها هنا في معرض الامتنان، فلا بد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه النعمة (الإمامة) على النبوة.[١٧]

تحليل النظرية

ويرد على هذه النظرية التهافت الواضح بين الوجهين الأول والثاني حيث جعل المعيار لتفسير الإمامة بالنبوة في الوجه الاول كونه ذا شريعة مستقلة وفي الوجه الثاني جعل المعيار كونه إماماً في كل شي‏ء.

أضف إلى ذلك أن صرف الامتنان بشيء – كما في الوجه الثالث- لا يثبت المدعى إذ لا تلازم بين امتنانية الإمامة وتفسيرها بالنبوة.

وبغض النظر عن ذلك، فإن إبراهيم (ع) إنّما نال مقام الإمامة بعد تجاوزه لشتى الاختبارات والابتلاءات الصعبة التي لا ريب أنها وقعت أثناء نبوته، فقد كان (ع) نبياً قبل تقلده الإمامة، فلا تعني الإمامة في الآية النبوة جزماً.

ومما يفند هذه النظرية الواقع التاريخي، فإنّ قصة الإمامة، إنّما كانت في أواخر عهد إبراهيم (ع) بعد مجي‏ء البشارة له بإسحق و إسماعيل «إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَليمٍ * قالَ أَ بَشَّرْتُمُوني‏ عَلى‏ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ»،[١٨] وإنما جاءت الملائكة بالبشارة في مسيرهم إلى قوم لوط وإهلاكهم، وقد كان إبراهيم (ع) حينئذ نبياً مرسلا، فقد كان نبيا قبل أن يكون إماما فالإمامة الموهوبة له غير نبوته قطعاً.[١٩]

الإمامة تعني كونه الأسوة مطلقاً

النظرية الثالثة: ويرى أصحاب هذه النظرية أن المراد من إمامة إبراهيم (ع) كونه أسوة وقدوة في جميع الأبعاد وشتى المناحي؛ وذلك لأنّ الشرط الأساسي فيها وصول صاحبها إلى درجة من السمو المعنوي بحيث لا يصدر منه حتى ما يصطلح عليه عنوان ترك الأولى رغم كونه معصوماً؛ لأن الأنبياء على قسمين: قسم منهم يصحّ أن نجعل أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم على وجه الإطلاق أُسوة، ودليلا في مجالات الحياة؛ وقسم منهم ليسوا كذلك، لأنَّهم اقترفوا ما كان الأولى والأليق بشأنهم تركه،[٢٠] وهذه الأعمال الصادرة من هؤلاء الأنبياء وإن لم تكن معصية ونقضاً للحكم المبرم وكانت عبارة عن ما يسمّى بـ «ترك الأولى» في المصطلح، غير أنّ هذه الأفعال حالت بينهم وبين أن يكونوا أئمّة على الإطلاق ويؤخذ بأفعالهم على وجه الإبرام، خلافا لإبراهيم (ع) الذي لم يصدر منه بعد الاختبارات العديدة حتى هذا المقدار من ترك الأولى.[٢١]

تحليل النظرية

ويُرد على هذه النظرية:

  • أولا: إن التشدّد والتزمّت في شرطية ترك الأولى في الإمامة، غير واضح؛
  • وثانياً: من الثابت – كما مرّ- أن مقام الإمامة كما هو صريح القرآن قد أعطي لأبناء إبراهيم (ع) كإسحاق ويعقوب (ع) ومما لا ريب فيه أن مقام الأنبياء من أولي العزم كنوح، وموسى، وعيسى (عليهم السلام) - مع اتصافهم بالعصمة- أسمى وأرفع من هذين النبيين، وكانوا أئمة للناس، فكيف يحصر هذا المقام بإبراهيم (ع) وحده.

الإمامة تعني الولاية و الزعامة السياسية

النظرية الرابعة: ذهب بعض المفسرين إلى كون الملاك في إمامة إبراهيم (ع) الولاية والزعامة السياسية.

مستندين في ذلك إلى كون الولاية والزعامة السياسية ليست من شؤون النبوة والرسالة وأن بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه؛ يعني هناك أنبياء هم ولاة وقادة؛ وهناك أنبياء ليسوا بولاة وقادة، وهناك قادة وولاة ليسوا بأنبياء كالأئمة (ع).

وقد أشار الشيخ الطوسي في التبيان إلى هذه النظرية[٢٢] وقال في الرسائل العشر:

قولنا: إمام يستفاد منه أمران: أحدهما أنه مقتدى به في أفعاله وأقواله من حيث قال وفعل، والثاني أنه يقوم بتدبير الأمة وسياستها وتأديب جناتها والقيام بالدفاع عنها وحرب من يعاديها وتولية ولاية من الأمراء والقضاة وغير ذلك واقامة الحدود على مستحقيها. فمن الوجه الاول يشارك الامام النبي في هذا المعنى، لانه لا يكون نبي الا وهو مقتدى به ويجب القبول منه من حيث قال وفعل، فعلى هذا لا يكون الا وهو إمام. واما من الوجه الثاني فلا يجب في كل نبي أن يكون القيم بتدبير الخلق و محاربة الاعداء والدفاع عن أمر الله بالدفاع عنه من المؤمنين لانه لا يمتنع أن تقضي المصلحة بعثة نبي وتكليفه ابلاغ الخلق ما فيه مصلحتهم ولطفهم في الواجبات.العقيلة وان لم يكلف تأديب أحد ولا محاربة أحد ولا تولية غيره. ثم حاول الشيخ الطوسي للتفكيك بين النبوة والإمامة بمعنى القيادة السياسية بمجموعة من الأدلة:

1. قد بين الله تعالى ذلك وأوضحه في قوله عزً ذكره: «وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا...» الآية(1). فحكى تعالى ذلك أنّ النبيّ قال لهم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا» وكان النبي غير ملك، لانّه لو كان الملك له لما كان لذلك معنى. وقولهم «قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ» إذ المفروض أن يقولوا: وأنت أحق بالملك منه لانّك نبي والنبي لا يكون الا وهو ملك سلطان.

2. لا خلاف أن هارون (ع) كان نبيّاً من قبل الله تعالى موحى اليه، وأن موسى (ع) استخلفه على قومه لما توجه إلى ميقات ربّه تعالى وإقامه مقامه فيما هو إليه من القيام بتدبير الأمّة. فلو كان له أمر من حيث كان نبيّاً القيام بأمر الأمّة لما احتاج إلى استخلاف موسى إيّاه وإنّما حسن ذلك لأن موسى استخلفه فيما كان إليه خاصة فاستخلف أخاه فيه وأقامه مقامه، وذلك ايضا واضح.

3. قال الله تعالى لإبراهيم (ع) بعدما ابتلاه بكلمات فاتمهن وقد كان في عهد النبوة: «إني جاعلك للناس إماماً» فلو كانت النبوة لا تنفصل عن الإمامة لما كان لقوله هذا معنى، لأنّه من حيث كان نبيّاً وجب أن يكون إماماً على قول المخالف، كما لا يجوز أن يقول: إني جاعلك للناس نبياً وهو نبي.[٢٣] وقد اختار هذه النظرية أمين الاسلام الطبرسي أيضاً.[٢٤]

تحليل النظرية

لاريب أن القرآن الكريم جعل أحد الأهداف من بعثة الانبياء الحكم وفصل الخصومات بين الناس «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فيمَا اخْتَلَفُوا فيه‏...».[٢٥]

وصحيح أن الحكم بين الناس وفصل الخصومات أضيف الى الكتاب المنزل «فانزل معهم الكتاب ليحكم» لكنه من الواضح جداً أنّ الكتاب بما هو كتاب وقانون لا يقوم بهذه المهمة وإنما مهمته تحديد موازين القضاء وتشريعاته. وأما القضاء العملي فيحتاج الى من يتولى ذلك وهو القاضي الذي يقوم بتحديد المصاديق، كما لابد من حاكم يقوم بتنفيذ وإجراء الحكم ليتحقق غرض النبوة والشريعة اللهية. ولاريب أن القضاة والحكام المنفذين للشريعة ليسوا بمستقلين وفي عرض الانبياء. من هنا، يتوفر الانبياء الالهيون على كلا معنيي الإمامة، وهذا ما أشار اليه قوله تعالى «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْميزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ».[٢٦]

ثم إن الوجوه التي ذكرها شيخ الطائفة للتفكيك بين النبوة والإمامة غير تامة؛ وذلك:

أما الوجه الأول وما ساقه من قصة طالوت، فيرده أنّ رجوع الناس إلى نبيهم وطلبهم تنصيب قائد عسكري لهم يدل بوضوح تام على إيمانهم بأنّ القيادة من شؤون النبي، أضف الى ذلك أنّ نبيهم نفسه لم يرفض طلبهم ولم يقل إن تعيين القائد العسكري ليس من شؤون ومسؤوليات النبوة.

وأما اعتراضهم على اختيار طالوت وقولهم: «أنّى يكون له الملك علينا» فإنّه نابع من كون المعيار عندهم أنّ الأولوية لمن هو أثرى مالاً وأنّه «وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ»، وقد ردّ عليهم نبيهم ذلك بأن المعيار في مثل تلك المسؤوليات ليس المال والثروة وإنّما المعيار الاصطفاء الإلهي والبسطة في العلم والجسم وهي متوفرة لدى طالوت.

وأما ما ساقه من قضية هارون (ع)فيرده، أنه صحيح أن هارون كان مشاركاً لموسى (ع) في النبوة الا أنه مع وجود موسى الذي هو من أولي العزم وهو القائد والزعيم السياسي للأمة لم تتوفر الأرضية لهارون حينئذ لإعمال إمامته ورئاسته السياسية، بل لابد من انحصارها تحت سلطة موسى (ع) فقط، فلا يتم ما استدل به.

أما الوجه الثالث، فيرده أنّ إمامة إبراهيم (ع) السياسية – حسب التفسير المذكور- لا تتوقف على كل تلك الاختبارات والابتلاءات الصعبة. بل هي بحاجة بالإضافة إلى البعد المعنوي إلى الكفاءة والمعرفة بأصول وقواعد إدارة المجتمع وهي متوفرة لدى الانبياء الالهيين باعتبارهم خيرة مجتمعاتهم وبالخصوص مع توفر عنصر العصمة قولاً وفعلاً لديهم.

الإمامة تعني الهداية الملكوتية الباطنية

النظرية الخامسة: ذهب العلامة الطباطبائي الى تفسير الإمامة هنا بالهداية الباطنية، قائلا:

وهذه المواهب الإلهية ليست مقصورة على مجرد المفاهيم اللفظية، بل دونها حقائق من المعارف الحقيقية، فلمعنى الإمامة حقيقة وراء هذه الحقائق.

والذي نجده في كلامه تعالى: أنّه كلما تعرض لمعنى الإمامة تعرض معها للهداية تعرض التفسير، منها:

أ. ما يشير الى مقام بعض الأنبياء كقوله سبحانه: «وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَ كانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ».[٢٧] فوصفها بالهداية وصف تعريف، ثم قيدها بالأمر، فبيّن أنّ الإمامة ليست مطلق الهداية، بل هي الهداية التي تقع بأمر الله.

ب. وهذا الأمر هو الذي بيّن حقيقته في قوله: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ».[٢٨]

ج. وهو الذي تسميه الآية المباركة بالملكوت «وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ»،[٢٩] والآية كما ترى تعطي بظاهرها: أنّ إراءة الملكوت لإبراهيم (ع) كانت مقدمة لإفاضة اليقين عليه، ويتبين به أن اليقين لا ينفك عن مشاهدة الملكوت.

وبالجملة فالإمام يجب أن يكون إنسانا ذا يقين مكشوفا له عالم الملكوت- متحققا بكلمات من الله سبحانه- والملكوت هو الأمر الذي هو الوجه الباطن من وجهي هذا العالم، فقوله تعالى: «يَهْدُونَ بِأَمْرِنا»، يدل دلالة واضحة على أنّ كل ما يتعلق به أمر الهداية- وهو القلوب والأعمال- فالإمام باطنه و حقيقته، ووجهه الأمري حاضر عنده غير غائب عنه، ومن المعلوم أنّ القلوب والأعمال كسائر الأشياء في كونها ذات وجهين، فالإمام يحضر عنده ويلحق به أعمال العباد، خيرها وشرها، وهو المهيمن على السبيلين جميعا، سبيل السعادة وسبيل الشقاوة.

ومن هنا فإنّ حركة الانسان نحو الله تعالى والوصول إلى الكمال المطلق تحصل من خلال التأثير الباطني والمعنوي للإمام كما أنّه يهدي في الظاهر الى سبيل السعادة، فللهداية جنبتان ظاهرية وباطنية.[٣٠]

مراتب الهداية الباطنية

يمكن القول - انطلاقا من إثبات الإمامة (في الآيتين 72و 73 من سورة الأنبياء) لإسحاق (ع) ويعقوب (ع) وكونهم أئمّة يهدون بأمره الله «وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا» وثبوت الإمامة للأنبياء من أولي العزم- أنّه لايمكن إنكار عمومة الإمامة لدى الانبياء الالهيين.

نعم، هذه الإمامة ذات مراتب ودرجات ومقولةً بالتشكيك ويكون الكل باعتبار أنّ لهم نور الوحي والنبوة، والعصمة والمصونية، أئمّة يُقتدى بهم، وتخصيص الإمامة بجماعة خاصة منهم بلغوا القمّة في الطهارة والفضيلة يحتاج إلى دليل خاص، فإنّ الإنسان المثالي إذا بلغ مقام العصمة يصبح أُسوة للناس ودليلا في الحياة، وإماماً في القول والعمل.[٣١]

دلالة الآية على العصمة

استدلال الفخر الرازي

استدل الفخر الرازي على عصمة إبراهيم بقوله تعالى «إِنّي جاعِلُك لِلنّاسِ إِماماً» قائلا: يدل ذلك على أنّه (ع) كان معصوماً عن جميع الذنوب لأنّ الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه و الجميع محال.[٣٢]

استدلال أعلام الإمامية

استدل الإمامية على العصمة انطلاقاً من هذه الآية بعدّة وجوه:

الوجه الأول: استدل متكلموا الإمامية ومفسروهم على العصمة بقوله تعالى «لاينال عهدي الظالمين»، وذلك: لانه لما قال تعالى: «إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ» دلٌّ ذلك على كون الإمامة من عهد الله تعالى، وعلى اعتبار عصمة الإمام حين الإمامة وقبلها; لأنّ كلّ عاص ظالم، لقوله تعالى: «وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون»(البقرة، 229) ولاريب أن ما طلبه إبراهيم (ع) لذريته هو الإمامة وإلا اختل التناسق بين السؤال والجواب.[٣٣]؛[٣٤]

إشكال وجواب

قيل: إنّ الآية إنّما تشمل من اقترف الكبيرة ولم يتب وكان مقيماً على الظلم وأمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم؛ لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة، وزالت تلك الصفة، زال الحكم. ألا ترى أنّ قوله: «وَلا تَرْكَنُوا إلى‏ الَّذِينَ ظَلَمُوا» إنّما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم، فقوله تعالى: «لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ» لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه؛ لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالماً، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً.[٣٥]؛[٣٦]؛[٣٧]؛[٣٨]

يلاحظ عليه: إن الآية مطلقة فقد نفت استحقاق مطلق الظالم ولو للحظة واحدة لمقام الإمامة والخروج عن الاطلاق وتقييد الآية بصنف خاص من الظالمين يحتاج الى دليل هو مفقود هنا.[٣٩]؛[٤٠]؛[٤١]

الوجه الثاني

إنّ ذرية إبراهيم (ع) بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:

  1. من كان طيلة عمره ظالماً.
  2. من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره.
  3. من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.
  4. من كان طاهراً في بداية عمره، وظالماً في آخره.

عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم (ع) الذي سأل الإمامة لبعض ذرّيته، أيَّ قسم منها أراد؟

إنّ من غير المعقول والبديهي أن يسأل خليل اللَّه تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأوّل والرابع من ذرّيته، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة، لا يصلح لأن يؤتمن عليها.

ولمّا كان اللَّه تعالى قد نفى إمتلاك الإمامة من قبل الظالم وهو ما سبق أن وقع في تسميته أصحاب القسم الثالث، في حين يقابله في القسم الثاني من هو بري‏ء عن الظلم مطلقاً طيلة عمره، وتتمثّل فيه جميع الصفات المطلوبة والمحدّدة في الآية الكريمة، فلا مناص من الجزم بتعلّقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام.[٤٢]

الهوامش

  1. البقرة:124
  2. مجمع البيان، ج1، ص 200.
  3. الميزان، ج1، ص270.
  4. جامع البيان، ج1، ص 608.
  5. تفسير القرآن العظيم، ج1، ص 292.
  6. الجامع لأحكام القرآن، ج2، ص 95.
  7. الميزان، ج1، ص 270.
  8. البرهان في تفسير القرآن، ج1، ص 151ـ 149.
  9. النهاية في غريب الحديث والأثر، ج2، ص 72.
  10. تفسير الطبري، ج1، ص 610.
  11. آل عمران:68.
  12. النحل:23.
  13. الحج:78.
  14. آل عمران:19.
  15. الصافات:83.
  16. الأنبياء:73.
  17. مفاتيح الغيب، ج2، ص 36.
  18. الحجر:55.
  19. الميزان، ج1، ص 267ـ 268.
  20. طه:115، القصص:15
  21. منشور جاويد، ج5، ص 234ـ 237.
  22. التبيان، ج1، ص 449.
  23. الرسائل العشر، ص 111ـ 113.
  24. مجمع البيان، ج1، 201.
  25. البقرة:213.
  26. الحديد:25.
  27. السجدة:24; الأنبياء:73.
  28. يس:82 و 83 ; القمر:50
  29. الأنعام:75 ; التكاثر:6 ; المطففين:18ـ 21
  30. الميزان، ج1، ص 272ـ 273.
  31. انظر: السبحاني، مفاهيم القرآن، ج‏5، ص: 372، نشر مؤسسة الامام الصادق عليه السلام.
  32. مفاتيح الغيب، ج4، ص 40.
  33. اللوامع الإلهية، ص 332ـ 333.
  34. الشافي، ج3، ص 141.
  35. شرح المواقف، ج8، ص 351.
  36. المغني، ج20، ص 194.
  37. مفاتيح الغيب، ج4، ص 42.
  38. شرح العقائد النسفية، ص 113.
  39. التبيان، ج1، ص 449.
  40. الشافي، ج3، ص 139.
  41. مجمع البيان، ج1، ص 202.
  42. الميزان، ج1، ص 274.

المصادر

  • البرهان في تفسير القرآن، البحراني، السيد هاشم، دار الكتب العلمية، قم، 1393ق.
  • التبيان في تفسير القرآن، الطوسي، محمد بن حسن، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، 1409هـ.
  • تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، إسماعيل بن عمرو بن كثير الدمشقي، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1419هـ.
  • التفسير الكبير، الرازي، فخر الدين، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • تفسير الطبري، الطبري محمد بن جرير، ضبط و تعليق: محمود شاكر، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
  • جامع البيان في تفسير القرآن، الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، دار المعرفة، بيروت، 1412هـ.
  • الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي، القرطبي، محمد بن أحمد، تحقيق عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1423ق.
  • الرسائل العشر، الطوسي، محمد بن حسن، مؤسسة النشر الإسلامي، قم (بلا تا).
  • الشافي في الإمامة، السيد المرتضى، علي بن حسين، مؤسسة الصادق، طهران، 1407هـ.
  • شرح العقايد النسفية، التفتازاني، سعد الدين، مطبعة المولوي، محمد عارف، 1364هـ ش.
  • شرح المقاصد، التفتازاني، سعد الدين، منشورات الشريف الرضي، قم، 1409هـ.
  • شرح المواقف، الجرجاني، مير سيد شريف، منشورات الشريف الرضي، قم، 1412هـ.
  • اللوامع الإلهية، الفاضل المقداد، جمال الدين مقداد بن عبد الله، مكتبة المرعشي، قم، 1405هـ.
  • مجمع البيان، الطبرسي، الفضل بن حسن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1379 هـ ش.
  • المغني في أبواب التوحيد والعدل، الهمداني، عبد الجبار، تحقيق الدكتور محمود محمد قاسم، دار الكتب، بيروت، 1382هـ.
  • منشور جاويد، السبحاني، جعفر، انتشارات توحيد، قم.
  • الميزان، الطباطبائي، محمد حسين، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1393هـ.
  • النهاية في غريب الأثر، ابن الأثير، مبارك بن محمد، مؤسسه اسماعيليان، قم، 1361هـ ش.